الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
في أحد أحياء بورتسودان الشعبية، تجتمع مجموعة من النساء بصورة دورية حول صندوق ادخار تعاوني بسيط. تساهم كل عضوة بمبلغ متفق عليه، وتحصل إحداهن على الحصيلة وفق ترتيب متداول بين المشاركات. الأسماء تُدوَّن في دفتر صغير يحتفظ به الجميع، بينما تستند استمرارية المبادرة إلى الثقة والعلاقات الاجتماعية المتراكمة أكثر من استنادها إلى أي إجراءات رسمية. وفي حي آخر، يحتفظ السكان بمجموعة من الأدوات والمقتنيات المشتركة؛ كالأواني الكبيرة والكراسي ومستلزمات المناسبات الاجتماعية، وتُستخدم في الأعراس ومجالس العزاء ثم تعاد إلى مكانها لتبقى متاحة للجميع.
تعقد إحدى المنظمات الوطنية اجتماعها الدوري داخل مكتب مجهز، وتناقش إدارة المنظمة تفاصيل الموازنة السنوية والتقارير المطلوبة من الجهات الداعمة. ويحتل بند النفقات التشغيلية مساحة واسعة من النقاش، خاصة في ظل التضخم وارتفاع تكاليف العمل. وبين هذين المشهدين تتشكل مساحة تستحق التأمل؛ مساحة تكشف عن وجود أنماط متعددة من الفعل المدني تختلف في الشكل والأدوات ومصادر الشرعية.
عندما يُثار موضوع ضعف المجتمع المدني في البيئات التي شهدت حروبا أو انهيارات اقتصادية ومؤسسية، يتجه النقاش غالبا نحو قضايا التمويل، وقيود العمل العام، وضعف المؤسسات الديمقراطية، وتراجع الوعي الحقوقي. وتمثل هذه العوامل جزءا مهما من الصورة، غير أن كثيرا من التحليلات تنطلق من افتراض ضمني مفاده أن المجتمع المدني كيان واحد، يمكن قياس حضوره أو غيابه من خلال مجموعة محددة من المؤشرات التنظيمية.
هذا الافتراض يقود أحيانا إلى استنتاجات مضللة. فما يُقرأ باعتباره غيابا للمجتمع المدني قد يكون في واقع الأمر حضورا كثيفا لأشكال اجتماعية ومدنية تعمل خارج المجال المرئي للباحثين والجهات المانحة والمؤسسات الدولية. كما أن جهود بناء المجتمع المدني التي اعتمدت خلال العقود الماضية على النماذج التنظيمية الحديثة أنتجت في بعض الحالات مؤسسات تمتلك حضورا إداريا قويا، بينما بقي ارتباطها الاجتماعي محدودا. وفي الوقت نفسه استمرت شبكات التضامن الأهلي ومبادرات التعاون المحلي في أداء أدوار أساسية بعيدا عن الأضواء.
تنطلق هذه المقالة من ملاحظات مرتبطة بالسودان وبالتحولات التي شهدتها مدن مثل بورتسودان خلال سنوات الحرب والنزوح، لكنها تتناول أسئلة أوسع تمتد إلى عدد كبير من مجتمعات القرن الأفريقي والمناطق التي مرت بتجارب مشابهة من التصدع المؤسسي وإعادة التشكل الاجتماعي.
في البيئات التي تتراجع فيها قدرة الدولة على تقديم الخدمات وتنظيم المجال العام، تظهر عادة أربعة أنماط رئيسية من الفعل المدني، يحمل كل منها منطقاً مختلفاً ومصدراً خاصاً للقوة.
ينشأ هذا النمط من داخل المجتمع مباشرة، ويتشكل استجابة للحاجات اليومية للأفراد والأسر والمجموعات المحلية. ويمكن رصده في جمعيات الادخار الدوارة المنتشرة في السودان وإثيوبيا والصومال، وفي لجان إصلاح مصادر المياه، ومبادرات صيانة المدارس، وجهود إعادة تأهيل المراكز الصحية، وشبكات التكافل التي تنشط أثناء الأزمات.
في كثير من القرى السودانية، تكفلت مجموعات أهلية خلال فترات الحرب بتوفير مياه الشرب بعد تعطل الخدمات الرسمية. وفي مناطق من إقليم تيغراي الإثيوبي شاركت المجتمعات المحلية في إصلاح مرافق حيوية اعتمادا على العمل الطوعي والموارد الذاتية. وتُظهر هذه التجارب قدرة المجتمعات على إنتاج حلول عملية حتى في أصعب الظروف.
تنبع قوة هذا النمط من قربه من الناس ومن اعتماده على الثقة الاجتماعية. فالأفراد المشاركون يعرف بعضهم بعضاً بصورة مباشرة، وتتشكل آليات المساءلة من خلال العلاقات اليومية والتفاعل المستمر. ولهذا يستطيع التحرك بسرعة والاستجابة للحاجات الملحة دون المرور بسلسلة طويلة من الإجراءات الإدارية.
ما يُقرأ باعتباره غيابا للمجتمع المدني قد يكون في واقع الأمر حضورا كثيفا لأشكال اجتماعية ومدنية تعمل خارج المجال المرئي للباحثين والجهات المانحة والمؤسسات الدولية
كما يتمتع بمرونة كبيرة في التكيف مع السياقات المحلية. فالقواعد المنظمة له تتطور غالباً بصورة تدريجية وفق احتياجات المجتمع نفسه. وقد تبدأ المبادرة كاستجابة مؤقتة لمشكلة محددة، ثم تتحول مع مرور الوقت إلى ممارسة مستقرة أو مؤسسة أهلية صغيرة تتمتع بدرجة من الاستمرارية.
تكشف تجارب عديدة في السودان عن هذا المسار. فقد بدأت بعض لجان الخدمات في الأحياء كمبادرات محدودة لمعالجة قضايا النظافة أو المياه أو التعليم، ثم تحولت لاحقاً إلى أجسام محلية تحظى باعتراف اجتماعي واسع وتمارس أدواراً تتجاوز الهدف الذي أُنشئت من أجله.
يرتبط هذا النمط بثقافة العطاء والتكافل المتجذرة في المجتمعات المحلية، ويستند إلى دوافع دينية وأخلاقية وإنسانية. ويظهر في حملات جمع التبرعات، وكفالة الأيتام، ودعم المرضى، وتوزيع الغذاء، والاستجابة للكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية.
في السودان مثلاً، لعبت المبادرات التطوعية دورا محوريا خلال موجات النزوح الواسعة التي صاحبت الحرب. فقد نشأت مطابخ جماعية ومراكز إيواء ومبادرات إغاثية اعتمدت بصورة أساسية على مساهمات المواطنين والمتطوعين. كما شهدت الصومال أشكالا مشابهة من التعبئة المجتمعية خلال فترات الجفاف والأزمات الغذائية.
تكمن أهم نقاط القوة في هذا النمط في قدرته على الحشد السريع وتعبئة الموارد المجتمعية والوصول المباشر إلى الفئات المحتاجة. كما يحظى عادة بقبول اجتماعي واسع نتيجة ارتباطه بالقيم الأخلاقية المشتركة.
مع ذلك، فإن طبيعة نشاطه تجعله مرتبطاً بدرجة كبيرة بدورة الاحتياج المباشر. فالموارد تتدفق عند اشتداد الأزمة، ثم تتراجع تدريجياً مع انحسارها. ولهذا يتركز جانب كبير من جهوده على تخفيف المعاناة الآنية أكثر من تركيزه على بناء مسارات تنموية طويلة المدى أو معالجة الأسباب الهيكلية للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية.
برز هذا النمط بصورة أوضح خلال العقود الأخيرة مع توسع قطاع العمل الإنساني الدولي، وسياسات إشراك الفاعلين المحليين في تنفيذ البرامج التنموية والإغاثية.
طورت هذه المنظمات هياكل إدارية ومالية متقدمة، واكتسبت خبرات كبيرة في إدارة المنح وإعداد المشروعات ومتابعة التنفيذ وكتابة التقارير. كما تمكنت من بناء علاقات مع الجهات الحكومية والمانحين والمؤسسات الدولية، وهو ما أتاح لها العمل في نطاقات جغرافية واسعة وتنفيذ برامج تتطلب موارد كبيرة.
في السودان وكينيا وأوغندا، برزت منظمات محلية استطاعت إدارة مشروعات ضخمة في مجالات التعليم والصحة والأمن الغذائي والتنمية الريفية. وقدمت هذه المنظمات مساهمات مهمة في سد فجوات تركتها الدولة أو عجزت عن معالجتها خلال فترات الأزمات.
إلا أن هذا النمط يواجه معضلة متكررة تتعلق بطبيعة العلاقة بين المجتمع المحلي ومصادر التمويل. فجزء كبير من نشاطه يتحدد وفق أولويات البرامج المتاحة والفرص التمويلية القائمة. ومن ثم ترتبط حركة بعض المنظمات بخارطة المشروعات والموارد أكثر من ارتباطها بخارطة الاحتياجات الاجتماعية الفعلية.
تظهر هذه الظاهرة بوضوح في بعض المناطق التي تستقطب عددا كبيرا من المنظمات نتيجة تدفق التمويل، بينما تبقى مناطق أخرى أقل حضورا في أجندة التدخلات رغم احتياجاتها الكبيرة. ويؤدي ذلك أحيانا إلى نشوء فجوة بين منطق التنمية كما يُصاغ داخل المكاتب، ومنطق الاحتياجات كما تعيشه المجتمعات المحلية يومياً.
يمثل النمط الرابع مجموعة من المبادرات والتيارات الشبابية التي تتبنى خطابا يرتكز على مفاهيم المواطنة والحقوق والحريات العامة والمشاركة السياسية والحوكمة الرشيدة. وقد توسع حضور هذه التيارات خلال العقدين الأخيرين بفعل انتشار التعليم الجامعي، واتساع استخدام الوسائط الرقمية، وازدياد فرص التواصل مع التجارب الإقليمية والعالمية.
في السودان برزت هذه التيارات بصورة لافتة خلال سنوات الحراك السياسي، كما ظهرت نماذج مشابهة في إثيوبيا وكينيا وعدد من دول القرن الأفريقي. واستفادت هذه المجموعات من برامج التدريب والتبادل المعرفي والمنح الصغيرة التي وفرتها مؤسسات إقليمية ودولية، مما ساعدها على اكتساب أدوات حديثة في التنظيم والحشد وإدارة الحملات العامة.
تتمتع هذه التيارات بقدرة عالية على إنتاج الخطاب العام والتفاعل مع القضايا الوطنية والعالمية وصياغة رؤى جديدة حول علاقة الدولة بالمجتمع. كما نجحت في إدخال موضوعات مثل: الشفافية والمساءلة والمشاركة المدنية إلى النقاش العام، وأسهمت في توسيع دائرة الاهتمام بقضايا الحقوق والحكم الرشيد.
تكشف قراءة هذه الأنماط الأربعة عن حقيقة مهمة؛ فكل نمط منها يمتلك مورداً أساسياً يحتاجه المجال المدني من أجل تحقيق تأثير مستدام.
الفعل الأهلي القاعدي يمتلك الثقة الاجتماعية والجذور المحلية والمعرفة الدقيقة بالسياق. والعمل الخيري التطوعي يمتلك القدرة على التعبئة والحشد وتوليد الموارد المجتمعية. والمنظمات المؤسسية تمتلك الخبرة الإدارية وآليات إدارة البرامج والوصول إلى مصادر التمويل. أما التيارات الشبابية الحداثية فتحمل رؤى جديدة وأدوات معاصرة وقدرة على التأثير في الخطاب العام.
ورغم هذا التنوع، فإن العلاقة بين هذه المكونات تتسم غالبا بدرجة عالية من الانفصال. فكل طرف يتحرك داخل شبكة علاقاته الخاصة، ويطور لغته التنظيمية وأدواته وأولوياته بمعزل نسبي عن الأطراف الأخرى.
في كثير من المدن السودانية، يمكن ملاحظة وجود مبادرات أهلية فعالة لا تعرف الكثير عن المنظمات العاملة في المنطقة نفسها. كما يمكن العثور على منظمات تنفذ مشروعات كبيرة دون ارتباط حقيقي بالشبكات المجتمعية القائمة. وفي الوقت ذاته تنشط مجموعات شبابية في النقاش العام من دون قنوات تواصل منتظمة مع الفاعلين الأهليين التقليديين.
عندما تلتقي الثقة الاجتماعية بالقدرة التنظيمية، وتجد المبادرات القاعدية دعما مؤسسياً يحترم استقلاليتها، وتتمكن المنظمات من الاستفادة من المعرفة المحلية المتراكمة داخل المجتمعات، وتنجح الأفكار الحديثة في التفاعل مع الواقع الاجتماعي بدلاً من التحليق فوقه، تنشأ فرص حقيقية لإنتاج أثر أعمق وأكثر استدامة.
تقدم بعض التجارب الأفريقية إشارات مهمة في هذا الاتجاه. ففي أجزاء من كينيا وأوغندا، نجحت برامج تنموية في بناء شراكات بين المجموعات المجتمعية المحلية والمنظمات المتخصصة، مما أسهم في تحسين فرص الاستمرار بعد انتهاء التمويل. كما أظهرت بعض المبادرات السودانية خلال سنوات الأزمة أن الجمع بين العمل التطوعي المحلي والخبرات المؤسسية يمكن أن يرفع من كفاءة الاستجابة الإنسانية ويزيد من قبولها مجتمعياً.
تتجاوز أهمية هذه الشراكات الجانب التنفيذي وحده. فالتكامل بين الأنماط المختلفة يخلق مساحة مشتركة لتبادل المعرفة والخبرات والموارد، ويساعد على بناء رؤى أكثر واقعية تجاه احتياجات المجتمعات المحلية. كما يقلل من احتمالات الانعزال التي تجعل كل فاعل مدني أسيراً لمنطقه الخاص وأدواته المحدودة.
وعندما تتحول هذه العلاقات من تعاون موسمي إلى شبكات عمل مستمرة، يصبح بالإمكان الانتقال من معالجة الاحتياجات اليومية المتفرقة إلى بناء مسارات تنموية أكثر استقرارا. عند هذه النقطة تبدأ ملامح مجتمع مدني أكثر تماسكاً في الظهور، مجتمع يستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة ويملك في الوقت نفسه أدوات تنظيمية قادرة على إدارة الموارد وتحويلها إلى نتائج ملموسة.
عندما تتعرض الأنماط الأربعة السابقة للضعف في وقت واحد، كما يحدث خلال الحروب الطويلة أو الانهيارات الاقتصادية الحادة، تتغير طبيعة المجال العام بصورة جوهرية. فالمساحات التي تتراجع عنها الدولة والمؤسسات المدنية لا تبقى معلقة في الفراغ، وإنما تبحث المجتمعات عن بدائل توفر الحماية والتمثيل وتنظم المصالح اليومية للأفراد والجماعات.
في هذه اللحظات تستعيد الهويات الأولية حضورا قويا. وتبرز القبيلة والعشيرة والطائفة والجهة بوصفها أطر تنظيم اجتماعي تمتلك موارد الثقة والانتماء والقدرة على الحشد. ويجد كثير من الأفراد أنفسهم مضطرين للاعتماد على هذه البنى باعتبارها المؤسسات الأكثر قدرة على توفير الدعم أو الوساطة أو الحماية.
وقد شهد السودان خلال فترات مختلفة من تراجع الدولة توسعاً في أدوار الكيانات القبلية والجهوية، كما ظهرت أنماط مشابهة في الصومال وأجزاء من إثيوبيا وجنوب السودان. وفي العديد من الحالات تولت هذه البنى وظائف كانت تؤديها مؤسسات رسمية أو مدنية أكثر اتساعا.
الأصالة لا تتحدد بمصدر الفكرة أو اللغة المستخدمة أو الشكل التنظيمي، وإنما تتحدد بدرجة الارتباط الفعلي بالمجتمع وبقدرة المؤسسة على بناء علاقة مساءلة متبادلة مع الفئات التي تدّعي تمثيل مصالحها
هنا تظهر مفارقة فكرية مهمة. فبعض المثقفين والنشطاء ينظرون إلى هذا الارتباط باعتباره شكلا من أشكال الانخراط العضوي في المجتمع. ويُستدعى مفهوم المثقف المرتبط بقضايا مجتمعه لتبرير الانحياز إلى هذه الأطر التقليدية أو التحدث باسمها.
غير أن المسألة أكثر تعقيداً من ذلك. فهناك فرق بين الانطلاق من واقع المجتمع لفهم مشكلاته والعمل على توسيع آفاقه المشتركة، وبين التحول إلى ممثل مباشر لبنية اجتماعية تقوم على روابط الانتماء الضيقة. في الحالة الأولى يتحول الارتباط بالمجتمع إلى مدخل لتطوير المجال العام. أما في الحالة الثانية فيصبح المجال العام نفسه خاضعاً لمنطق الانقسامات الأولية.
ولا يعني هذا التقليل من أهمية البنى التقليدية أو إنكار أدوارها التاريخية. فهذه البنى نجحت في كثير من الحالات في الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي خلال فترات الاضطراب. كما أنها تمتلك مستويات من الثقة والشرعية قد تفوق ما تمتلكه مؤسسات حديثة عديدة.
السؤال الأكثر أهمية يتعلق بطبيعة الدور الذي تؤديه هذه الكيانات داخل المجال العام. فهل تسهم في توسيع دوائر التعاون والمصلحة المشتركة؟ أم أنها تعيد إنتاج الانقسامات القائمة وتربط المشاركة العامة بمنطق الولاءات الفرعية؟ هذا السؤال يكتسب أهمية متزايدة كلما طال أمد الأزمات وازدادت هشاشة المؤسسات المدنية الحديثة.
يتكرر في الأدبيات الخاصة بالمجتمع المدني في الدول الهشة نقد يركز على فكرة "استيراد النماذج". ويشير هذا النقد إلى أن كثيراً من الأشكال التنظيمية التي انتشرت في بلدان الجنوب جاءت نتيجة تأثيرات خارجية مرتبطة بقطاع التنمية الدولي أكثر من ارتباطها بالمسارات التاريخية المحلية.
يستند هذا الطرح إلى ملاحظات واقعية في كثير من الأحيان. فقد تبنت منظمات عديدة هياكل إدارية وخطابات ومفاهيم جرى تطويرها في سياقات مختلفة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. وعند نقل هذه النماذج إلى بيئات ما بعد الصراع ظهرت فجوات واضحة بين لغة المؤسسات ولغة المجتمعات التي تعمل داخلها.
إلا أن اختزال المشكلة في أصل النموذج التنظيمي يقود إلى قراءة ناقصة. فالتجربة التاريخية للمجتمعات الإنسانية تكشف أن المؤسسات والأفكار انتقلت باستمرار بين البيئات المختلفة، وأن نجاحها أو فشلها لم يكن مرتبطاً بمكان نشأتها بقدر ارتباطه بقدرتها على الاندماج داخل السياق الجديد.
من هذا المنظور، لا تمثل المحلية الشكلية معيارا كافيا للحكم على أصالة الفعل المدني. فاستبدال المصطلحات الأجنبية بمصطلحات محلية، أو توظيف كوادر من أبناء المنطقة، أو التركيز على قضايا تحظى بقبول ثقافي واسع، لا يحسم القضية إذا بقيت العلاقة الأساسية بين المنظمة ومجتمعها علاقة ضعيفة أو هامشية.
جوهر المسألة يرتبط بمصدر الشرعية الفعلية. فالسؤال الحاسم يتمثل في معرفة الجهة التي تعمل المنظمة من أجلها، والطرف الذي يمتلك القدرة الحقيقية على مساءلتها وتقييم أدائها وتحديد أولوياتها. وتكشف الخبرة الميدانية وجود مسارين مختلفين داخل القطاع المدني.
المسار الأول يضم منظمات تعمل في بيئات محلية معقدة، وتستخدم أدوات إدارية حديثة وخطابات تنظيمية متأثرة بالتجارب الدولية، لكنها تحافظ في الوقت نفسه على ارتباط قوي بالمجتمعات التي تخدمها. وتستمد هذه المنظمات جزءا مهما من شرعيتها من قدرتها على الاستجابة لاحتياجات الناس، ومن استمرار حضورها حتى في الفترات التي تتراجع فيها الموارد الخارجية.
في أجزاء من كينيا وأوغندا ورواندا، يمكن العثور على مؤسسات محلية بدأت كمبادرات مجتمعية صغيرة ثم توسعت تدريجياً دون أن تفقد ارتباطها بقواعدها الاجتماعية. وقد ساعدها هذا الارتباط على تجاوز أزمات التمويل والحفاظ على قدر من الاستقرار والاستمرارية.
أما المسار الثاني، فيضم منظمات تبدو محلية من حيث الشكل القانوني والكوادر الإدارية، لكنها تعتمد بصورة شبه كاملة على التمويل الخارجي في تحديد أولوياتها واتجاهات عملها. وفي مثل هذه الحالات تصبح عملية المساءلة موجهة بصورة رئيسية نحو الجهات المانحة والتقارير الدورية والمؤشرات الكمية المطلوبة لإثبات النجاح.
يؤدي هذا الوضع إلى ظهور فجوة بين ما يحتاجه المجتمع فعلياً وما تستطيع المنظمة تنفيذه ضمن البرامج المتاحة. كما يدفع بعض المؤسسات إلى تعديل أولوياتها بصورة مستمرة تبعاً لتحولات التمويل، فتنتقل من ملف إلى آخر وفق أجندات المشروعات أكثر من انتقالها وفق التحولات الحقيقية داخل المجتمع.
من هنا تبرز قضية الشرعية بوصفها أحد أهم الأسئلة في دراسة المجتمع المدني. فالأصالة لا تتحدد بمصدر الفكرة أو اللغة المستخدمة أو الشكل التنظيمي، وإنما تتحدد بدرجة الارتباط الفعلي بالمجتمع وبقدرة المؤسسة على بناء علاقة مساءلة متبادلة مع الفئات التي تدّعي تمثيل مصالحها.
ترتبط معظم أدوات قياس المجتمع المدني بالمؤشرات المؤسسية التقليدية. ويجري التركيز عادة على عدد المنظمات المسجلة، وحجم التمويل، وعدد العاملين، وانتشار الفروع، وطبيعة الهياكل الإدارية.
في كثير من المناطق الريفية بالسودان، وفي أحياء المدن التي شهدت موجات نزوح واسعة، تنشط أشكال متنوعة من التعاون الجماعي لا تظهر في أي قاعدة بيانات رسمية. وتشمل هذه الأشكال مجموعات الادخار المحلية، وشبكات المساعدة المتبادلة، ولجان الخدمات غير المسجلة، والمبادرات الشبابية المؤقتة، والجهود الجماعية المرتبطة بالمناسبات والأزمات.
خلال الحرب الأخيرة في السودان، ظهرت مئات المبادرات التي نظمت عمليات الإيواء وتوزيع الغذاء والبحث عن الأدوية وتنسيق عمليات الإجلاء. كثير من هذه الجهود لم يمتلك مقراً أو نظاما إداريا أو وضعا قانونياً واضحاً، ومع ذلك أدى وظائف حيوية أثرت بصورة مباشرة في حياة آلاف الأشخاص.
وفي الصومال لعبت شبكات القرابة والتضامن الأهلي أدوارا مشابهة في مواجهة آثار الجفاف والنزوح، بينما اعتمدت مجتمعات محلية في إثيوبيا على ترتيبات تعاونية متجذرة تاريخياً لتوفير الدعم المتبادل أثناء الأزمات.
حين يُختزل المجال المدني في المنظمات المسجلة فقط، تختفي من الصورة قطاعات واسعة من النشاط الاجتماعي الذي يساهم بصورة يومية في حفظ التماسك المجتمعي وإدارة الموارد وتخفيف آثار الأزمات
تكشف هذه الأمثلة حدود المقاربات التقليدية في قياس المجتمع المدني. فحين يُختزل المجال المدني في المنظمات المسجلة فقط، تختفي من الصورة قطاعات واسعة من النشاط الاجتماعي الذي يساهم بصورة يومية في حفظ التماسك المجتمعي وإدارة الموارد وتخفيف آثار الأزمات.
يعود جزء من هذا الإقصاء إلى طبيعة أدوات التقييم نفسها. فالمبادرات غير الرسمية يصعب قياسها بالمعايير المعتادة المستخدمة في تقارير التنمية الدولية. كما أن أنشطتها تعتمد غالباً على شبكات الثقة والعلاقات الاجتماعية أكثر من اعتمادها على النظم البيروقراطية القابلة للتوثيق الكمي.
لكن صعوبة القياس لا تعني غياب الأثر. وفي كثير من الأحيان تمثل هذه الأشكال غير الرسمية البنية الأساسية التي يستند إليها المجتمع أثناء فترات الاضطراب، وتتحول إلى المصدر الرئيسي للتماسك والاستجابة عندما تتعطل المؤسسات الأخرى.
ولهذا فإن أي محاولة جادة لفهم المجتمع المدني في سياقات ما بعد الانهيار تحتاج إلى توسيع زاوية الرؤية. فالمجتمع المدني لا يقتصر على المؤسسات القانونية والهياكل المسجلة، وإنما يشمل أيضاً شبكات التعاون والتكافل والمبادرات الذاتية التي تنتجها المجتمعات بصورة تلقائية استجابة لتحدياتها اليومية.
فهم المجتمع المدني في سياقات ما بعد الانهيار يبدأ من التعامل معه بوصفه عملية إعادة تشكل مستمرة تتغير فيها الأدوار والوظائف تبعاً لتغير السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. لا يستقر هذا الفضاء على شكل واحد، ولا يتقدم بخط مستقيم، بل يتحرك داخل مسارات متقاطعة تتقدم فيها بعض الأنماط وتتراجع أخرى، ثم تعود لتظهر بصيغ مختلفة وفقاً لشدة الأزمة أو انفتاح المجال العام.
تتغير خريطة الفعل المدني حين تتغير قدرة الدولة على التنظيم، وحين تتبدل مصادر الموارد، وحين تعاد صياغة شبكات الثقة داخل المجتمع. في هذه اللحظات تظهر أهمية النظر إلى المجال المدني باعتباره شبكة علاقات أكثر من كونه مجموعة مؤسسات منفصلة. فالقيمة الحقيقية لا تتحدد بعدد المنظمات أو حجم التمويل، وإنما بدرجة الترابط بين الفاعلين المختلفين وقدرتهم على إنتاج استجابات مشتركة للمشكلات اليومية.
التحدي المركزي يتمثل في كيفية قراءة هذا التعدد كما هو في الواقع، دون اختزاله في نموذج واحد جاهز. فكل محاولة لفهم المجتمع المدني عبر معيار واحد تفقد جزءاً مهماً من الصورة، خصوصاً في البيئات التي تتعايش فيها البنى الرسمية مع الشبكات غير الرسمية، وتتحرك فيها المبادرات المحلية جنباً إلى جنب مع المنظمات المؤسسية والتيارات الشبابية.
تطرح هذه القراءة أسئلة مفتوحة تتصل بأدوات القياس، وبطرق التدخل، وبإمكانات بناء الجسور بين مستويات مختلفة من الفعل الاجتماعي. فإلى أي مدى يمكن تطوير أدوات تقييم تعترف بالمبادرات غير المسجلة وتمنحها وزناً في فهم الواقع؟ وكيف يمكن تصميم تدخلات لا تعزل الفعل الأهلي القاعدي عن الإطار المؤسسي، ولا تذيب خصوصيته داخل البيروقراطية التنظيمية؟ وما الشروط التي تسمح ببناء فضاء مدني قادر على تجاوز الانقسامات الاجتماعية والهويات الفرعية دون أن يصطدم بها بصورة تعيد إنتاج الهشاشة؟
هذه الأسئلة تبقى مفتوحة بطبيعتها، لأن الواقع نفسه مفتوح على التحول. وكل سياق جديد يعيد ترتيب عناصر الفعل المدني بطريقة مختلفة، ويعيد تعريف ما يُعد قوة أو ضعفاً، حضوراً أو غياباً.