تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

اللعب بالنار: متى تتحول الأحزاب إلى سلاح للعنف السياسي؟

11 فبراير, 2026
الصورة
بين الدوحة وجوبا.. استراتيجية السودان لإعادة رسم المشهد في زمن الحرب
Share

في دراسة نادرة تجمع بين أفريقيا وجنوب آسيا يقدّم كتاب "Playing with Fire" للمؤلفة أديتي مالك دراسة مميّزة تربط بين تجربتي أفريقيا وجنوب آسيا للإجابة عن سؤال شديد الأهمية: لماذا تتكرر صلة بعض الأحزاب السياسية بالعنف الطائفي وإشعال المناطق، سواء بالتحريض أو بالرعاية غير المباشرة؟ يعتمد الكتاب على مقارنة دقيقة بين كينيا والهند، ويجمع بين التحليل التاريخي والبيانات الكمية والمقابلات الميدانية مع قيادات حزبية وناخبين على المستوى المحلي.

يبيّن أن العنف السياسي لا يمكن تفسيره بالثقافة أو التقاليد فقط، بل يرتبط بحسابات استراتيجية تتخذها النخب داخل أنظمة حزبية غير مستقرة ومتقلبة التحالفات. كما يلفت الانتباه إلى أن آثار العنف لا تتوقف عند لحظة وقوعه، بل تمتد لتقويض الثقة في الديمقراطية، وإلحاق خسائر اقتصادية واجتماعية بالمواطنين، وإضعاف القواعد الشعبية للأحزاب نفسها. لذلك يطرح الكتاب رؤية أعمق لكيف يمكن للمؤسسات الحزبية أن تتعامل بجدية مع ملف العنف السياسي، عبر إصلاحات حقيقية تتجاوز مجرد الإدانة اللفظية.

الأحزاب بين تمثيل الديمقراطية والانزلاق نحو الانفجار

في الأصل، يُفترض بالأحزاب السياسية أن تكون أداة لتنظيم التنافس الانتخابي وضبطه داخل إطار مؤسسي سلمي، لا أن تتحول إلى قناة لإنتاج العنف أو تبريره. غير أن الكتاب يوضح كيف تنقلب الأدوار في بعض السياقات، فتغدو الأحزاب نفسها مظلة سياسية لمجموعات عنيفة أو وسيطًا في تعبئة الانقسام الطائفي والمناطقي.

تبيّن المؤلفة، عبر حالتي كينيا والهند، أن بعض التنظيمات الحزبية لا تكتفي بالتغاضي عن التوتر، بل تساهم في إدارته وتوظيفه انتخابيًا. وتعرض أمثلة على ممارسات مثل: حماية مجموعات محلية متشددة أو تسهيل عمليات الفرز والاستقطاب على أسس عرقية باعتبارها نشاطًا حزبيًا. بهذا المعنى، يتحول الحزب من منظم للتنافس إلى فاعل مباشر في تأجيجه عندما تتقدم المكاسب الانتخابية على الاعتبارات المؤسسية.

تعتمد الدراسة على منهج يجمع بين التحليل الكمي والعمل الميداني الموسّع، ما يمنح نتائجها درجة عالية من الموثوقية. إذ تستخدم بيانات أحداث العنف السياسي والعرقي، وسجلات منظمات حقوق الإنسان، ووثائق انتخابية رسمية، إلى جانب أكثر من 200 مقابلة مع قيادات حزبية وناخبين ومسؤولين محليين في كينيا والهند.

ربط فاعلون محليون بين الانقسام الحزبي وجرأة النخب الصغيرة على استخدام أدوات خشنة لإعادة توزيع النفوذ. بهذا يتحول التفكك التنظيمي إلى إشارة ضمنية بأن قواعد اللعبة قابلة للكسر

يكشف التحليل أن موجات العنف كثيرًا ما تتزامن مع لحظات إعادة توزيع النفوذ بين أحزاب قديمة وأخرى صاعدة. فالتغيرات السريعة في موازين القوة الحزبية ترتبط بارتفاع مفاجئ في مستويات التوتر داخل المناطق الهشة. وتشير الحالات المدروسة إلى أن ضعف البنية التنظيمية للأحزاب الجديدة يجعلها أكثر ميلًا لاستخدام أدوات تعبئة حادة لتعويض نقص الامتداد المؤسسي.

تخلص المؤلفة إلى أن استقرار الأحزاب يمثل متغيرًا حاسمًا في تفسير تفاوت مستويات العنف، بين مناطق تتشابه اجتماعيًا وتاريخيًا. ففي كينيا، ورغم تطبيق اللامركزية، استمر العنف في بعض المناطق لأن الإصلاح الإداري لم يصاحبه بناء قوي للأحزاب المحلية. ونتيجة لذلك، عمل الفاعلون السياسيون بعقلية قصيرة المدى تركز على الفوز الانتخابي السريع دون اعتبار للتكلفة المجتمعية طويلة الأجل. وفي الهند، تكررت أنماط مشابهة في المناطق التي تراجع فيها حزب رئيسي وحل محله تنظيم ضعيف البنية. وتطرح الدراسة فرضية واضحة: كلما زاد الاستقرار والتنظيم الداخلي للحزب، تراجعت حوافز اللجوء إلى العنف كوسيلة سياسية، حتى في البيئات المنقسمة عرقيًا أو طائفيًا.

الاضطراب الحزبي كمحرّك للعنف السياسي

يركّز الإطار النظري في الكتاب على مفهوم «الاضطراب الحزبي» باعتباره عاملًا أساسيًا يهيئ البيئة لاستخدام العنف السياسي. ويقصد به حالة عدم الاستقرار داخل الحزب من حيث القيادة أو الهيكل أو التحالفات، مثل الانقسامات المتكررة، أو إعادة التشكيل، أو الاعتماد على تحالفات مؤقتة بدل التنظيم المؤسسي الراسخ.

في هذه الظروف، ينظر القادة السياسيون إلى المستقبل بمنطق قصير الأجل يقتصر على الدورة الانتخابية القادمة فقط. ويضعف لديهم الإحساس بالعقاب السياسي طويل المدى، لأن الحزب نفسه قد يتغير أو يختفي. وهنا يصبح اللجوء إلى العنف أداة منخفضة التكلفة نسبيًا في حساباتهم السياسية.

كلما وُجدت خيارات حزبية مستقرة، زادت قابلية تحويل الغضب إلى تصويت عقابي. وكلما ضعفت البدائل، تراجعت فعالية المساءلة عبر الصندوق

تُظهر الدراسة، من خلال الحالة الكينية، أن فترات تفكك الأحزاب والتحالفات في التسعينيات وبدايات الألفية ارتبطت بارتفاع ملحوظ في العنف المحلي. ففي عدد من الأقاليم، تزامن صعود زعامات جديدة ذات نفوذ محلي مع تصاعد أعمال عنف طائفي ومناطقي. وتشير البيانات الكمية التي اعتمدت عليها المؤلفة إلى أن الدوائر التي شهدت تغيّرًا سريعًا في قيادة الأحزاب كانت الأكثر عرضة للاضطرابات. كما دعمت المقابلات الميدانية هذا النمط، حيث ربط فاعلون محليون بين الانقسام الحزبي وجرأة النخب الصغيرة على استخدام أدوات خشنة لإعادة توزيع النفوذ. وبهذا يتحول التفكك التنظيمي إلى إشارة ضمنية بأن قواعد اللعبة قابلة للكسر.

أما في الهند، فتبيّن المؤلفة أن العلاقة بين الاضطراب الحزبي والعنف موجودة أيضًا، لكنها تعمل ضمن حسابات أكثر حذرًا. فالمناطق التي تشهد منافسة حادة بين أحزاب ضعيفة التنظيم محليًا تسجل معدلات أعلى من الاعتداءات على الممتلكات والمحال والمنازل. غير أن سلوك الناخبين هناك يُظهر ميلًا أكبر لمعاقبة الأحزاب المرتبطة بالعنف عندما يتجاوز مستوى معينًا.

تستند هذه النتيجة إلى مقابلات واسعة مع ناخبين أفاد كثير منهم بقدرتهم على ربط أحداث العنف بأحزاب أو شبكات سياسية محددة. ومن ثمّ، يصبح الاضطراب الحزبي ليس مجرد ظرف طارئ، بل نمطًا سياسيًا مؤقتًا يسمح بتكرار العنف عندما يضعف توقع المحاسبة.

الناخبون بين ضحايا العنف وعناصر الردع السياسي

إن الكتاب يفكك الصورة النمطية التي تصوّر الناخبين ككتلة ساذجة أو متقبلة للعنف مع مرور الوقت. وتُظهر الأدلة الميدانية في كينيا والهند أن المواطنين يمتلكون وعيًا واضحًا بمصادر العنف الحزبي ومن يقف خلفه. فالكثير منهم يحتفظ بذاكرة طويلة للأحداث الدموية، ويربطها بأسماء أحزاب ومرشحين محليين وشبكات نفوذ محددة. وتكشف المقابلات أن الناس لا ينسون بسهولة من حرّض أو سهّل أو موّل أعمال العنف. هذا الوعي الشعبي يشكّل قاعدة مهمة لفهم السلوك الانتخابي لاحقًا. لكنه لا يترجم دائمًا إلى رد فعل انتخابي مباشر أو حاد.

يتحول الحزب من منظم للتنافس إلى فاعل مباشر في تأجيجه عندما تتقدم المكاسب الانتخابية على الاعتبارات المؤسسية

توضح المؤلفة أن العقاب الانتخابي لا يتحرك بصورة آلية، بل يتأثر ببنية النظام الحزبي المحلي وتوازنات القوة فيه. فحتى عندما يعرف الناخبون الجهة المرتبطة بالعنف، قد لا يعاقبونها إذا لم يتوفر بديل سياسي قوي ومنظم. كما تلعب شبكات النفوذ والخدمات المحلية دورًا في إعادة تشكيل القرار الانتخابي بعد الأزمات.

لذلك، لا يمكن تفسير النتائج عبر فكرة "غضب الشارع" فقط، بل عبر هيكل المنافسة الحزبية. كلما وُجدت خيارات حزبية مستقرة، زادت قابلية تحويل الغضب إلى تصويت عقابي. وكلما ضعفت البدائل، تراجعت فعالية المساءلة عبر الصندوق.

تعرض حالات من كينيا آثارًا اقتصادية واجتماعية طويلة المدى للعنف، مثل تدمير المحال التجارية وتعطل سبل المعيشة ونزوح العمالة من بعض المناطق. ومع ذلك، احتفظت بعض الدوائر بولائها الحزبي رغم تكرار الاضطرابات، بسبب رسوخ الشبكات التنظيمية للحزب المسيطر.

في الهند، أظهرت تقارير حقوقية أن الضحايا احتفظوا بمواد دعائية وشعارات انتخابية ربطوها بالأحداث العنيفة، وقدّموها لجهات رصد وتحقيق. هذا يوضح أن الذاكرة الشعبية موثّقة وليست انطباعية فقط. غير أن تحويل هذه المعرفة إلى محاسبة سياسية يظل مشروطًا بقوة التنظيمات البديلة. لذا تختلف نتائج المساءلة من منطقة لأخرى.

من هنا يطرح الكتاب رؤية إصلاحية، تركّز على بناء أحزاب أكثر تنظيمًا وقربًا من المجتمع المحلي كمدخل أساسي للحد من العنف. فتعزيز الهياكل الحزبية المحلية، ورفع شفافية اختيار المرشحين، وتقليل الاعتماد على شبكات العنف، كلها عناصر حاسمة.

تؤكد المؤلفة أن الإصلاحات الانتخابية الشكلية وحدها مثل ضبط المواعيد أو تشديد الرقابة، لا تكفي إذا لم تُدعَم بإصلاح مؤسسي حزبي عميق. الأحزاب القوية تنظيميًا تكون أكثر قدرة على ضبط سلوك أعضائها ومحاسبتهم داخليًا. وفي هذا الإطار، تصبح الديمقراطية ممارسة مؤسسية مستمرة، لا مجرد عملية تصويت دورية.