الأحد 14 ديسمبر 2025
سليمان أدونيا كاتب روائي من أصول إريترية-إثيوبية يقيم حالياً في بروكسل. في روايته الأحدث، "العرّافون" (2024)، يتناول حياة "هانا" اللاجئة الإريترية في لندن، في سرد طويل متصل عبر 136 صفحة، حيث تُشكّل اللغة والفن أدوات خلاص من العزلة والمنفى. هذه ليست غريبة عن أدونيا، فقد لجأ هو نفسه إلى لندن برفقة شقيقه عام 1990 كطفل صغير وغير مصحوب.
وصل أدونيا إلى إنجلترا دون أن يعرف كلمة إنجليزية، لكنه تمكّن لاحقاً من الحصول على شهادة في الاقتصاد، ثم ماجستير في دراسات التنمية من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن. تدور أحداث روايته الثانية، "الصمت لغتي" (2019) في مخيم للاجئين في السودان، حيث عاش طفولته بعد أن نجا من مذبحة ارتكبتها قوات نظام "الدرغ" الإثيوبي في قريته بإريتريا، وهي المذبحة التي أودت بحياة والده.
قضى سنوات مراهقته في مدينة جدة، حيث كانت والدته تعمل خادمة منزلية لدى إحدى الأميرات، وهي الخلفية التي استوحى منها روايته الأولى "حب في جدة" (2008)، والتي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة أورويل عام 2019.
في عام 2019، أسس في بروكسل "أكاديمية الكتابة الإبداعية للاجئين وطالبي اللجوء"، بالإضافة إلى "مهرجان أسمرة–أديس الأدبي في المنفى"، الذي يُنظم مرة كل عامين، ونال عام 2022 تصنيفًا كأحد أفضل المهرجانات الأدبية في العالم.
سليمان أدونيا: كل ما مررت به صار مادة خامًا للكتابة. تنقلت كثيراً، عشت حالات نزوح قسري، وهذه كلها أصبحت جزءاً من لا وعيي الذي أكتب منه. كنت اقتصادياً قبل أن أصبح كاتباً، لكنني كنت دائماً مشغولًا بمواضيع مثل الفقر والنزوح.
تجارب المنفى هذه سببت لي الكثير من الألم، لكنها في الوقت ذاته فتحت لي أبواباً ما كنت لأعبرها لولاها. هي جزء من وجودي، وتغذي معظم الأسئلة التي أطرحها في أعمالي. أعتقد أن الرواية، في جوهرها، محاولة للإجابة عن تلك الأسئلة.
أدونيا: عشتُ الشعور بالوحدة الذي تعانيه "هانا"، لكنني تعاملت معه بطريقة مختلفة. ما رغبت في استكشافه من خلالها هو: كيف نواجه العزلة؟ كيف نردّ على التهميش؟ وكيف نواصل العيش في بلد لا نشعر بالانتماء إليه؟
ما أدهشني في "هانا" أنها، حين قيل لها: "لا يمكنك الدراسة، ولا العمل، وعليك البقاء في غرفتك"، لم تستسلم للشفقة على الذات، بل استثمرت عزلتها في رحلة داخلية اكتشفت فيها لغة ثرية: لغة الحب والحميمية والتجريب. كأنها تقول: "سأكون وطني، مدينتي، ولغتي".
أدونيا: نعم، كانت لحظة فارقة. انتقالِي من لندن إلى بروكسل عام 2009 كان القرار الوحيد الذي اتخذته طوعًا، بعد أن وقعت في حب امرأة بلجيكية. لأول مرة، أنفي نفسي بإرادتي.كانت لديّ شريكة بحياتها المستقلة، بأسرتها وعملها، لكن شعور الوحدة لم يفارقني. لطالما كنت متجوّلًا في المدن (flâneur)، لكن في بروكسل تضاعف هذا التجوال وصار ملاذًا. كان المشي ما أنقذني. أتذكر كلمات لوركا: "أضعت نفسي لأجد النور المتقد داخلي"، وهذا ما حدث معي فعلًا.
انغمستُ في عالمي الداخلي، وانفتح خيالي من جديد بتأثير فنانين تجريبيين تعرفت إليهم. صرت أكتب مما يأتيني من لا وعيي بدون تخطيط مسبق. في يوم مشمس من مارس 2020، والمدينة مغلقة تحت وطأة الجائحة، وقفت أمام برك إكسيل، وفجأة خطَر لي اسم: "هانا". أخرجت هاتفي وبدأت أكتب. وخلال ثلاثة أسابيع فقط، كانت الرواية قد اكتملت. كانت تجربة شديدة الكثافة، كأنني أكتب على حافة الألم. وعندما وضعت النقطة الأخيرة، شعرت بالغثيان… لأن ما كتبته كان حقيقيًا تمامًا.
أدونيا: بلا شك. كانت المدينة غريبة، لغات جديدة، كل شيء مختلف. قبلها كنت منهمكًا في العمل، مثل معظم المهاجرين، لا وقت لدينا للجلوس مع الذات وسؤال "ما الذي مررت به؟". ثم، فجأة، وجدت نفسي وحيدًا… فطفَت إلى السطح ذكريات الطفولة في المخيم، المذبحة، الخوف… ولم أكن أعرف كيف أتعامل معها. كانت تجربة موجعة، لكنها كانت ضرورية. غيّرتني من الداخل، لا سيما ككاتب.
أدونيا: كانت ملاذًا حقيقيًا. كنت أتلقى 17 جنيهًا أسبوعياً فقط، تشمل الأكل والمواصلات والدواء. لم يكن بإمكاني شراء كتاب، لذا، من دون المكتبة، لم أكن لأصبح حكّاءً. كانت نافذتي إلى الأدب.
أدونيا: غادرت والدتي إلى السعودية حين كنت في الثالثة من عمري، للعمل خادمة لدى إحدى الأميرات، بينما بقيت أنا مع جدتي وإخوتي في مخيم لاجئين. كانت النساء غالبًا يُملين رسائلهن على كتّاب رجال، لكن أمي اختارت أن تسجّل رسائلها صوتيًا على أشرطة كاسيت.
وكان العمّال المهاجرون ينقلون تلك الأشرطة من جدة إلى الخرطوم، ثم إلى مخيمنا النائي. ولم تكن مجرد رسائل للاطمئنان، بل كانت تغني، وتصف القصر الذي تعيش فيه، وترتجل من خيالها. وحين التحقت بها بعد ست أو سبع سنوات، ذُهلت من دقة أوصافها. يقول الناس إنني وصّاف جيد، وأعتقد أنني ورثت تلك القدرة منها.
أدونيا: في الواقع، بدأت عبر شقيقي الأكبر، الذي كان صديقي الأقرب، ويكبرني بعامين. فقد سمعه فجأة بسبب إصابته بالتهاب السحايا، ولم يكن في المخيم مستشفى أو علاج، ولم يحصل حتى على سماعة، فكنت أنا صوته ومترجمه إلى العالم.
كان الناس يأتون من المدينة بصحف قديمة، فبدأ يقرأ بينهم، وصارت الكتب وسيلته لفهم الحياة. وقد شاركني ذلك الشغف.
تعرّف لاحقًا على مثقف سوداني قدّم له كتبًا مهربة، من بينها "موسم الهجرة إلى الشمال"، وكتب لم يكن يجدر بي أن أقرأها في ذلك العمر، لكنها شكّلت بدايتي الحقيقية مع الأدب.
أدونيا: القصة حقيقية. عشت في جدة خلال الثمانينيات، في ظل نظام صارم يفصل بين الجنسين. الفتيات كن يرتدين النقاب، بينما كان للأولاد حرية أكبر في الملبس. أتذكر أن بعض الفتيات كن يلقين برسائل حب عند أقدام الأولاد في طريقهم إلى المدرسة. كان ذلك فعل تحدٍّ، شكلًا من أشكال المقاومة الصامتة. من هنا بدأت الرواية: من ذلك السؤال العميق عن كيف يقودك الحب حتى في أحلك الظروف، وكيف تصنع الرغبة عالمًا موازيًا، مكتملًا بذاته، رغم كل ما يفرضه القمع من قيود.
أدونيا: ثمة تصور سائد حول ما يجب أن تكون عليه الرواية: شكلها، بناؤها، وكيف تُكتب وتُؤدى، وكأن هناك وصفة جاهزة للنجاح. لكنني نشأت في بيئات قمعية، وآخر ما أرغب فيه هو أن تُفرض على مخيلتي قيود جديدة. أنتمي إلى ثقافة الحكي الشفهي، وهي تختلف جذريًا عن التقاليد السردية الإنجليزية. في المخيمات، لم تكن لدينا كتب، بل مسرح وغناء ورقص، وهذه العناصر كلها شكّلت مخيلتي. أردت أن أكون وفيًّا لذلك، أن أحرر خيالي الذي تشكّل بين قارات وثقافات ولغات متعددة. الحرية، بالنسبة لي، هي جوهر الكتابة. ثم يأتي الدفاع عن العمل الأدبي. كما كانت أمي تذود عني بجسدها حين كانت القنابل تتساقط، أنا أيضًا أدافع عن الأدب الذي أحب، بنفس الشغف والاستعداد للتضحية.
أدونيا: غالبًا ما نتحدث عن من يرفضون المهاجرين، لكن نادرًا ما نحتفي بأولئك الذين فتحوا لنا أبوابهم. نحن، مثل كثيرين، قابلنا أشخاصًا قدّموا لنا دعمًا حقيقيًا: عاملة اجتماعية من أصول كاريبية، وسيدة إنجليزية ساعدتنا في بداياتنا. أكنّ تقديرًا بالغًا لأولئك الذين كانوا يديرون مركزًا نهاريًا للاجئين؛ مكان صغير، يقدم الشاي والبسكويت والصداقة… لكنها كانت أشياء عظيمة في وقتها. هذه لحظات تستحق أن تُروى ويُعترف بفضلها.Top of FormBottom of Form
أدونيا: لم أخش من الفشل يومًا، لأن وجودي كله قائم على المخاطرة. الأدب والفن منحاني معنى للحياة. حين وصلت إلى بريطانيا، كنت محمّلاً بالقصص والندوب، ولم يكن هناك مكان للبوح أو الكتابة. فكرتُ: ماذا لو وُجدت مساحة يمكن للقادمين الجدد أن يأتوا إليها؟ يجلسون في صمت، أو يكتبون، ونرافقهم، أنا وأصدقائي، في اكتشاف طرق السرد. أن تكون لاجئًا لا يعني فقط الحصول على مأكل ومأوى، بل هو أيضًا سؤال عن الذات: من أنا؟ وماذا أريد أن أكون؟ ومن هنا وُلدت فكرة الأكاديمية.
نحن نعمل اليوم من مكتبة "إكسيل"، وبدعم من بيت الأدب الدولي "باسا بورتا"، مع مجموعة من 10 إلى 12 طالبًا، يرافقهم معلمون متعددو اللغات. ولا يفارقني ما قاله لي أحد الطلاب اليمنيين ذات يوم: "خارج الصف أنا لاجئ؛ أما داخله، فأنا كاتب."
أدونيا: نعم، وشعور بالإحباط أيضًا. كنت أدعى للمشاركة في مهرجانات أدبية، وكان السؤال الدائم عن "تجربة اللجوء"، مع أنها ليست كل شيء. أنا فنان أيضًا، ولست فقط "لاجئًا".
بروكسل ثاني أكثر مدينة تنوعًا بعد دبي، لكن مؤسساتها الثقافية الكبرى لا تعكس هذا التنوع اللغوي. لذا أردت مهرجانًا متعدد اللغات. طلابنا، بعد ورشة مكثفة تمتد لأسبوعين، يقدمون عروضهم من شعر ونثر ورقص، ويعملون مع فنانين محترفين. في الدورة الماضية، كان شعار المهرجان "لغات الجسد"، واستضفنا كتّابًا من 38 بلدًا. لا نعتمد الترجمة، لأننا نؤمن أن الأداء يُحسّ ولا يُشرح. غالبًا ما يُطلب من اللاجئين أن "يندمجوا"، لكن أحيانًا ما نحتاج أن نُرى كما نحن: بلغتنا، وذاكرتنا، وطعامنا، وديننا.
أدونيا: المركز النهاري في لندن ترك فيّ أثرًا عميقًا. عرفت فيه قيمة التضامن في الأوقات الصعبة. ثمة أناس ضحوا كثيرًا لأكون هنا، ولا يمكنني أن أتجاهل ذلك. فإذا استطعت أن أردّ الجميل، فلن أتردد لحظة.
مُترجم من هذا المصدر