تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

المساعدات الدولية بوصفها خطابا: أفريقيا في مرآة الكذب الدولي

28 مارس, 2026
الصورة
المساعدات الدولية بوصفها خطابا: أفريقيا في مرآة الكذب الدولي قراءة في كتاب "لماذا نكذب بخصوص المساعدات"
Share

تُشكّل المساعدات الدولية أحد أكثر الخطابات حضورا في تشكيل صورة العالم المعاصر، بما تحمله من دلالات تتجاوز بعدها المالي والتقني إلى أفق أوسع يتداخل فيه السياسي بالتاريخي والإنساني بالاستراتيجي. فهي تُنتج عبر لغتها وممارساتها، تصورا مخصوصا للعلاقات الدولية، يُحدَّد فيه موقع الفاعلين، وترسم من خلاله حدود الفعل والإمكان، كما تُعاد صياغة معاني الحاجة والتنمية والعدالة.

ضمن هذا السياق، تندرج هذه القراءة لكتاب "لماذا نكذب بشأن المساعدات" باعتبارها محاولة لتفكيك هذا الخطاب، والكشف عن طبقاته المضمرة والوقوف عند مفارقاته الداخلية. فالمقاربة هنا تنصرف إلى مساءلة البنية التي تنتج المساعدات وتمنحها مشروعيتها، وإلى تحليل الكيفية التي تتحول بها إلى أداة لإعادة ترتيب العلاقات العالمية، بما يفتح النقاش حول موقعها بين خطاب الإنسانية ومنطق القوة.

تبدأ الحكاية من مفارقة تبدو للوهلة الأولى تقنية: نسبة ضئيلة من الميزانية الوطنية تُخصص للمعونة، لا تتجاوز 0.7٪ في حالة بريطانيا. يقدّم يانغواس هذه المعلومة بوصفها مدخلا لتفكيك خطاب شائع في المجتمعات الغربية، حيث تُصوَّر المساعدات بوصفها عبءً ثقيلا على دافعي الضرائب، وكأنها فعل تضحية أخلاقي كبير.

بيد أن هذا التفكيك، رغم وجاهته، يفتح بابا أوسع مما يقصده المؤلف نفسه. فإذا كانت المساعدات بهذه الضآلة، فكيف استطاعت أن تؤدي وظيفة مركزية في إعادة تشكيل اقتصادات ومؤسسات دول بأكملها خصوصا في أفريقيا؟ هنا تبدأ الشكوك في التحول إلى سؤال نظري: ليس المهم كم تُنفق الدول المانحة، بل كيف يُستخدم هذا الإنفاق؟ ولماذا؟

يقدّم يانغواس أطروحة مفادها أن المساعدات تعاني من انفصال بين نوايا الفاعلين (المانحين والمنظمات الدولية) والنتائج الفعلية على الأرض. فالمشاريع التي تُموَّل ليست دائما تلك الأكثر أثرا اجتماعيا، بل تلك التي يمكن قياسها وتدقيقها بسهولة. هكذا، تتحول التنمية إلى معادلة حسابية، تُقاس بعدد اللقاحات الموزعة أو المدارس المبنية، بدلا من التحولات البنيوية العميقة.

غير أن هذه القراءة، على أهميتها، تبقى أسيرة تصور معياري ضمني: هناك نية صادقة انحرفت بفعل أدوات بيروقراطية غير مناسبة. لكن هل المشكلة حقا في الأدوات؟ أم في الغايات نفسها؟

في السياق الأفريقي، تبدو هذه الفرضية الأخيرة أكثر إقناعا. فالمساعدات لم تكن يوما مجرد استجابة إنسانية، بل كانت - منذ الحقبة الاستعمارية - جزءا من آلية أوسع لإدارة الفضاءات التابعة. وهذا ما أدركه مبكرا توماس سانكرا حين فرّق بين معونة تنتج وأخرى تُستهلك، معتبرا أن الثانية لا تفعل سوى إعادة إنتاج التبعية.

هكذا، تتحول التنمية إلى معادلة حسابية، تُقاس بعدد اللقاحات الموزعة أو المدارس المبنية، بدلا من التحولات البنيوية العميقة

يصعب قراءة المساعدات دون العودة إلى لحظة الثمانينيات، حين فرضت مؤسسات، مثل: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي برامج التقويم الهيكلي على عدد كبير من الدول الأفريقية. كانت تلك البرامج، في ظاهرها، تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي، غير أنها أدت عمليا إلى تقليص دور الدولة، وتحرير الأسواق، وفتح الاقتصادات أمام رأس المال العالمي.

يشير يانغواس إلى هذه المرحلة بوصفها فشلا دفع إلى إدخال البعد السياسي في التنمية خلال التسعينيات. غير أن هذا التأطير يغفل أمرا جوهريا: السياسة لم تكن غائبة عن تلك البرامج، بل كانت حاضرة في صميمها، وإن بصيغة تقنية.

في الواقع، يمكن القول إن الانتقال من خطاب الإصلاح الاقتصادي إلى خطاب مكافحة الفساد وبناء المؤسسات لم يكن قطيعة، بل إعادة صياغة. فالمساعدات اليوم، في كثير من الحالات الأفريقية، لا تزال تعمل على تهيئة بيئة ملائمة للاستثمار الأجنبي، تحت لافتة الحوكمة الرشيدة.

يخصص الكتاب حيزا لدراسة جهود مكافحة الفساد في سيراليون، حيث تظهر بريطانيا بوصفها فاعلا داعما للإصلاح المؤسسي. غير أن هذه الصورة المحايدة تخفي طبقات تاريخية أكثر تعقيدا.

فالدولة التي تقدّم اليوم بوصفها مستفيدا من المساعدات هي نفسها التي خضعت لقرن من الاستغلال الاستعماري. تجاهل هذا المعطى لا يمثل مجرد نقص في السياق، وإنما يكشف عن آلية خطابية أعمق: فصل الحاضر عن الماضي، بحيث تبدو المساعدات فعلا أخلاقيا منفصلا عن التاريخ الذي أنتج الحاجة إليها.

المساعدات اليوم، في كثير من الحالات الأفريقية، لا تزال تعمل على تهيئة بيئة ملائمة للاستثمار الأجنبي، تحت لافتة الحوكمة الرشيدة

هذا النسيان المنهجي هو أحد أشكال الكذب التي يشير إليها عنوان الكتاب، لكنه لا يحظى بالتحليل الكافي داخله. ففي إحدى أكثر اللحظات دلالة، تبرز المساعدات الصحية خلال أزمة الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية بوصفها فضاء تنافس بين قوى دولية. فاختيار نوع اللقاح لم يكن قرارا طبيا محضا، وإنما كان مرتبطا بشبكات النفوذ السياسي والاقتصادي.

تصريح ميشيل أوسترهولم - بأن من يقدّم اللقاحات يحصل على موقع على طاولة القرار- يكشف البعد غير المعلن للإعانات: إنها ليست فقط وسيلة للإنقاذ، وإنما هي أيضا أداة للتموضع الجيوسياسي. هنا يبلغ صمت يانغواس حد الإشكال، فحين تصبح المساعدات جزءا من لعبة النفوذ، لا يكفي نقد آليات التمويل أو قياس الأثر؛ بل يجب مساءلة البنية التي تجعل من الإنسانية قناة للسلطة.

يقترح يانغواس في الفصل الأخير مفهوم السياسة التنموية الخلافية، داعيا إلى تجاوز الاستقطاب بين الممارسين والنقاد، والعمل داخل النظام القائم لتحقيق تحسينات تدريجية. يبدو هذا الطرح، في ظاهره، محاولة واقعية للتعامل مع تعقيد العالم، لكنه يثير تساؤلا حاسما: هل يمكن تحقيق تنمية عادلة دون مساءلة الإطار الذي يحدد شروطها؟

قد تتحول هذه البراغماتية في أفريقيا، إلى شكل من أشكال التكيّف مع الوضع القائم، بدل تغييره. بل قد تُستخدم لتبرير التعاون مع أنظمة استبدادية أو سياسات غير عادلة، باسم تحقيق نتائج ملموسة.

حين تصبح المساعدات جزءا من لعبة النفوذ، لا يكفي نقد آليات التمويل أو قياس الأثر؛ بل يجب مساءلة البنية التي تجعل من الإنسانية قناة للسلطة

تكشف القراءة المتأنية أن المساعدات تحمل ازدواجية يصعب اختزالها: فهي تنقذ الأرواح بالفعل، من خلال برامج صحية وتعليمية. إلا أنها في الوقت نفسه، تعمل داخل بنية اقتصادية وسياسية تعيد إنتاج الفقر والتبعية.

تتجلى هذه الازدواجية في كون المساعدات الغذائية قد تمنع المجاعة، لكنها لا تعالج هشاشة الأنظمة الزراعية. وبرامج مكافحة الفساد قد تحسن الإدارة، لكنها لا تمس موقع هذه الدول في الاقتصاد العالمي.

يلتقط يانغواس هذه المفارقة بإشارات عابرة، غير أنّه لا يمضي بها إلى مداها التحليلي. فكأنّ الكتاب يقف عند تخوم نقد الوسائل، دون أن يجرؤ على مساءلة الغايات نفسها.

ومع ذلك، لا يستقيم الاكتفاء بتصوير أفريقيا بوصفها موضوعًا سلبيًا للإعانة. فقد أظهرت دولها، خلال العقود الأخيرة، قدرًا متناميًا من الفاعلية: من تنويع الشركاء، إلى إعادة التفاوض على شروط التمويل، وصولًا إلى توظيف المساعدات ضمن استراتيجيات وطنية محسوبة.

غير أنّ هذه الفاعلية تظل محكومة ببنية دولية مختلّة. فحرية المفاضلة بين شركاء متعددين لا تعني بالضرورة القدرة على إعادة صياغة قواعد اللعبة ذاتها. وهنا يتكثّف الإشكال النظري: كيف يمكن التفكير في الفاعلية داخل نظام لا تتكافأ مواقع الفاعلين فيه؟

في المحصّلة، لا يكمن الكذب في خطاب الإعانة الدولية في تضخيم نزعتها الإنسانية فحسب، بل في اقتطاعها من سياقها التاريخي والسياسي. فالمساعدات، كما يوحي به الكتاب وإن على نحو جزئي، ليست أداة تقنية بريئة، بل مكوّن من مكوّنات نظام عالمي يعيد إنتاج علاقات القوة بأدوات ناعمة.

ومع ذلك، يتراجع يانغواس - رغم جرأته النسبية - قبل أن يلامس السؤال الأكثر إقلاقًا: أتكمن المشكلة في طرائق تقديم المساعدات، أم في الوظيفة البنيوية التي تؤديها داخل النظام العالمي؟

من زاوية أفريقية، يبدو الجواب أقل التباسًا: لا سبيل إلى فهم المساعدات خارج التاريخ الذي أنشأها، ولا إلى إصلاحها دون مساءلة البنية التي تجعلها ضرورة دائمة.

هنا تتجاوز قراءة الكتاب حدود المراجعة إلى أفق أوسع: أفق مساءلة العالم ذاته؛ عالمٌ لا يزال، رغم لغته الإنسانية، يعيد إنتاج تفاوتاته بأشكال أكثر تركيبًا. وفي هذا السياق، فإن ما يُتداول بشأن المساعدات في أزمات راهنة - سواء تعلّق الأمر بإيران أو بغزّة - يظل محاطًا بقدر كبير من الارتياب، بل محمّلًا بدعاوى يصعب فصلها عن منطق التوظيف السياسي، وهو منطق لا ينقضي بانقضاء الحروب، بل يعيد تشكيل نفسه في أعقابها.