الاثنين 7 سبتمبر 2026
في أحد ألبومات عودته الفنية المتعددة، غنى فرانك سيناترا بصوت يملؤها الحنين والأسى أغنية كتبها جو رابوسو بعنوان: "كان هناك ملعب هنا" (There used to be a ballpark here). كانت الأغنية تكريما مؤثرا لفريق البيسبول القديم بروكلين دودجرز، ولملعبهم التاريخي إبيتس فيلد في بروكلين بنيويورك. استحضرت الأغنية، عبر نبراتها الدافئة، أصوات الجماهير وروائح العشب، وصخب أيام الصيف المشمسة في هذا المعلم الرياضي. لكن هذا الوجود الحميمي انتهى فجأة عام 1958، عندما قرر مالك الفريق نقل النادي إلى الطرف الآخر من الولايات المتحدة ليصبح اسمه لوس أنجلوس دودجرز بحثا عن أرباح مادية أكبر، ليتم بعد عامين فقط هدم ملعب إبيتس فيلد وتحويله إلى ركام.
تكشف قصة سيناترا والمسار المأساوي لملعب بروكلين كيف نولد، كبشر، روابط عاطفية وثقافية وشعبية عميقة مع المناظر الطبيعية والمساحات الترفيهية، وفي المقابل، تؤكد القصة ذاتها كيف تحولت الملاعب في المجتمعات الرأسمالية إلى كيانات تجارية بحتة، تملك فيها القوة المالية سلطة سحق المشاعر وتهجير المجتمعات المحلية.
من هذه الحادثة، ينفتح الباب واسعا لقراءة الصراع المرير بين تغول رأس المال الذي يعيد هندسة الملاعب لتلائم المستهلك، وبين هوية المشجعين الذين يستميتون للدفاع عن مساحاتهم المقدسة، وهو صراع تتجلى أبعاده بوضوح في تحولات العمارة الرياضية، ويبلغ ذروته في حناجر الجماهير في المنطقة العربية التي حولت المدرجات إلى معاقل أخيرة للمقاومة وإثبات الذات.
لم تكن التحولات التي طرأت على هندسة الملاعب الرياضية مجرد تطور عمراني بريء، بل كانت انعكاسا دقيقا لتغير موازين القوى الاقتصادية والسياسية. في فترة الحداثة، تزامنا مع انتشار كرة القدم في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، اعتمدت الدول على المدرسة البنائية في تشييد ملاعبها. تميزت تلك الحقبة بالتصميم العقلاني الصارم، والتنميط، والاستخدام المكثف للحديد والإسمنت، وكانت الغاية الأساسية هي استعراض قوة الدولة القومية وقدرتها على التنظيم والحشد الشامل.
لقد مارست المؤسسات المالية ما يمكن تسميته بالتسكين المفرط للمكان، حيث سعت إلى طرد المشجع التقليدي المليء بالصخب والعاطفة، واستبداله بمستهلك هادئ يشتري التذاكر المرتفعة الثمن، ويقتني البضائع، ويستهلك المشهد بصمت
لكن مع تغول النيوليبرالية ودخول الرياضة عصر ما بعد الحداثة، أدركت الرأسمالية أن الملعب بشكله التقليدي لم يعد يدر الأرباح الكافية. هنا، خضع الفضاء الرياضي لعملية إعادة هندسة جذرية استهدفت تحويله من فضاء شعبي للتجمع إلى مسرح استهلاكي عملاق. لم يعد التصميم الهندسي يهتم بتوفير مساحات واسعة لوقوف الجماهير الشغوفة، بل توجه نحو خلق فضاءات أخرى بتعبير الفيلسوف ميشيل فوكو، أو هيتيروتوبيا تعزل المشجع عن واقعه وتدخله في تجربة حسية باذخة.
أفرزت هذه الرأسمالية الاستعراضية ملاعب مغلفة بواجهات زجاجية مبهرة، ومحاطة بمراكز التسوق، ومزودة بمقصورات كبار الشخصيات التي تكرس الفرز الطبقي. لقد مارست المؤسسات المالية ما يمكن تسميته بالتسكين المفرط للمكان، حيث سعت إلى طرد المشجع التقليدي المليء بالصخب والعاطفة، واستبداله بمستهلك هادئ يشتري التذاكر المرتفعة الثمن، ويقتني البضائع، ويستهلك المشهد بصمت. هذا التحول المعماري الذي موّل غالبا من جيوب دافعي الضرائب لبناء صروح رياضية لشركات خاصة، خلق حالة من الاغتراب العميق؛ فالمكان الذي كان يمثل بيتا للجماهير، بات الآن كيانا تجاريا باردا يلفظ أبناءه الأصليين.
في مواجهة هذا الزحف الرأسمالي الذي يسعى لمحو ذاكرة المكان، تبرز قوة مضادة تستمد صلابتها من مفهوم سوسيولوجي أصيل هو عشق المكان أو التوبوفيليا كما صاغه الجغرافي يي-فو توان وطوره جون بيل. بالنسبة للمشجعين، الملعب ليس مجرد هيكل وظيفي، بل هو فضاء مقدس، وموطن دافئ، ومصدر للفخر المحلي. الجماهير تمنح الملعب روحه من خلال الزنجار، وهو تلك البصمات التاريخية التي يتركونها عبر الأجيال، من مقاعد بالية إلى جداريات تعج بالرسائل.
إن الحناجر التي تصدح بأغاني تروي معاناة التهميش، واللوحات الفنية التيفو التي ترفع لتوجيه رسائل سياسية واجتماعية وتضامنية حادة، هي في جوهرها إعلان رفض قاطع للهندسة الرأسمالية التي تريد تحويل الجماهير إلى زبائن صامتين
عندما ضيقت الرأسمالية الخناق على الجماهير، وسعت الأنظمة الرسمية إلى تدجين الفضاء العام، حدث تحول استراتيجي في سلوك المشجعين، وتحديدا في المنطقة المعروفة بالمنحنى أو الفيراج. لم يعد هذا المدرج مكانا للجلوس السلبي والمشاهدة، بل تحول إلى منصة حيوية للمشاركة في المشهد الرياضي والسياسي معا. تخلت الجماهير عن رفع الرموز الوطنية الرسمية التي باتت تمثل سلطة مقيدة، واستبدلتها بشعارات محلية ورموز فئوية تعبر عن ذوبان العام في الخاص، في محاولة مستميتة للبحث عن هويات بديلة.
هذا الصراع يتجلى بأبهى صوره في التجارب في المنطقة العربية، حيث اكتسبت المدرجات الرياضية أبعادا تفوق بكثير حدود كرة القدم. في ظل تضييق الخناق على الفضاءات السياسية العامة، والتحولات الاقتصادية القاسية التي همشت فئات واسعة من الشباب، أصبحت حركة الألتراس في دول مثل المغرب ومصر وتونس وتكتلات المشجعين في الجزائر بمثابة النقابات الجديدة للشباب.
لقد تحول الفيراج في المنطقة إلى فضاء حيوي للاحتجاج وبناء السرديات البديلة. يمكن تلمس ذلك بوضوح في الأهازيج الملحمية التي تجاوزت تشجيع الفريق لتشريح تناقضات المجتمع بأكمله، منتقدة الفساد، والبطالة، وقسوة الرأسمالية التي حولت المواطن إلى مجرد رقم.
خضع الفضاء الرياضي لعملية إعادة هندسة جذرية استهدفت تحويله من فضاء شعبي للتجمع إلى مسرح استهلاكي عملاق
إن الحناجر التي تصدح بأغاني تروي معاناة التهميش، واللوحات الفنية التيفو التي ترفع لتوجيه رسائل سياسية واجتماعية وتضامنية حادة، هي في جوهرها إعلان رفض قاطع للهندسة الرأسمالية التي تريد تحويل الجماهير إلى زبائن صامتين. في السياق العربي، الملعب هو الرئة التي يتنفس منها الشباب، والمكان الذي يستعيدون فيه سيادتهم المفقودة في شوارع مدنهم.
إن المساحات الرياضية المعاصرة تعيش اليوم أشرس معاركها، معركة غير متكافئة بين الرأسمالية التي تسلح نفسها بالهندسة المعمارية الحديثة لتحويل الملاعب إلى مسارح استهلاكية معقمة من المشاعر، وبين هوية الجماهير التي تتشبث بالملعب كمعقل أخير للتعبير والانتماء. إذا كانت قصة ملعب إبيتس فيلد تذكرنا بقسوة المال حين يهدم الذاكرة، فإن أهازيج الجماهير، وتحديدا في الملاعب العربية، تثبت أن الروح الإنسانية قادرة دائما على ابتكار أدواتها للمقاومة. سيستمر الصراع قائما؛ فمهما بلغت براعة المعمار الرأسمالي في تغليف الملاعب بالزجاج والصلب، ستبقى المدرجات تبحث دائما عن تلك الأصوات المتمردة التي تعيد للمكان هويته، وتثبت أن الملعب قبل أن يكون استثمارا ماليا، هو بالأساس نبض المجتمع ومرآة لتناقضاته.