تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

المسألة الإنسانية في السودان: بين إخفاق الرباعية واستعادة الدولة لموقعها

19 نوفمبر, 2025
الصورة
المسألة الإنسانية في السودان: بين إخفاق الرباعية واستعادة الدولة لموقعها
Share

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/ نيسان 2023 مثّلت "الهدن الإنسانية" أداة مركزية في مقاربات المجتمع الدولي للتعامل مع الأزمة. غير أن هذه الهدن لم تكن مجرد ترتيبات إنسانية بحتة، بل تحولت تدريجيًا إلى ساحة اختبار لتوازنات النفوذ، حيث اصطدمت المقاربة الدولية ـ الممثلة في الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر) ـ بمفهوم السيادة الوطنية كما تصوغه مؤسسات الدولة السودانية، وفي مقدمتها القوات المسلحة.

لقد تَشكّل مسار جدة بصفته التجسيد العملي لهذه الهدن، غير أن إخفاقه المتكرر كشف محدودية النهج الذي يفصل الإغاثة عن السياسة، ويعالج الحرب بوصفها أزمة إنسانية مجردة لا أزمة دولة تواجه تمردًا مسلحًا ذا امتدادات خارجية. أفضت هذه الثغرة البنيوية في نهاية المطاف إلى فشل الآلية الرباعية، واضطرار الولايات المتحدة إلى فتح مسار مباشر مع الحكومة السودانية في محاولة لإعادة التوازن إلى مقاربة الأزمة.

انطلقت المفاوضات الأولى في جدة برعاية سعودية–أمريكية، في إطار مسعى إقليمي ودولي لتخفيف المعاناة الإنسانية ووقف القتال. وقد نتج عنها توقيع "إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين"، الذي تضمّن اعترافًا صريحًا من الطرفين ـ الجيش والدعم السريع ـ بالالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، خصوصًا حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات.

عمليا، تَعامل الجيش السوداني مع هذا الإعلان بوصفه إطارًا فنيًا مكملاً لمسؤوليته الدستورية في الحفاظ على وحدة البلاد وأمنها، بينما تعاملت قوات الدعم السريع معه كفرصة لإعادة التموضع، وإضفاء شرعية سياسية على وجودها الميداني. وقد أدّى هذا التباين في النوايا إلى تقويض أول هدنة ميدانية وفتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة لطبيعة الالتزامات الإنسانية في ظل غياب سلطة مركزية جامعة.

اتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد الذي وُقّع في مايو/ آيار 2023 كان الخطوة الأولى نحو إدخال العمل الإنساني إلى قلب النزاع. غير أن ضعف آليات المراقبة، وانعدام الردع جعل الالتزامات النظرية بلا أثر ميداني. فاللجنة المشتركة لمراقبة وتنسيق الهدنة MCC)) افتقرت إلى أدوات التنفيذ، كما أن الأطراف الإقليمية الداعمة لم تقدّم غطاءً موحدًا يُلزم الجميع.

إن التحول الأمريكي الأخير نحو الانخراط المباشر مع الخرطوم يُعدّ تصحيحًا لمسار طويل من سوء التقدير الدولي، واعترافًا عمليًا بأن استقرار السودان لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مؤسساته الوطنية

في هذا السياق، ظلّ الجيش السوداني متمسكًا بموقفه القائل إن أي هدنة إنسانية لا يمكن أن تكون منفصلة عن ضرورات الأمن القومي ووحدة القيادة. فالدولة ـ كما يرى الجيش ـ لا يمكن أن تساوي بين مؤسسة نظامية تلتزم بالقانون وبين قوة متمردة خارجة على الشرعية. وقد تجاهلت الآلية الرباعية هذا المبدأ، ما جعلها تُعالج أعراض الأزمة لا جذورها المؤسسية.

إخفاق الرباعية في ضبط الإيقاع الإقليمي

تأسست "الآلية الرباعية" لتكون منصة تنسيق بين القوى ذات النفوذ في الملف السوداني، لكنها سرعان ما تحولت إلى ساحة تنافس بين مقاربات متباينة. فبينما تبنت بعض دولها موقفًا يدعو إلى تقييد الدعم السريع وإعادة الاعتبار للمؤسسات السيادية، فضلت أطراف أخرى مقاربة "التوازن" بين الجانبين، بوصفهما طرفين متكافئين في نزاع داخلي. هذا الخلل في التصور أدى إلى شلل دبلوماسي، وفقدت الرباعية قدرتها على ممارسة الضغط المنسق أو تقديم ضمانات تنفيذية لأي اتفاق.

تَعامل الجيش السوداني مع هذا الإعلان بوصفه إطارًا فنيًا مكملاً لمسؤوليته الدستورية في الحفاظ على وحدة البلاد وأمنها، بينما تعاملت قوات الدعم السريع معه كفرصة لإعادة التموضع، وإضفاء شرعية سياسية على وجودها الميداني

من منظور الدولة السودانية، شكّل هذا الإخفاق نتيجة منطقية لتجاهل المرجعية السيادية الوطنية، إذ لا يمكن لأي آلية خارجية أن تفرض تسوية تتجاوز الدولة نفسها. بذلك بدا أن الأزمة انتقلت من كونها حربًا داخلية إلى أزمة شرعية في التمثيل الدولي للدولة السودانية.

مثّل التحول الأمريكي في عام 2025 نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة. فبعد أكثر من عام من التعويل على مقاربة "الوساطة الجماعية" التي أثبتت محدوديتها، أعادت واشنطن تقييم أولوياتها في ضوء تعقّد الميدان وتزايد المخاطر الإقليمية. وخلصت الدوائر الأمريكية إلى أن التواصل المباشر مع الحكومة السودانية قد يكون أكثر فعالية في ضمان الوصول الإنساني والاستقرار الأمني من الاعتماد على وسطاء متعددين ذوي أجندات متباينة.

هذا التحول لم يكن مجرد خطوة تكتيكية، بل إقرارا ضمنيا بضرورة إعادة الاعتراف بالدولة السودانية كمحاور أساسي لا يمكن تجاوزه. فالحكومة التي يقودها الجيش تمثل ـ من وجهة النظر الواقعية ـ الجهة الوحيدة القادرة على فرض الانضباط المؤسسي، وضمان تنفيذ الالتزامات الميدانية. وقد عبّرت الخارجية الأمريكية في تصريحات وزيرها "روبيو" عن هذا التوجه الجديد، من خلال وضع مسؤولية الإخفاق على عاتق الدعم السريع، حيث ذكر أنها تلتزم ببنود لكنها لا تعمل على تنفيذها، مما يعيق أي عملية توصل إلى هدنة.

تؤكد التجربة الميدانية أن التعامل مع الدولة السودانية كطرف من أطراف النزاع لا ينسجم مع مبادئ القانون الدولي العام. فالقوات المسلحة ليست ميليشيا مسلحة بل مؤسسة وطنية تشكل العمود الفقري للدولة، ومن ثم فإن وضعها على قدم المساواة مع جماعة متمردة يمثل إخلالاً جوهريًا بترتيب الشرعية.

لقد أدت هذه المساواة الشكلية، التي اعتمدتها الآلية الرباعية في بداياتها، إلى نتائج عكسية تمثلت في إضعاف قدرة الدولة على السيطرة على المجال الإنساني، وإتاحة الفرصة لتمدد المجموعات المسلحة في مناطق النزوح والمعابر الإنسانية. من هنا جاء الموقف الرسمي السوداني الذي دعا إلى "توطين العمل الإنساني" عبر مؤسسات الدولة، بوصفه الضمانة الوحيدة لعدم تسييس المساعدات أو استخدامها أداة ضغط سياسي.

قراءة في أسباب فشل الآلية الرباعية

يمكن تلخيص فشل الآلية الرباعية في ثلاثة أبعاد مترابطة: أولاً، البعد البنيوي من خلال غياب آلية إلزام واضحة وضعف أدوات التنفيذ. ثانيًا، البعد السياسي المتمثل في تضارب أجندات الدول الأربع المشاركة، ما جعلها تفقد وحدتها في الموقف والقرار. ثالثًا، البعد المفاهيمي بإصرار الرباعية على النظر إلى النزاع كصراع بين "طرفين متساويين"، متجاهلة حقيقة أن أحدهما يمثل الدولة ذات السيادة. هذه العوامل مجتمعة جعلت مقاربة الرباعية عاجزة عن فهم البنية العميقة للصراع السوداني، الذي لا يمكن حله إلا من خلال ترسيخ مبدأ وحدة القيادة والسيادة، وهو المبدأ الذي ظل الجيش متمسكا به كشرط لأي تسوية سياسية أو إنسانية مستدامة.

مع تصاعد الفوضى الميدانية وانسداد قنوات الوساطة، بدا أن الحل يكمن في إعادة تعريف العلاقة بين المساعدات الإنسانية والسيادة الوطنية. فالولايات المتحدة، بعد مراجعة تقييماتها، خلصت إلى أن العمل خارج إطار الدولة السودانية بات غير ممكن عمليًا. وقد جاءت خطواتها الجديدة باتجاه الخرطوم تعبيرًا عن عودة إلى الواقعية السياسية التي توازن بين متطلبات الاستقرار ومقتضيات القانون الدولي الإنساني.

خلصت الدوائر الأمريكية إلى أن التواصل المباشر مع الحكومة السودانية قد يكون أكثر فعالية في ضمان الوصول الإنساني والاستقرار الأمني من الاعتماد على وسطاء متعددين ذوي أجندات متباينة

يُعدّ هذا التحول من منظور الخرطوم اعترافًا متأخرًا بضرورة التعامل مع الدولة لا ضدها، وإدراكًا بأن المساعدات الإنسانية لا يمكن أن تنجح في فراغ سيادي. فالجيش، باعتباره المؤسسة الوطنية الأقدر على فرض الانضباط وتأمين الممرات، يظلّ الضامن الأول لوصول الإغاثة، وليس عائقا أمامها كما روّجت بعض السرديات الإعلامية في بدايات الحرب.

تكشف التجربة السودانية عن مفارقة مركزية في إدارة الأزمات المعقدة: لا يمكن لأي مسار إنساني أن ينجح دون أساس سيادي متين. فالحياد الإنساني لا يعني تجاوز الدولة، بل العمل عبر مؤسساتها. ومن ثم، فإن فشل الآلية الرباعية كان نتيجة منطقية لمحاولة بناء عملية سياسية وإنسانية فوق بنية دولة لم تُمنح الاعتراف الكافي بسلطتها الشرعية. في المقابل، فإن انفتاح واشنطن على التعاون المباشر مع الحكومة السودانية يفتح نافذة جديدة لبناء شراكة أكثر توازناً، تعترف بمركزية الدولة في إدارة أراضيها وشؤونها، وتعيد رسم حدود العلاقة بين الإغاثة والسيادة.

لا يمكن قراءة مسار الهدن الإنسانية في السودان منذ 2023 بمعزل عن مسألة الشرعية والسيادة. فقد أثبتت التجربة أن الحلول الجزئية التي تتجاهل دور الدولة سرعان ما تتهاوى أمام تعقيدات الميدان. ومن هنا، فإن التحول الأمريكي الأخير نحو الانخراط المباشر مع الخرطوم يُعدّ تصحيحًا لمسار طويل من سوء التقدير الدولي، واعترافًا عمليًا بأن استقرار السودان لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مؤسساته الوطنية، وفي مقدمتها الجيش السوداني، بوصفه الضامن الأخير لوحدة التراب الوطني ولإعادة بناء الدولة بعد الحرب.