تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

المعارضة التشادية في المهجر: بين الكفاح السياسي والعسكري

25 فبراير, 2025
الصورة
Geeska cover
Share

إن المتتبع عن قرب لديناميات الصراع المسلح على السلطة في تشاد بين الحكومة المركزية والفصائل المعارضة المسلحة، يلحظ التحول الذي جرى في مرحلة ما بعد توقيع اتفاقية السلام بين تشاد والسودان، عام 2010. فمع تصاعد الصراع على السلطة منذ عهد المارشال الرئيس إدريس ديبي إتنو، وانتهاء بنجله في الحكم محمد إدريس ديبي إتنو، تعددت الفصائل المسلحة في المهجر. وعليه، سيكون التركيز هنا على أبرز الحركات التي اختارت المنفى للنضال، ورفضت إجراء أي تفاهمات بينية مع الحكومة منذ عام 2010.
أبرمت اتفاقية السلام بين تشاد والسودان، وجرت مباحثات الدوحة للسلام. لكن، وبالرغم من هذه التفاهمات التي جرت بين نظام إدريس ديبي ومعظم قادة الفصائل المسلحة، إلا أنه ثمة فصائل رئيسة رفضت الانضمام إلى النظام التشادي، ومارست النضال من المهجر بغية تحقيق إحدى هذه الاختيارات في دوائر السياسة التشادية، وهي: إما تغيير النظام لسلوكه الاستبدادي، أو تغييره جذريا من خلال الفصائل المسلحة، أو حدوث تغيير داخلي عن طريق الانقلاب العسكري، ويتسنى لها إحداث تأثير بدوره يوازن كفة ميزان القوى بشكل أو بآخر، مع التأكيد على أن السودان قد تخلت عن دعم المعارضة المسلحة بعد عام 2010.
اختارت المعارضة المسلحة مسارات عديدة للمقاومة ضد نظام الرئيس ديبي، وقد تأرجحت بين النشاط المدني عبر المكاتب السياسية، ومتابعة المقاومة العسكرية من خلال مقاتلي الحركة على أرض الواقع، ومن هنا يمكن تسليط الضوء على أبرز الفصائل التشادية المسلحة في المهجر، منذ اتفاقية السلام بين الحكومة التشادية والسودانية إلى مباحثات الدوحة للسلام.


ثمة فصائل رئيسة رفضت الانضمام إلى النظام التشادي، ومارست النضال من المهجر بغية تحقيق إحدى هذه الاختيارات في دوائر السياسة التشادية، وهي: إما تغيير النظام لسلوكه الاستبدادي، أو تغييره جذريا من خلال الفصائل المسلحة، أو حدوث تغيير داخلي عن طريق الانقلاب العسكري
table

الطابع القبلي للفصائل التشادية المسلحة

عادة ما تتأسس فصائل المقاومة على أيديولوجية محددة على المستوى التنظيري، ولكن في السياق التشادي نجد أن الفصائل المسلحة يغلب عليها الطابع القبلي، وهذا ما يقف وراء فشلها المستمر عبر تاريخها الطويل، وهي السمة الجامعة للحركات التشادية المسلحة منذ النشأة إلى اليوم.
يتجلى الطابع القبلي بالنظر إلى مقاتلي الحركات الميدانيين، وأعضاء مكتبها التنفيذي، والأمثلة على ذلك كثيرة، فمثلا حركة اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية (UFDD) بقيادة الجنرال محمد نوري اللاشي، معظم مقاتليها من قبيلة القرعان، وتحالف اتحاد قوى المقاومة (UFR) بقيادة تيمان إرديمي، معظم أعضائها من قبيلة الزغاوة، وجبهة اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية الأساسية (UFDD-F) بقيادة السيد عبد الواحد عبود مكاي، يكاد يكون من قبيلة العرب، وجبهة إنقاذ الجمهورية (RSF) بقيادة أحمد حسب الله عبد الهادي صبيان معظم مقاتليها من العرب، وجبهة اتحاد القوى من أجل التغيير والديمقراطية(UFCD)  بقيادة الكولونيل أدوما حسب الله معظم مقاتليها وأعضاء مكتبها التنفيذي من قبيلة وداي، وجبهة العدالة للتغيير الاشتراكي بقيادة الدكتور الأمين الدودو عبد الله الخاطري، كان معظم مقاتليها من العرب.
كانت هذه الفصائل المسلحة تنشط في المثلث الحدودي المضطرب بين تشاد وليبيا والسودان، وخاضت العديد من المواجهات المباشرة ضد الحكومة التشادية منذ عام 2007-2010، وقد بلغ العدد الإجمالي للفصائل المسلحة في تلك الفترة حوالي 25 جبهة غير متحدة. بحلول عام 2010، وإبرام الاتفاق البيني بين تشاد والسودان، فإن أغلب تلك الحركات تصالحت مع النظام في أنجمينا، بعد أن تم تجريد معظمها من السلاح.
اختار قادة الفصائل التي رفضت المصالحة مع الحكومة المنفى للنضال الذي تأرجح بين السياسي والعسكري، وعلى إثرها تم إجلاء ثلاث من قادة المعارضة الكبار إلى دولة قطر، منذ عام 2010، وظلوا فيها حتى 2022، وبعد مباحثات الدوحة للسلام عادوا إلى أنجمينا، وهم: السيد تيمان إرديمي والسيد أدوما حسب الله والجنرال محمد نوري اللاشي، بالتنسيق الثنائي بين الأمن السوداني والأمن القطري من ميادين الثورة والقتال إلى العاصمة القطرية الدوحة، وقد ظلوا هناك قرابة 12 سنة تقريبا، وكانوا محرومين من ممارسة أي نشاط سياسي أو إعلامي.


عادة تأسس فصائل المقاومة على أيديولوجية محددة على المستوى التنظيري، ولكن في السياق التشادي نجد بأن الفصائل التشادية المسلحة يغلب عليها الطابع القبلي، وهذا ما يقف وراء فشلها المستمر عبر تاريخها الطويل، وهي السمة الجامعة للحركات التشادية المسلحة منذ النشأة إلى اليوم.

مآل الحركات المسلحة بعد اتفاقية الدوحة

إن التقارب الذي جرى بين الحكومتين التشادية والسودانية من جهة، وبين الحكومة المركزية في تشاد وبعض الفصائل المسلحة من جهة أخرى، عن طريق استقطاب بعض قادة الحركات المسلحة للانضمام إلى النظام التشادي بغرض إنهاء الكفاح المسلح، فرض تحولات جذرية تحكمت في مآل هذه الفصائل التي انتهى بها المطاف في المهجر، وقد مارست نشاطها السياسي عن طريق المكاتب السياسية في الخارج، والعسكري عبر المقاتلين الميدانيين.
ومن أبرز الحركات المسلحة التي اختارت المهجر للكفاح، تحالف اتحاد قوى المقاومة بقيادة تيمان إرديمي، تم إجلاء تيمان إلى العاصمة القطرية الدوحة في عام 2010، ومكث هناك في المهجر حوالي 12 سنة، وعندما قرر المجلس العسكري الانتقالي بقيادة الجنرال محمد إدريس ديبي عقد اتفاقية الصلح مع الفصائل المسلحة، تم تقديم دعوة له للمشاركة في حوار الدوحة للسلام في تشاد، ولبى الدعوة وشارك في الحوار ووقع على مخرجاته، وانضم للحكومة التشادية ومنح حقيبة وزارية.
إذا ما تمت المقارنة بين حجم وتأثير تحالفه المسلح الذي شكل الائتلاف الوطني الثلاثي، وشن هجوما على القصر الرئاسي عام 2008 للإطاحة بالرئيس ديبي، لولا الخلاف الداخلي الذي وقع بين الجنرال محمد نوري والسيد تيمان إرديمي، والمتمثل في من يخلف ديبي في الرئاسة بعد سقوطه، فضلا عن التدخل الفرنسي لردع الفصائل المعارضة المسلحة، نظير المقابل الذي حاز عليها أعضاء تحالفه إثر توقيعه على مخرجات الدوحة للسلام، فإنها تعد ضئيلة جدا، حيث حاز شقيقه الدكتور توم إرديمي على منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وتم دمج قواته في الجيش الوطني، وبات تيمان مقربا من دوائر السلطة في تشاد، دون أن يكون له تأثير يذكر في دوائر السياسة، وشبه غائب في الصحافة والإعلام، ولم يتقلد أي منصب في الحكومة الجديدة.
لم يكن تحالف اتحاد قوى المقاومة استثناء في فكرة المقاومة، بل شارك في النضال جبهة اتحاد القوى من أجل التغيير والديمقراطية بقيادة الجنرال أدوما حسب الله جاد الرب، وهو مناضل قديم وله مسيرة نضالية مشرفة على الساحة التشادية، كون جبهته عام 2008، وضمها إلى التحالف السباعي الذي يرأسه السيد تيمان إرديمي، وشغل منصب النائب في تحالف اتحاد قوى المقاومة، وبعد اتفاقية تشاد مع السودان تم إجلاؤه أيضا إلى العاصمة القطرية الدوحة عام 2010. ظل هناك سنتين، وكان يزور عائلته في إثيوبيا بين الفينة والأخرى، وفي إحدى زياراته الاعتيادية تم القبض عليه في مطار أديس أبابا، وتسليمه إلى الحكومة التشادية، وبعدها اختفى في ظروف غامضة.
من ضمن الحركات التي رفضت الصلح مع حكومة ديبي، جبهة اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية بقيادة الجنرال محمد نوري اللاشي، وهو الآخر تم إجلاؤه إلى الدوحة، وظل فيها فترة يسيرة، بيد أنه طلب من السلطات القطرية السماح له بالانتقال إلى فرنسا، وسافر وواصل نضاله السياسي هناك في باريس من جهة، والإشراف على مقاتليه الميدانيين الذين ظلوا يشنون غارات متكررة على المواقع الاستراتيجية للحكومة التشادية بين الفينة والأخرى من جهة أخرى، وبات في المنفى 12 سنة إلى أن جاء موعد حوار الدوحة، وقدم له دعوة للمشاركة، وقبل الدعوة وشارك في الحوار ومنح فصيله حقائب وزارية، وهو الآن يعيش في العاصمة التشادية أنجمينا كشخص مدني.
على ذات النهج سار المجلس الوطني للمقاومة من أجل الديمقراطية بقيادة الدكتور أبكر توليمي، وهو قائد سياسي وعسكري، وأنشأ حركته (اسكود) في عام 2006، وناضل بها ضد الحكومة التشادية، وبعد اتفاقية السلام بين تشاد والسودان رفض الانضمام إلى الحكومة التشادية، واختار المنفى، وتحديدا باريس، حيث مارس نشاطه السياسي، من خلال جبهته التي حصلت على تصريح العمل من قبل الاتحاد الأوروبي، وعندما تم تقديم دعوة له للمشاركة في حوار الدوحة، رفض المشاركة، وفضل النضال من منفاه في باريس.
في سياق القطيعة مع الحكومة واختيار المهجر للكفاح، نجد أيضا الحركة الديمقراطية التصحيحية بقيادة السيد بشير الخليل حمدي، وهو قائد سياسي وعسكري، ومناضل له مسيرة طويلة في المقاومة التشادية المسلحة، وبعد اتفاقية السلام عام 2010 بين الحكومتين التشادية والسودانية، اختار دولة ليبيا للإقامة فيها، وظلت حركته المسلحة تواصل نشاطها العسكري من مدينة سبها ضد الحكومة التشادية، وعندما قدم له دعوة للمشاركة في حوار الدوحة قبل الدعوة، وشارك في مباحثات الدوحة. لكنه رفض التوقيع عليها، وبعد انتهاء الحوار لجأ إلى دولة بوركينا فاسو، وظل هناك حتى توفي فيها عام 2024. 
من أبرز الحركات المسلحة المناوئة للحكومة المركزية في تشاد اليوم، والتي بدورها رفضت التوقيع على بنود اتفاقية الدوحة، جبهة التغيير والوفاق في تشاد (فاكت) بقيادة الدكتور محمد مهدي علي، والتي تسببت في مقتل المارشال إدريس ديبي في المواجهات الميدانية المباشرة في أحداث أبريل/نيسان 2021، وقد أسست في عام 2016، وبعد مقتل ديبي قامت بإعادة التموضع على الشريط الحدودي بين تشاد وليبيا. خصوصا في منطقة كوري بوقودي، وعندما تم تقديم دعوة لها للمشاركة في حوار الدوحة قبلت الدعوة وشاركت، بيد أنها رفضت التوقيع على مخرجات مباحثات الدوحة للسلام، ولجأت إلى موقعها القديم، واستمرت في النضال المسلح ضد الحكومة التشادية. كما أن الجبهة تملك مكاتب سياسية في أوروبا، وتحديدا في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا إلى اليوم، وهي المنوطة بنشاط الجبهة السياسي.
على الرغم من سياسة اليد الممدودة التي مارسها ديبي لاستقطاب الفصائل المسلحة، إلا أن المجلس القيادي العسكري لجبهة إنقاذ الجمهورية بقيادة السيد محمد سليمان سنوسي، بعد تجريد الفصائل المسلحة التشادية عام 2010، رفض الانضمام إلى النظام التشادي، واستمرت الجبهة في ممارسة نشاطها العسكري في الشريط الحدودي الليبي التشادي. وحين تم انعقاد حوار الدوحة قدمت لها الدعوة وقبلت المشاركة، ولكنها رفضت التوقيع على مخرجات الدوحة، وتابعت ممارسة النضال المسلح ضد الحكومة التشادية.
وهي ذات السياسة التي اتبعها جناح اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية الأساسية بقيادة القائد موسى حمدي، والذي بدوره رفض الانضمام إلى الحكومة التشادية عام 2010، وظل يمارس نشاطا مدنيا بعد أن تم تجريد الحركة من السلاح، وتصالح قائدها الأعلى السيد عبد الواحد عبود مكاي مع بعض المقاتلين مع الحكومة المركزية في أنجمينا، وبعد مقتل ديبي في 20 أبريل/ نيسان 2021، رجع هذا الجناح بقيادة موسى حمدي لممارسة النشاط العسكري في الشريط الحدودي بين تشاد والسودان. وشارك الجناح المسلح في حوار الدوحة، لكن امتنع عن التوقيع عليه، وعاد لتموقعه مرة أخرى، وعاد لينشط عسكريا في الحدود بين تشاد والسودان.
يبدو أن هذه الفصائل اتفقت على عدم التقارب مع الحكومة، وهي السمة الجامعة لهذه الحركات في تلك الفترة. هكذا اتبعت الجبهة الشعبية للنهضة الوطنية بقيادة الجنرال آدم يعقوب كوكو، ذات النهج، وغادر زعيمها بعد تجريد المعارضة المسلحة إلى بلجيكا، حيث مارس نشاطه السياسي هناك، وشارك في حوار الدوحة، باعتباره قائد مجموعة روما، وفي نهاية الحوار رفض التوقيع على مخرجاته، واستمر في ممارسة النضال السياسي في أوروبا. 
نفس المسار اتبعه زعيم جبهة إنقاذ الجمهورية العقيد أحمد حسب الله صبيان، وهو الآخر برفض الانضمام إلى حكومة ديبي، حيث غادر إلى بوركينا فاسو، واستمر في ممارسة النشاط العسكري من خلال قواته التي تنشط في المثلث الحدودي بين أفريقيا الوسطي وتشاد والسودان. كما رفض الدعوة التي قدمت له من اللجنة المختصة بمباحثات الدوحة للمشاركة في الحوار، وظل في منفاه، وتابع نضاله العسكري ضد الحكومة التشادية. 


إن التقارب الذي جرى بين الحكومتين التشادية والسودانية من جهة، وبين الحكومة المركزية في تشاد وبعض الفصائل المسلحة من جهة أخرى، عن طريق استقطاب بعض قادة الحركات المسلحة للانضمام إلى النظام التشادي بغرض إنهاء الكفاح المسلح، فرض تحولات جذرية تحكمت في مآل هذه الفصائل التي انتهى بها المطاف في المهجر


الجدير بالذكر، أن كل الحركات السابقة مسلحة تمارس النشاط العسكري، باستثناء مجموعة مصر التفاكرية، وهي حركة سياسية تم تأسيسها بجمهورية مصر العربية عام 2017، وتضم جبهات متعددة تمارس الآراء السياسية بمعرفة السلطات المصرية، وعندما تم انعقاد حوار الدوحة شارك بعض أعضاء الجبهة في المباحثات، ووقعوا على مخرجاتها، وانضموا إلى الحكومة التشادية، وباقي الأعضاء رفضوا الانضمام، وبقوا في مصر حتى الوقت الراهن 2025.
على هذا الأساس، يمكن القول أن اتفاقية السلام بين الحكومتين التشادية بقيادة الرئيس إدريس ديبي والسودانية بقيادة الرئيس عمر البشير في عام 2010، نجحت في التخلص من المعارضة التشادية المسلحة من خلال تجريدها من الأسلحة، وترحيل قادة الفصائل من السودان. وقد كان ذلك شرط التقارب بين تشاد والسودان، بيد أن المعارضة التشادية المسلحة استمرت في النضال بشقيه السياسي والعسكري من المهجر، حتى نجحت في الإطاحة بالرئيس ديبي الذي حكم البلاد زهاء ثلاثين عاما.
على إثرها عقدت مباحثات الدوحة للسلام في تشاد، وكانت فرصة للتسوية السياسية السلمية، وإنهاء التمرد المسلح، بيد أن الحكومة الانتقالية بقيادة محمد إدريس ديبي لم تنو إجراء مصالحة حقيقية، وتشبثت بالسلطة من خلال البنود التي عرضتها، والتي تضمن ترشح الحكومة الانتقالية للانتخابات الرئاسية والتشريعية لحكم تشاد وهو ما حصل، وقد ترتب على ذلك رفض العديد من الفصائل المسلحة التوقيع على بنود الحوار بالدوحة، وعلى رأسها جبهة (فاكت)، وتابعت النضال المسلح، متوضعة في الشريط الحدودي المضطرب بين تشاد وليبيا والسودان حتى السياق الراهن.