تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 13 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

المال بديلاً عن الاعتذار: استراتيجية ماكرون للإفلات من الإرث الاستعماري في أفريقيا

13 مايو, 2025
الصورة
المال بديلاً عن الاعتذار
Share

جددت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مدغشقر في أواخر أبريل/نيسان الماضي الحديث عن موقف باريس من الفظائع التي ارتكبت في القارة الأفريقية إبان الحقبة الاستعماري، إذ أعلن ماكرون عن تشكيل لجنة مشتركة من مؤرخي البلدين للنظر في عمليات القمع التي ارتكبها الجيش الفرنسي بعد الانتفاضة التي هزت المستعمرة السابقة عام 1947.

الخطوة التي أقدم عليها ماكرون لم تكن الأولى من نوعها، إذ سبق وأن أعلنت باريس إجراءات مماثلة في عدد من المستعمرات الفرنسية السابقة، والتي تتهم فرنسا بارتكاب فظائع فيها، كما هو الحال مع الجزائر والكاميرون ومالي ورواندا، إلا أنه رغم الاعتراف الفرنسي بوجود ماض دموي، ترفض باريس تقديم اعتذارات رسمية لهذه البلدان، هربا من تبعات قانونية وأخلاقية قد تجرها عليها هذه الاعترافات، وتكتفي بالحديث عن ضرورة العمل للمستقبل وطي جراح الماضي.

الاستثمارات بديلة عن الاعتذار

بلغة براغماتية واضحة، تميل فرنسا إلى اعتماد نظام الاستثمارات والدعم المالي بديلا عن الاعتذار عما وقع في الماضي، فعلى الرغم من طلب الرئيس ماكرون "المغفرة" من شعب مدغشقر عن الإرث الاستعماري الدموي، إلا أنه كعادتها في التعامل مع الشعوب والنخب الأفريقية، حاول الهروب من مطالب الاعتذار المتكررة، بالتعهد بتقديم دعم تنموي لعدد من القطاعات الحيوية في الدولة التي استقلت عن فرنسا عام 1960، حيث أعلن عن توقيع اتفاقيات شراكة تشمل قطاعات "الطاقة والمجال الرقمي والبنية التحتية والاتصال والسياحة".

في محاولة لاستعادة النفوذ الفرنسي المهدد، والتغطية على ماض أثيم يلاحق القادة الفرنسيين في القارة، أعلن ماكرون عن مجموعة من الاستثمارات، واقترح شراكات اقتصادية مع مدغشقر، إذ أكد أن وكالة التنمية الفرنسية ستدعم بناء سد فولوبي للطاقة الكهرومائية في شرقي البلاد، بتمويل من وزارة الخزانة الفرنسية، كما ستدعم السد ذاته شركة كهرباء فرنسا المملوكة للحكومة، والتي استحوذت بالفعل على حصة 37.5٪ في المشروع، وفقا لما ذكرته صحيفة "African Business".

رغم الاعتراف الفرنسي بوجود ماض دموي، ترفض باريس تقديم اعتذارات رسمية لهذه البلدان، هربا من تبعات قانونية وأخلاقية قد تجرها عليها هذه الاعترافات، وتكتفي بالحديث عن ضرورة العمل للمستقبل وطي جراح الماضي

أكدت الصحيفة أن ماكرون أعلن مساعدة مدغشقر في تعزيز قطاع الطاقة المتجددة، بما يساهم في وصول أوسع للكهرباء في بلد لا يزال ثلثا سكانه لا يحصلون على كميات كافية من الكهرباء، مشيرة إلى أن الرحلة تأتي في ظل تراجع ملحوظ للنفوذ الفرنسي في القارة، لاسيما في المناطق التي كانت مستعمرات فرنسية في السابق، حيث أجبرت باريس منذ 2022 على سحب جيشها من "مالي وبوركينا فاسو والنيجر"، وتواجه القوات الفرنسية معارضة متزايدة في تشاد، مقللة من أن تثمر هذه الجهود في ظل تراجع نفوذ ملحوظ لباريس في عموم القارة، وتنامي أدوار دولية موازية تزاحمها في صراع النفوذ والسيطرة.

تكريس ممنهج لسياسة عدم الاعتذار 

تذكر هذه الخطوات بما وقع في السابق إبان زيارات ماكرون لدول القارة، فلم يكن موقفه في مدغشقر مختلفًا عما أظهره فيما مضى، إذ تمسك في السابق برفض الاعتذار عن جرائم الحقبة الاستعمارية في الجزائر رغم سقوط مئات الآلاف من الضحايا، حيث أكد خلال مقابلة صحفية أجريت معه عام 2023 أنه لن "يطلب المغفرة" من الجزائر. لكنه يأمل في مواصلة العمل من أجل المصالحة بين البلدين، الموقف نفسه أظهره مع رواندا حيث اعتبر بلاده شريكة في "الإبادة الجماعية" التي وقعت عام 1994، وكان بإمكانها وقف هذه المقتلة التي استهدفت المدنيين، لكنها "لم تكن لديها الإرادة" لفعل ذلك.

ليس هذا فحسب بل إن تقريرًا رسميا حمّل فرنسا جانبا رئيسا من المسؤولية عن الإبادة التي تعرضت لها أقلية التوتسي الرواندية، حيث وثق التقرير تقديم باريس دعمًا عسكريًا كبيرًا ومتواصلًا لرئيس رواندا آنذاك جوفينال هابياريمانا، رغم سياسته العنصرية التي شجعت على ارتكاب جرائم بحق الأقلية، ورغم ذلك لم تقدم باريس أي اعتذارات لرواندا عن هذه الأفعال، واكتفت بطلب الصفح والسعي لترميم العلاقات بين البلدين، بما يضمن مصالحها ونفوذها.

في محاولة لاستعادة النفوذ الفرنسي المهدد، والتغطية على ماض أثيم يلاحق القادة الفرنسيين في القارة، أعلن ماكرون عن مجموعة من الاستثمارات، واقترح شراكات اقتصادية مع مدغشقر

لم يقتصر الأمر على الموقف الفرنسي الرسمي، بل النخب الفرنسية ذاتها سعت إلى تكريس سياسة عدم الاعتذار، والاكتفاء بالعمل على تحسين العلاقات، بما يضمن استمرار النفوذ  الفرنسي في القارة، حيث خلص تقرير أعده المؤرخ بنيامين ستورا، بطلب من ماكرون، بضرورة اتخاذ المزيد من الخطوات للتوفيق بين فرنسا والجزائر، مع استبعاد "التوبة" و"الاعتذارات"، وهو ما آثار انتقادات واسعة وقتها في الجزائر، حتى أن البرلمان الجزائري أقدم على تشكيل لجنة لوضع مقترح قانون يجرم الاستعمار الفرنسي.

ارتكبت فرنسا أعمالا مروعة في القارة الأفريقية، بدءا من عام 1524 حيث نفذت سياساتها الاستعمارية في أكثر من 20 دولة أفريقية عانت من الاستعمار، بدأتها بتجارة العبيد والسيطرة على الموارد وتجنيد الآلاف من مواطني القارة في حروبها، وأنهتها بالعنف المفرط تجاه  الشعوب الثائرة ضدها، وهو ما خلف أكثر من مليوني قتيل أفريقي على يد القوات الفرنسية، حوالي 70 ألف منهم قتلوا خلال الحرب العالمية الأولى أثناء مشاركتهم في الجيوش الفرنسية، وكان معظم هؤلاء المقاتلين من دول "المغرب والسنغال والجزائر وتونس ومدغشقر".

جرائم باقية وسياسات إمبريالية لا تتوقف

لم تقف الجرائم الفرنسية على حد الماضي الاستعماري، إذ يشير الباحث مباي لو، أستاذ الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية والدراسات المقارنة الدولية بجامعة ديوك، إلى أن باريس لا تزال تسبب كثيرا من المشكلات للأفارقة، وأن سياساتها الإمبريالية لم تتوقف حتى الآن، لافتا إلى أنه حتى عقب استقلال الدول التي احتلتها فرنسا لسنوات ظلت الإجراءات القمعية الفرنسية باقية.

يذكر الباحث في مقاله أن غالبية المستعمرات الفرنسية لم تتمكن من الحصول على استقلال واضح عن فرنسا، بل سعت باريس لدمج هذه الدول فيما يعرف الآن باسم أفريقيا الفرنكوفونية، التي وصفت بسخرية في العقدين الماضيين، باسم "فرانك أفريكا"، مشيرا إلى أن باريس تعمدت تنفيذ شبكة معقدة من الترتيبات الاستعمارية الجديدة التي استخدمت ضمنيا تدابير عسكرية وسياسية لإذابة أي محاولة حقيقية للتحرر من قبضة فرنسا الخانقة.

يوضح الباحث أن هذه الترتيبات الاستعمارية تعتمد على عاملين رئيسيين، هما: "دبلوماسية الظل الفرنسية" التي تتعارض بشكل صارخ مع تصريحات باريس العلنية الداعمة للديمقراطية، و"تقرير المصير في أفريقيا"، إذ تظهر الممارسة العملية أن القادة الأفارقة الذين عارضوا الهيكل الاستعماري الجديد لفرنسا لقوا واحدا من ثلاثة مصائر؛ "الإقالة أو السجن أو الاغتيال"، لافتا إلى أنه منذ عام 1990 وقع 27 انقلابا عسكريا في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، نحو 78٪ منها في البلدان الناطقة بالفرنسية، غالبيتهم جرى بدعم فرنسي.

ليس هذا فحسب بل لا تزال فرنسا تحتفظ بعدد من المواقع الحيوية في أفريقيا،  منها جزيرة "ريونيون" الواقعة إلى  الشرق من مدغشقر، بالإضافة إلى جزيرة مايوت، التي تعد واحدة من أقدم الجزر الأربعة الرئيسية في أرخبيل جزر القمر، وهي مواقع تطالب دولتي مدغشقر وجزر القمر باستعادتها، إلا أن باريس ترفض هذا المطلب تحت مزاعم أن سكان هذه المناطق وافقوا على البقاء جزءا من الأراضي الفرنسية. 

الأمر أكبر من مجرد اعتذار، إذ أن خطوة كهذه قد تفقد فرنسا، التي تتمسك بمنهجها الاستعلائي، حالة التبعية المفروضة على كثير من دول القارة الأفريقية، والتي تدر دخلا سنويا هائلا للخزانة الفرنسية

على الرغم من الدفاع المستميت الذي تقدمه فرنسا في ادعاء تبعية هذه المواقع لها، إلا أنها تتناسى مخطط التجريف الثقافي والاجتماعي الذي مُورس على سكان هذه المناطق خلال عقود الاستعمار، حيث نقلت فرنسا مواطنيها للعيش في هذه الجزر، مع اتباع سياسة تضييق على السكان الأصليين، بالإضافة إلى السيطرة الكاملة على نظم التعليم والمؤسسات الثقافية، وهو ما ساهم في محو هوية هذه المناطق، وتكريس تبعيتها لباريس.

لم يكن الاهتمام الفرنسي بالشرق الأفريقي وليد اللحظة، فوفقا لما نشرته مجلة ذا دبلوماتيك، فإن فرنسا كانت حريصة دوما على البقاء في المحيط الهندي، ومناطق شرق أفريقيا، حيث يمر ما يقرب من 50٪ من التجارة العالمية عبر ممراتها البحرية، كما أن هذه المناطق تمتلك موارد طبيعية كبيرة بما في ذلك الهيدروكربونات في قناة موزمبيق، والمعادن المتمركزة تحت القطب الجنوبي، وهو ما جعل باريس تحرص دوما على التواجد في هذه المنطقة، حتى أنها نشرت 3700 جندي وقوات بحرية وطائرة مقاتلة موجودين بشكل دائم في المحيط الهندي.

ولفتت الصحيفة إلى أنه رغم هذه المساعي إلا أن طموحات ماكرون في شرق أفريقيا تواجه تحديات جسيمة أبرزها الماضي الاستعماري، والتنافس الدولي لاسيما الوجود الصيني المتزايد في المنطقة، كما تواجه جزيرتي "مايوت ولاريونيون"، سلسلة من الأزمات البيئية والاجتماعية شديدة الخطورة والتي كشفت عن الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية المنهجية لهذه الأقاليم، وكان آخرها إعصار تشيدو الذي ضرب جزيرة مايوت في ديسمبر/ كانون الأول 2024، وتسبب في خسائر قدرت 3.5 مليار يورو.

لماذا ترفض فرنسا الاعتذار؟

رغم الإقرار بما وقع في الماضي إلا أن الموقف الفرنسي لم يتغير، وما يتبناه ماكرون حاليا اعتمده رؤساء فرنسا السابقون منذ تدشين ما يعرف بالجمهورية الخامسة على يد شارل ديغول، الذي أسس لحقبة استعلائية فرنسية جديدة، كانت تنظر باحتقار للأفارقة والعرب، ولم يكن هذا هو السبب الوحيد، حيث تحاول باريس تجنب أي تبعات أخلاقية أو قانونية قد تجرها للاعتذار، على غرار ما فعلته ألمانيا عام 2021، حينما اعترفت رسمياً بقتل أسلافها لعشرات الآلاف من الأشخاص في ناميبيا، وأقرت بأن ذلك كان "إبادة جماعية".

وقتها تعهدت ألمانيا بتقديم تعويضات تقدر بحوالي 1.3 مليون دولار، قدمت كمساعدات تنموية، وهي خطوة تطالب بها قوى سياسية ومدنية أفريقية، حيث كانت التعويضات عن الحقبة الاستعمارية على طاولة مناقشات قمة الاتحاد الأفريقي التي عقدت في فبراير/شباط 2025، إذ بحث القادة الأفارقة وقتها تنسيق الجهود المشتركة لتعويض الأفارقة والأشخاص من أصل أفريقي عن الجرائم التاريخية والفظائع الجماعية المرتكبة ضدهم  خلال الحقبة الاستعمارية والفصل العنصري والإبادة الجماعية.

يبدو أن الأمر أكبر من مجرد اعتذار، إذ أن خطوة كهذه قد تفقد فرنسا، التي تتمسك بمنهجها الاستعلائي، حالة التبعية المفروضة على كثير من دول القارة الأفريقية، والتي تدر دخلا سنويا هائلا للخزانة الفرنسية، يقدر بحوالي 50 مليار يورو سنويا. كما أنها ستفقد ما يعرف بـ"الدين الاستعماري" حيث وقعت باريس مع بعض من مستعمراتها القديمة في القارة اتفاقيات تنص على حصول فرنسا على امتيازات واسعة، تستحوذ من خلالها على كميات هائلة من المالية العامة الأفريقية، حتى أنها تحصل من دول مثل توغو على حوالي 40٪ من ناتجها القومي، كل هذه الأسباب تجعل باريس متمسكة بمواقفها الرافضة للاعتذار، وتفرض على الأفارقة أنفسهم تحديات جسيمة إذا ما تبنوا مواقف وطنية حقيقة تخلصهم من التبعية.