الاثنين 7 سبتمبر 2026
أعلنت منظمة (أطباء بلا حدود) عن نتائج تحقيق داخلي واسع أجرته في شرق تشاد، كشف عن وجود 59 ادعاء تتعلق بالاستغلال والانتهاكات والاعتداءات الجنسية داخل بعض أنشطتها الإنسانية المخصصة للاجئين السودانيين الفارين من الحرب. وأسفرت نتائج التحقيق عن فصل 18 موظفا ومتعاقدا من عملهم بشكل نهائي، بعد أن توصلت المنظمة إلى وجود أدلة أو مؤشرات قوية تدعم عددا من هذه الاتهامات.
تعد هذه القضية من أخطر القضايا التي واجهت المنظمة خلال السنوات الأخيرة، نظراً لارتباطها بفئة شديدة الهشاشة تتمثل في النساء والفتيات اللاجئات اللواتي فررن من النزاع الدائر في السودان بحثاً عن الأمان والمساعدة الإنسانية.
تعود جذور القضية إلى الشهادات التي بدأت تتداول منذ أواخر عام 2024، عندما تحدثت لاجئات سودانيات وموظفات محليات عن ممارسات وصفت بأنها استغلالية ارتكبها أشخاص يعملون ضمن منظومة المساعدات الإنسانية. وبحسب التحقيق، فإن بعض العاملين استغلوا موقعهم الوظيفي والنفوذ الذي يمنحه لهم التحكم في المساعدات أو فرص العمل، لابتزاز نساء وفتيات في أوضاع معيشية بالغة الصعوبة.
أشارت إفادات الضحايا إلى أن بعضهن تعرضن لضغوط أو طلبات ذات طبيعة جنسية مقابل الحصول على الغذاء أو المياه أو الحليب أو فرص العمل المؤقتة، في حين تحدثت أخريات عن تعرضهن للتحرش أو الاعتداء أو التهديد بفقدان المساعدة في حال رفضن تلك المطالب. وقد دفعت هذه الشهادات المنظمة إلى فتح تحقيق شامل شمل مقابلات موسعة مع ضحايا وشهود وموظفين حاليين وسابقين، إضافة إلى مراجعة آليات الشكاوى الداخلية والبلاغات السابقة.
أظهرت نتائج التحقيق أن المشكلة كشفت عن نمط من السلوكيات المسيئة داخل بعض المواقع الإنسانية في شرق تشاد، وهي المنطقة التي تستقبل أعداداً ضخمة من اللاجئين السودانيين منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023. ووفقاً لما أوردته المنظمة، فقد تضمنت الادعاءات حالات استغلال جنسي للاجئات، واتهامات بممارسة ضغوط للحصول على علاقات جنسية مقابل خدمات أو امتيازات، إضافة إلى وقائع تحرش واعتداءات استهدفت نساء وفتيات بعضهن قاصرات. كما تحدثت بعض الشهادات عن نقل فتيات بحجة العمل في مشاريع إنسانية أو أنشطة مرتبطة بتوزيع المياه قبل تعرضهن لمحاولات استغلال أو مضايقات جنسية من قبل أفراد مرتبطين بالعمليات الإنسانية. وقد اعتبرت المنظمة أن طبيعة بعض الوقائع التي تم التوصل إليها تعكس إساءة خطيرة لاستغلال السلطة والثقة الممنوحة للعاملين في المجال الإنساني.
كما كشفت التحقيقات عن وجود قصور واضح في آليات الإبلاغ والحماية، حيث تبين أن عدداً كبيراً من الضحايا لم يتقدمن بشكاوى رسمية في وقت وقوع الحوادث بسبب الخوف من فقدان المساعدات أو التعرض للوصم الاجتماعي أو الانتقام. وأشارت المنظمة إلى أن بعض اللاجئات كن يعتقدن أن تقديم شكوى قد يؤدي إلى حرمان أسرهن من الخدمات الأساسية أو إلى تعرضهن لمزيد من الضغوط، وهو ما ساهم في بقاء كثير من الحالات طي الكتمان لفترات طويلة. كذلك أظهرت المراجعة الداخلية أن بعض الإشارات التحذيرية السابقة لم تُتابع بالفعالية المطلوبة، وأن الإجراءات المعمول بها آنذاك لم تكن كافية لاكتشاف الانتهاكات ومنع تكرارها.
في أعقاب انتهاء التحقيق، قررت المنظمة فصل 18 شخصاً من العاملين والمتعاقدين المتورطين في هذه الوقائع، مع إدراج أسمائهم في قواعد بيانات تمنع إعادة توظيفهم مستقبلاً داخل المنظمة. كما أوضحت أن بعض الادعاءات الأخرى لم يكن من الممكن التحقق منها بشكل كامل بسبب نقص الأدلة أو صعوبة تحديد هويات الأطراف المعنية في بيئة تتسم بحركة نزوح واسعة ومستويات عالية من الهشاشة الأمنية والاجتماعية. ومع ذلك أكدت أن حجم الادعاءات وطبيعتها يشكلان مؤشراً خطيراً يستدعي مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات المعتمدة لحماية المستفيدين من المساعدات الإنسانية.
اعترفت أطباء بلا حدود في بيانها بأن ما حدث يمثل انتهاكاً خطيراً لقيمها الإنسانية ولمبادئ العمل الإغاثي التي تقوم على حماية الفئات الضعيفة واحترام كرامتها. كما أقرت بأن التدابير السابقة لم تكن كافية لمنع مثل هذه الممارسات، وأعلنت إطلاق سلسلة من الإصلاحات تشمل تشديد إجراءات التوظيف والتحقق من الخلفيات المهنية للموظفين، وتعزيز أنظمة الإبلاغ السرية، وتطوير آليات التحقيق والاستجابة للشكاوى، إضافة إلى توسيع برامج التدريب والتوعية المتعلقة بمنع الاستغلال والاعتداء الجنسيين. وتأتي هذه الخطوات في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل القطاع الإنساني الدولي إلى تعزيز المساءلة والرقابة، خصوصاً في البيئات التي يعيش فيها اللاجئون والنازحون تحت ظروف قاسية تجعلهم أكثر عرضة للاستغلال من قبل من يفترض أنهم موجودون لتقديم الحماية والمساعدة لهم.