تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

العمالة المنزلية والعنصرية في لبنان: حين تُختزل الكرامة في نظام الكفالة

5 أغسطس, 2025
الصورة
العمالة المنزلية والعنصرية في لبنان: حين تُختزل الكرامة في نظام الكفالة
Share

وصلتُ إلى بيروت عام 2017، لمتابعة دراستي الجامعية في الجامعة الأميركية. كانت الرحلة على متن طائرة تابعة للخطوط الإثيوبية، وقد غلب عليها حضور الشابات الإثيوبيات، ومن بينهن ثلاث جلسن خلفي يتحدثن بالأمهرية، لغة لم أكن أفهمها. تساءلتُ إن كنّ، مثلي، يسعين وراء التعليم. لم أكن أعلم آنذاك أنني على وشك الاصطدام بواقع موجع عن العرق والعمل وحقوق الإنسان. شكّلت تجربة إقامتي في لبنان وعيي العميق حول التمييز العنصري، وكشفت لي الوجه القبيح الذي تواجهه العاملات الأفريقيات في المنازل.

ما إن وصلت إلى مطار بيروت - رفيق الحريري، حتى اصطدمتُ بلحظة عنصرية صريحة. طلب منّا أحد عناصر الأمن أن نصطف في "طابور خاص بالأفارقة". لقد كان وقع هذا التصنيف العنصري صادمًا، وحين وصلتُ إلى موظفي الهجرة أوضحت لهم أنني قادمة للدراسة، بدت الدهشة على وجوههم قبل أن يراجعوا أوراقي، لتتم معاملتي باحترام. أما بقية النساء الإثيوبيات، فقد طُلب منهن الانتظار لحين وصول "الكفيل" -مشهد أول يلخص ممارسات التمييز التي تستهدف النساء السوداوات منذ لحظة دخولهن لبنان.

يعتمد لبنان، كما بعض بلدان الخليج والمنطقة، على نظام الكفالة، الذي يمنح الكفيل سيطرة شبه كاملة على حياة العاملة المهاجرة. تأتي الغالبية منهم من إثيوبيا وكينيا ونيجيريا بحثًا عن فرص عمل، لكنهن يواجهن بمجرد الوصول عقبات لغوية، ومصادرة لجواز السفر وعزلة وسوء معاملة. يرى المدافعون عن حقوق الإنسان أن نظام الكفالة يُجسد شكلاً معاصرًا من العبودية، لما يتضمنه من قيود قاسية على الحريات، وغياب شبه تام لأي حماية قانونية.

وفي هذا السياق، تتكرر الانتهاكات الجسيمة للحقوق، من استغلال جنسي وعمل قسري واتجار بالبشر، وحتى حالات انتحار متكررة. الأسوأ أن تلك الجرائم تمر غالبًا بلا مساءلة، إذ لا توجد آليات قانونية فعالة للتحقيق أو لمحاسبة أصحاب العمل، فالضحايا يُتركن لمصيرهن، بلا عدالة أو إنصاف.

شكّلت تجربة إقامتي في لبنان وعيي العميق حول التمييز العنصري، وكشفت لي الوجه القبيح الذي تواجهه العاملات الأفريقيات في المنازل

من موقعي كإفريقية تعيش في لبنان، وجدت نفسي محاطة بأحكام نمطية جارحة. في نظر الكثيرين، البشرة الداكنة تساوي "عاملة منزلية"، أي امرأة فقيرة وغير متعلمة، ولا تملك قرارها. وكم من مرة طُلب مني في مطاعم أن أحدد مكان "كفيلي"، أو لاحقني موظف متجر في مجمع تجاري مقترحًا أن أزور محلاً أرخص، بافتراض أنني لا أستطيع تحمل تكلفة البضائع. كنت أضطر لشرح أنني طالبة جامعية، أموّل دراستي بنفسي.

لكن بدلًا من أن أستسلم لهذا الواقع المؤلم، قررت أن أُواجهه. بدأتُ في الجامعة بتنظيم حملات نقاش مع زملاء وأساتذة، وشاركت في أنشطة توعوية حول التمييز العنصري والانتهاكات التي تتعرض لها العاملات المنزليات. وفي لحظة رمزية، حضرت إحدى المحاضرات مرتدية زي عاملة منزلية، في محاولة لتفكيك الصور النمطية وتوجيه الأنظار نحو معاناة مغيبة.

امتد نشاطي إلى مواقع التواصل، لا سيما تويتر، حيث سعيت لإيصال صوت العاملات المهمشات. كما تعاونت مع "مركز المجتمع للمهاجرين" (MCC)، وهو منظمة غير ربحية تُعنى بحقوق العاملين المهاجرين. من خلال هذا العمل، شاركت في برامج تدريبية تهدف لتمكين العاملات من التعرف على العنف الجنسي في أماكن العمل، وتطوير وسائل لمواجهته.

ورغم تخرجي في عام 2021، ما زال وجع العاملات الأفريقيات في لبنان يلاحقني. فالأوضاع لم تزد إلا سوءًا، بفعل الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي، وكوارث كبرى مثل أزمة 2019 التضخمية، وانفجار مرفأ بيروت عام 2020، وجائحة كورونا. كل هذا جعل المهاجرين أكثر هشاشة، وحال دون مغادرة كثيرين منهم.

كم من مرة طُلب مني في المطاعم أن أحدد مكان "كفيلي"، أو لاحقني موظف متجر في مجمع تجاري مقترحًا أن أزور محلاً أرخص، بافتراض أنني لا أستطيع تحمل تكلفة البضائع

في بعض الحالات، كان الثمن هو الموت. ففي إحدى الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان، قُتلت عاملة منزلية من غامبيا، إلى جانب أفراد العائلة التي كانت تخدمهم. ومع ذلك، لم تحظ الحادثة بأي اهتمام يُذكر من وسائل الإعلام، ما يكرّس تغييب العاملات حتى في لحظات الفقد والمأساة.

لهذا، حان الوقت أن تتحمل الحكومات الأفريقية مسؤوليتها الأخلاقية. وذلك بتبني سياسات لحماية رعاياها العاملين في الخارج، وتطالب بحقوقهم على الساحة الدولية. فبينما يغرق الآلاف في البحر الأبيض المتوسط كل عام في طريقهم إلى أوروبا، يُترك آخرون في صمت مدوٍ، يعانون في أرجاء الشرق الأوسط من دون أن يراهم أحد.

لا بد أن تدرك الأسرة الدولية أن هؤلاء النساء لسن أرواحًا يمكن تجاهلها. من ينظفن البيوت، ويعتنين بالأطفال، ويقمن بأعمال لا تُرى خلف الجدران المغلقة، لهن الحق في الأمان والكرامة والعدالة. آن أوان كسر الصمت، وبداية منحهن ما يستحقونه من رؤية وإنصاف.

رحلتي إلى لبنان بدأت بحلم أكاديمي، لكنها تحولت إلى مواجهة شخصية عميقة مع الظلم والعنصرية. ومن خلال النشاط والتضامن والتفكير المتواصل، أطمح أن أُسهم في حركة أوسع تناضل ضد الأنظمة القمعية، وتُعيد الكرامة للنساء الأفريقيات المهاجرات في العمل المنزلي، فحيواتهن تهم، وحكاياتهن تستحق أن تُروى.

المزيد من الكاتب