الثلاثاء 14 يوليو 2026
كشفت المشاورات التي استضافتها العاصمة البوروندية بوجمبورا بين الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيمييه، بصفته الرئيس الدوري للاتحاد الأفريقي، ووفود من المعارضة والقيادات الدينية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، عن تباينات واضحة في مقاربة الأطراف الكونغولية للأزمة السياسية والمؤسسية التي تشهدها البلاد، رغم اتفاقها على الحاجة إلى إطلاق مسار حوار وطني يخفف حدة الاستقطاب الداخلي. وتأتي هذه المشاورات في وقت تواجه فيه حكومة الرئيس فيليكس تشيسيكيدي ضغوطاً متزايدة بسبب استمرار الحرب في شرق البلاد، والجدل المتصاعد حول مشروع مراجعة الدستور، وتزايد الانتقادات لأداء المؤسسات السياسية والأمنية.
شارك في اللقاءات وفد من ائتلاف المعارضة المعروف باسم "ائتلاف المادة 64" (C64)، إلى جانب ممثلين عن المؤتمر الأسقفي الوطني في الكونغو وكنيسة المسيح في الكونغو، فضلاً عن قيادات الكنائس الإنجيلية. وعُقدت الاجتماعات في ثلاث جلسات منفصلة، حيث استمع الرئيس البوروندي إلى كل طرف على حدة في محاولة لفهم تباين الرؤى بشأن سبل الخروج من الأزمة، قبل الانتقال إلى تقييم فرص إطلاق مبادرة سياسية برعاية أفريقية.
أكد ممثلو المعارضة خلال اللقاء رفضهم القاطع لأي تعديل دستوري في المرحلة الحالية، معتبرين أن الأولوية ينبغي أن تتركز على استعادة الأمن في شرق البلاد، وتعزيز استقلال المؤسسات، وتنظيم حوار سياسي شامل قبل التفكير في أي إصلاحات دستورية. كما شددوا على أن الأزمة التي تمر بها البلاد ليست أمنية فحسب، بل تعكس أيضاً أزمة حكم وثقة بين السلطة والمعارضة، داعين إلى توفير ضمانات سياسية وقانونية لأي حوار مقبل.
في المقابل، ركزت القيادات الكنسية على أهمية الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، داعية إلى إطلاق حوار وطني واسع يضم مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بعيداً عن منطق الغالب والمغلوب. وأكد ممثلو الكنائس أن استمرار الانقسام السياسي يضعف قدرة الدولة على مواجهة التحديات الأمنية في شرق البلاد، ويزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية التي يعيشها ملايين المدنيين. كما شددوا على ضرورة أن تكون أي تسوية سياسية شاملة وتحظى بدعم وطني وإقليمي واسع.
ووفقاً لمصادر حضرت الاجتماعات، دعا الرئيس ندايشيمييه جميع الأطراف إلى إبداء قدر أكبر من المرونة والانفتاح على الحوار، مؤكداً أن الاتحاد الأفريقي ينظر إلى الأزمة الكونغولية باعتبارها تهديداً لاستقرار منطقة البحيرات العظمى بأكملها. كما أبلغ المشاركين أن الهدف من هذه المشاورات لا يتمثل في فرض مبادرة جاهزة، وإنما تقريب وجهات النظر وتهيئة الظروف أمام عملية سياسية يقودها الكونغوليون أنفسهم.
تأتي هذه التحركات في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية لإنهاء الأزمة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعد التقدم الذي تحقق في المسار الدبلوماسي بين كينشاسا وكيغالي برعاية الولايات المتحدة وقطر والاتحاد الأفريقي، إلا أن استمرار المعارك في شرق البلاد، والخلافات الداخلية بشأن الإصلاحات السياسية والدستورية، ما زالا يمثلان عقبتين رئيسيتين أمام تحقيق استقرار دائم. ويرى مراقبون أن بوجمبورا تحاول، مستفيدة من رئاستها الحالية للاتحاد الأفريقي، لعب دور الوسيط الإقليمي بين مختلف الفاعلين الكونغوليين، في وقت تتراجع فيه فعالية بعض المبادرات الإقليمية السابقة.
يعتقد محللون أن نتائج مشاورات بوجمبورا لن تؤدي في المدى القريب إلى اتفاق سياسي شامل، لكنها قد تمهد لإطلاق مسار حوار جديد إذا نجحت في تضييق هوة الخلاف بين المعارضة والسلطة والقيادات الدينية، خاصة مع تزايد القناعة داخل الأوساط الإقليمية بأن إنهاء النزاع في شرق الكونغو لن يتحقق عبر الحلول العسكرية وحدها، وإنما يتطلب أيضاً معالجة الأزمة السياسية والمؤسسية التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة، وإعادة بناء الثقة بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمعية.