تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

العلاقات السودانية–الإسرائيلية في زمن الحرب: من تطبيع الدولة إلى رهانات الصراع الداخلي

12 يناير, 2026
الصورة
العلاقات السودانية–الإسرائيلية في زمن الحرب: من تطبيع الدولة إلى رهانات الصراع الداخلي
Share

لم تكن العلاقات السودانية–الإسرائيلية يومًا مسألة خارجية خالصة، بل ظلت منذ نشأتها محكومة بتوازنات الداخل السوداني، وبطبيعة الدولة ذاتها، وقدرتها أو عجزها عن إنتاج قرار سيادي مستقر. فمنذ انتقال السودان من موقع العداء المعلن إلى مسار التطبيع، لم يتحرك هذا التحول كخيار استراتيجي نابع من إجماع وطني، بل كاستجابة مركّبة لضغوط دولية، ومقايضات اقتصادية، وتقاطعات أمنية عابرة للأنظمة. لذلك ظل هذا المسار هشًا، قابلًا للتعليق أو التوظيف، أكثر من كونه سياسة دولة راسخة.

مع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، انتقلت هذه العلاقات من هامش السياسة الخارجية إلى قلب الصراع على السلطة. فالحرب لم تُفكك فقط مؤسسات الدولة، بل أعادت تعريف من يملك حق التحدث باسم السودان، ومن يمتلك شرعية إدارة علاقاته الإقليمية والدولية. في هذا السياق، لم تعد إسرائيل فاعلًا بعيدًا أو محايدًا، بل أصبحت – مثل غيرها من القوى الإقليمية – جزءًا من معادلة معقدة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع رهانات النفوذ، في بلد يتآكل فيه المركز وتتنازع أطرافه على الاعتراف الخارجي بقدر تنازعها على الأرض.

عن الخلفية التاريخية

تُعد العلاقات السودانية–الإسرائيلية من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في التاريخ السياسي السوداني الحديث، إذ لا يمكن فهمها بوصفها مجرد علاقة ثنائية بين دولتين، بل باعتبارها نتاجًا مباشرًا لتشابكات داخلية سودانية، وسياقات عربية وأفريقية أوسع، وتوازنات دولية متغيرة. فمنذ نشأة الكيان الصهيوني عام 1948، تشكّل في السودان وعي سياسي واجتماعي يعتبر إسرائيل امتدادًا للاستعمار الأوروبي، وهو وعي تلاقى مع خبرات القارة الأفريقية في مقاومة الاستعمار والفصل العنصري. هذا الوعي لم يكن حكرًا على النخب، بل تجذّر شعبيًا، ما جعل أي اقتراب رسمي من إسرائيل مسألة محفوفة بالمخاطر السياسية، ومشحونة بدلالات تتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية.

مع استقلال السودان عام 1956، تبنّت الخرطوم موقفًا داعمًا للقضية الفلسطينية، وشاركت في الحروب العربية–الإسرائيلية الأولى، وأسهم السودانيون عسكريًا وسياسيًا في الجهد العربي العام. وقد شكّل هذا الانحياز جزءًا من هوية السودان الخارجية، خصوصًا بعد استضافته قمة الخرطوم عام 1967، التي خرجت باللاءات الثلاث، لتتحول العاصمة السودانية إلى رمز للرفض العربي للاحتلال. لم يكن هذا الموقف مجرد تعبير ظرفي، بل أسّس لمسار طويل من القطيعة الرسمية مع إسرائيل، تزامن مع دور سوداني نشط في دعم حركات التحرر الأفريقية، ما منح الخرطوم موقعا متقدما داخل الخريطة السياسية العربية والأفريقية.

أثار هذا المسار تحفظات داخل الشارع السوداني ووسط قوى الثورة، التي رأت في الاتصالات مع إسرائيل تجاوزاً للتفويض الشعبي، خاصة في ظل غياب برلمان انتقالي يقر مثل هذه التحولات الكبرى

غير أن هذا المسار لم يكن ثابتًا، إذ بدأت التحولات مع انقلاب مايو/أيار 1969 وصعود جعفر نميري إلى السلطة، حيث اتسمت سياسته الخارجية بالتقلّب تبعًا لتوازنات الداخل وضغوط الخارج. ففي الوقت الذي حافظ فيه على خطاب قومي عربي في بداياته، وشارك في دعم الجبهة العربية خلال حرب أكتوبر، بدأت ملامح الانزياح تظهر مع تعمق الأزمات الاقتصادية وتصاعد الصراعات الداخلية. وجاءت عملية ترحيل يهود الفلاشا منتصف الثمانينات لتشكّل لحظة مفصلية، كشفت عن اختراق إسرائيلي للدولة السودانية في لحظة ضعف. ما أدى إلى تآكل شرعية النظام، وساهم في سقوطه عام 1985، لتترسخ في الوعي العام فكرة أن أي تقارب مع إسرائيل يتم على حساب السيادة والاستقرار الداخلي.

دخلت العلاقات مع إسرائيل مع وصول الإسلاميين إلى السلطة، عام 1989، مرحلة من العداء المعلن، ترافقت مع دعم واضح للمقاومة الفلسطينية، لا سيما حركة حماس. فقد تحوّل السودان في حقبة التسعينات إلى ساحة خلفية للصراع العربي–الإسرائيلي، ما أدخله في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها، وأدّى إلى فرض عقوبات اقتصادية قاسية. لكن هذا الخطاب الأيديولوجي بدأ يتآكل مع نهاية التسعينات، خاصة بعد الانقسام داخل الحركة الإسلامية، وتحوّل أولوية النظام من تصدير المشروع الأيديولوجي إلى ضمان البقاء في السلطة. منذ تلك اللحظة، بدأت تظهر قنوات تواصل غير معلنة مع إسرائيل، في إطار إعادة تموضع إقليمي ودولي أوسع.

من الأزمة الى الحرب

في السنوات اللاحقة، ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية بعد انفصال جنوب السودان، تحوّل التقارب مع إسرائيل ورقة تفاوضية مع الولايات المتحدة، وخرج هذا المسار إلى العلن خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام البشير. جاء التطبيع في إطار اتفاقات أبراهام بوصفه قرارًا اتُخذ في سياق هش، اتسم بضعف التفويض الشعبي، وتشظي النخب السياسية، وتغليب منطق البقاء على منطق السياسة الخارجية المبدئية. وعمّق القرار الفجوة بين الدولة والمجتمع، خاصة في ظل الإرث التاريخي السوداني الداعم للقضية الفلسطينية.

خلال الفترة الانتقالية (2019–2021)، برز اسم محمد حمدان دقلو «حميدتي» بوصفه أحد الفاعلين الرئيسيين في ملف الانفتاح الخارجي، بما في ذلك القناة غير المعلنة مع إسرائيل. فقد تزامن صعوده السياسي كنائب لرئيس مجلس السيادة مع تحركات إقليمية هدفت إلى إعادة إدماج السودان في المنظومة الدولية، وكان ملف التطبيع أحد أدوات هذا الإدماج. في هذا السياق، نُظر إلى حميدتي باعتباره صاحب نفوذ أمني وعسكري مباشر، بمقدوره تقديم ضمانات تتعلق بالاستقرار ومكافحة الهجرة غير النظامية والتنسيق الأمني، وهي ملفات تحظى باهتمام إسرائيلي واضح.

أخذت هذه العلاقة طابعاً عملياً أكثر من كونها دبلوماسية رسمية، حيث تحدثت تقارير متعددة عن قنوات اتصال أمنية غير مباشرة، وعن دور لعبه حميدتي في تهيئة المناخ السياسي الداخلي للتقارب مع إسرائيل، بالتوازي مع تحركات رئيس مجلس السيادة آنذاك عبد الفتاح البرهان. يُفهم من هذا الدور أن حميدتي سعى إلى تثبيت موقعه داخل معادلة الحكم الانتقالي عبر الانخراط في ملفات خارجية حساسة، بما يمنحه ثقلاً لدى واشنطن وحلفائها، ويعزز صورته بوصفه شريكا يمكن الاعتماد عليه في ترتيبات ما بعد العقوبات.

رأت الحكومة الانتقالية أن القرار يندرج ضمن براغماتية اضطرارية فرضتها أوضاع اقتصادية خانقة وتوازنات إقليمية معقدة، وأنه لا يلغي بالضرورة حق السودانيين مستقبلًا في إعادة تقييم مسار العلاقات مع إسرائيل ضمن عملية ديمقراطية مكتملة

كما ارتبطت مقاربة حميدتي لإسرائيل باعتبارات تتجاوز السياسة الخارجية إلى حسابات داخلية متصلة بتوازن القوى في المرحلة الانتقالية. فالدخول في هذا الملف أتاح له مراكمة رصيد سياسي مستقل نسبياً عن القوى المدنية، وتقديم نفسه كصاحب علاقات إقليمية ودولية قادرة على جلب مكاسب اقتصادية أو تخفيف الضغوط عن السودان. في المقابل، أثار هذا المسار تحفظات داخل الشارع السوداني ووسط قوى الثورة، التي رأت في الاتصالات مع إسرائيل تجاوزاً للتفويض الشعبي، خاصة في ظل غياب برلمان انتقالي يقر مثل هذه التحولات الكبرى.

أقدمت حكومة عبد الله حمدوك خلال الفترة الانتقالية على إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1958، في خطوة شكّلت التحول القانوني الأبرز في مسار علاقة السودان مع إسرائيل. جاء هذا القرار في أبريل/نيسان 2021 بعد إجازته من مجلسي السيادة والوزراء، باعتبار أن القانون بات يتعارض مع التوجه الجديد للسياسة الخارجية السودانية، ومع التزامات الحكومة الانتقالية الرامية إلى فك العزلة الدولية، وإعادة دمج السودان في النظامين الإقليمي والدولي، خصوصًا بعد رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

حرصت حكومة حمدوك على تقديم إلغاء القانون باعتباره إجراءً قانونيًا تقنيًا لا يرقى إلى مستوى التطبيع الكامل أو إقامة علاقات دبلوماسية شاملة، بل كخطوة ضرورية لإزالة عائق تشريعي قديم يمنع أي تعامل رسمي أو اقتصادي. وأكد حمدوك مرارًا أن مسألة التطبيع النهائي يجب أن تُحسم من خلال مؤسسات منتخبة وبرلمان شرعي، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي والحفاظ على توازن دقيق بين الضغوط الدولية من جهة، وحساسية الشارع السوداني والقوى السياسية من جهة أخرى.

تكشف قراءة مسار العلاقات بين السودان وإسرائيل، وصولًا إلى لحظة الحرب الحالية، أن هذه العلاقة لم تكن يومًا خيارًا استراتيجيًا نابعًا من توافق وطني، بل قرارًا فوقيًا ارتبط دومًا بالأزمات والفترات الانتقالية وتصدعات السلطة

مع ذلك، أثار إلغاء قانون المقاطعة انقسامًا سياسيًا واسعًا داخل السودان، حيث اعتبرته قوى مدنية وثورية تجاوزًا للتفويض الشعبي، وربطته بمقايضات سياسية واقتصادية فرضتها الولايات المتحدة وشركاء دوليون مقابل الدعم المالي وإعادة جدولة الديون. في المقابل، رأت الحكومة الانتقالية أن القرار يندرج ضمن براغماتية اضطرارية فرضتها أوضاع اقتصادية خانقة وتوازنات إقليمية معقدة، وأنه لا يلغي بالضرورة حق السودانيين مستقبلًا في إعادة تقييم مسار العلاقات مع إسرائيل ضمن عملية ديمقراطية مكتملة.

مع اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، دخل ملف العلاقات السودانية–الإسرائيلية طورًا جديدًا أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد إسرائيل مجرد طرف خارجي في معادلة دبلوماسية، بل أصبحت جزءًا من شبكة مصالح إقليمية تتقاطع مع الصراع الداخلي. فقد كشفت الحرب عن هشاشة الدولة السودانية، وتفكك مراكز القرار، ما فتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية، من بينها إسرائيل، لمحاولة قراءة المشهد السوداني بوصفه ساحة نفوذ محتملة، خاصة في ظل الموقع الجغرافي الحساس للسودان على البحر الأحمر وقربه من القرن الإفريقي.

في سياق هذه الحرب، برزت تقارير وتحليلات تشير إلى اهتمام إسرائيلي بتطورات الصراع، ليس من زاوية دعم طرف بعينه بشكل مباشر، بل من منظور أوسع يتعلق بأمن البحر الأحمر، وممرات التجارة الدولية، والتوازنات مع إيران وحلفائها في المنطقة. كما أن وجود علاقات سابقة، رسمية وغير رسمية، مع قيادات عسكرية سودانية خلال الفترة الانتقالية، جعل إسرائيل طرفًا معنيًا باستقرار أو إعادة تشكيل السلطة في الخرطوم، بما يضمن عدم تحوّل السودان مجددًا إلى ساحة معادية أو داعمة لمحور المقاومة.

من جهة أخرى، كشفت الحرب بين الجيش والدعم السريع أن التطبيع لم يؤدِّ إلى بناء دولة مستقرة أو مؤسسات قوية، بل جرى في ظل تفكيك ممنهج للدولة، وصعود قوى عسكرية واقتصادية موازية. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى الرهان على إسرائيل والولايات المتحدة بوصفهما ضامنين للاستقرار، في حين أن الواقع أثبت أن التطبيع لم يمنع اندلاع الحرب، ولم يوفر للسودان مظلة حماية سياسية أو اقتصادية حقيقية. بل على العكس، ساهم في تعقيد المشهد، عبر إدخال السودان في حسابات إقليمية لا تخدم بالضرورة مصالحه الوطنية.

تُظهر هذه التطورات أن العلاقات السودانية–الإسرائيلية لا يمكن فصلها عن طبيعة الدولة السودانية نفسها، وعن أزماتها البنيوية المتراكمة. فمنذ الاستقلال، ظل السودان دولة هشّة، تتأرجح بين مشاريع أيديولوجية متعارضة، وتُدار في كثير من الأحيان عبر صفقات خارجية قصيرة الأمد. وفي هذا السياق، لم تكن إسرائيل سوى عامل من عوامل عدة استُخدمت في لحظات الضعف، إما للضغط، أو للاختراق، أو لإعادة ترتيب التحالفات.

تكشف قراءة مسار العلاقات بين السودان وإسرائيل، وصولًا إلى لحظة الحرب الحالية، أن هذه العلاقة لم تكن يومًا خيارًا استراتيجيًا نابعًا من توافق وطني، بل قرارًا فوقيًا ارتبط دومًا بالأزمات والفترات الانتقالية وتصدعات السلطة. ومن ثم، فإن مستقبل هذه العلاقات سيظل مرهونًا بقدرة السودانيين على إعادة بناء دولتهم، وصياغة سياسة خارجية تعبّر عن إرادة شعبية حقيقية، لا عن حسابات بقاء مؤقتة أو ضغوط إقليمية ودولية عابرة.

تكشف الحرب الجارية أن أي حديث عن علاقات سودانية–إسرائيلية بمعزل عن بنية الصراع الداخلي هو حديث مبتور. فالدولة التي تخوض حربًا وجودية بين جيشها الرسمي وقوة شبه عسكرية لا يمكنها إنتاج سياسة خارجية متماسكة، بل تتحول علاقاتها إلى أدوات تكتيكية بيد الفاعلين المتصارعين. وفي هذا الإطار، تصبح إسرائيل – كما غيرها – طرفًا يتعامل مع واقع مجزأ، لا مع دولة موحدة، وهو ما يفرغ مسار التطبيع من مضمونه السياسي، ويحوّله إلى قناة أمنية ضيقة، محكومة بالسرية والبراغماتية لا بالشفافية أو المصالح الوطنية طويلة الأمد.

إن مستقبل العلاقات السودانية–الإسرائيلية لن يُحسم في غرف التفاوض الخارجية، بل في مآلات الحرب نفسها: في سؤال من ينتصر، وكيف، وبأي شكل من أشكال الدولة سيُعاد بناء السودان. فدون إنهاء الحرب، واستعادة احتكار العنف الشرعي، وبناء سلطة دستورية ذات تفويض شعبي، ستظل هذه العلاقات عائمة، قابلة للتوظيف والانقلاب، ومصدرًا إضافيًا للانقسام لا للاستقرار. أما السلام الحقيقي، داخليًا قبل أن يكون خارجيًا، فهو الشرط الوحيد الذي يمكن أن ينقل العلاقة من كونها عبئًا سياسيًا إلى خيار قابل للنقاش العام والمساءلة الوطنية.