الخميس 5 مارس 2026
في منطقة القرن الأفريقي، حيث تختلط الجغرافيا بالنفوذ العسكري والاستخباراتي، تشكل العلاقات الإيرانية الإريترية ملفًا استراتيجيًا بالغ الحساسية. فإريتريا، بموقعها المهيمن على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وباب المندب، تمثل نقطة ارتكاز مثالية لأي قوة تسعى للتأثير في ممرات التجارة العالمية وخطوط الإمداد البحرية. منذ مطلع الألفية، سعت طهران إلى توطيد حضورها في أسمرة، ليس فقط عبر التعاون الاقتصادي والسياسي، بل أيضًا من خلال شراكات أمنية وعسكرية، تتضمن تدريبات وإمدادات وتنسيق استخباراتي. هذا التقارب، الذي جرى غالبًا بعيدًا عن الأضواء، منح إيران منفذًا استراتيجيًا في قلب منطقة تخضع لمنافسة شرسة بين القوى الإقليمية والدولية.
منذ إعلان استقلالها عام 1993، عقب حرب استنزاف طويلة ودامية ضد إثيوبيا، سارت إريتريا على نهج دبلوماسي حذر قائم على مبدأ "تنويع التحالفات" كآلية لتفادي العزلة الإقليمية والسياسية التي قد تفرضها التوازنات المتقلبة في القرن الأفريقي. في هذا الإطار، رأت إيران فرصة استراتيجية لمد جسور تعاون مع أسمرة، فبدأت الاتصالات الدبلوماسية بين الجانبين في منتصف التسعينيات، وتطورت تدريجيًا عبر زيارات رسمية على مستوى وزراء الخارجية، تُوجت بتوقيع مذكرات تفاهم شملت مجالات حيوية متعددة.
في قطاع الطاقة، قدمت طهران عروضًا مغرية لإنشاء محطات كهرباء تعمل بالوقود الإيراني، لتلبية الطلب المتزايد في إريتريا، وتخفيف اعتمادها على الإمدادات الإقليمية. وفي مجال التعليم، فتحت الجامعات الإيرانية أبوابها أمام طلاب إريتريين بمنح أكاديمية مركزة على تخصصات استراتيجية، مثل الهندسة والعلوم البحرية، التي ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر. أما في قطاع الصحة، فقد أرسلت إيران بعثات طبية متخصصة، لا سيما إلى المناطق الساحلية النائية، لتقديم الخدمات العلاجية وتدريب الكوادر المحلية، في خطوة عززت حضورها الإنساني إلى جانب أهدافها السياسية.
مع اشتداد المنافسة الإقليمية بين إيران من جهة والسعودية وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، تحولت أسمرة إلى ورقة جيوسياسية ذات قيمة عالية في حسابات طهران
رغم أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بقي محدودًا، فإن القيمة الحقيقية للعلاقة تجسدت في الموقع الجغرافي الفريد لإريتريا، المطل على الضفة الغربية للبحر الأحمر في مواجهة اليمن، وعلى مقربة مباشرة من مضيق باب المندب، وهو ما جعلها بمثابة "نقطة ارتكاز بحرية" حيوية في الاستراتيجية الإيرانية.
مع اشتداد المنافسة الإقليمية بين إيران من جهة والسعودية وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، تحولت أسمرة إلى ورقة جيوسياسية ذات قيمة عالية في حسابات طهران، ليس فقط لبناء نفوذ في منطقة تتقاطع فيها مصالح الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، بل أيضًا لتأمين ممرات بديلة لخطوط الملاحة العالمية، في حال تعرضت الممرات التقليدية في الخليج العربي لأي تهديد أو إغلاق. ومع دخول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بات واضحًا أن هذا الاهتمام الإيراني لم يكن هامشيًا، بل جزءًا أصيلًا من استراتيجية أوسع لتعزيز الحضور البحري الممتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، بما يضمن لطهران قدرة مناورة عالية في مواجهة الضغوط والحصار البحري المحتمل.
يُعد البحر الأحمر أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، فهو شريان بحري حيوي يربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس، وتمر عبره يوميًا ناقلات نفط عملاقة وسفن تجارية تحمل ما يقارب 10٪ من حجم التجارة العالمية، ويشكّل مضيق باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه 32 كلم في أضيق نقاطه، البوابة الجنوبية لهذا البحر، مما يجعله نقطة اختناق بحرية بالغة الأهمية في حسابات القوى الكبرى. في هذا السياق تبرز إريتريا بساحلها الممتد لمسافة 1,151 كلم على الضفة الغربية للبحر الأحمر، كصاحبة موقع استراتيجي يتيح لها التأثير المباشر في أمن الملاحة الدولية.
أما إيران، فترى في هذه المنطقة مسرحًا مثاليًا لتطبيق ما يُعرف بـ"استراتيجية الضغط البحري" التي تعتمد على توظيف القوة البحرية، أو التهديد باستخدامها، كورقة ضغط سياسية واقتصادية ضد الخصوم، خاصة في أوقات الأزمات الإقليمية. ومع اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، ارتفعت القيمة الجيوسياسية لإريتريا في الحسابات الإيرانية بشكل غير مسبوق، نظرًا لقربها الجغرافي من مناطق سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي لليمن، وهو ما جعلها قاعدة محتملة لتأمين خطوط الإمداد أو تعطيل الملاحة عند الحاجة.
لكن إريتريا لعبت لعبة أكثر تعقيدًا من مجرد الانحياز لطرف واحد؛ إذ سمحت، في فترات لاحقة، لشركاء مختلفين باستخدام موانئها، ما جعل أسمرة لاعبًا مرنًا يتنقل بين المحاور الإقليمية والدولية دون أن يُقيد نفسه بتحالف دائم
لمّحت تقارير الأمم المتحدة، مثل التقرير S/2020/326، إلى أن الموانئ الإريترية، وفي مقدمتها ميناء عصب، ربما استُخدمت كمراكز لوجستية سرية لتموين السفن الإيرانية ودعم عمليات غير مباشرة في المنطقة، بينما كشفت صور الأقمار الصناعية بين عامي 2015 و2017 عن نشاط غير اعتيادي في الميناء، تزامنا مع اتهامات أمريكية لطهران بتهريب شحنات أسلحة.
لكن إريتريا لعبت لعبة أكثر تعقيدًا من مجرد الانحياز لطرف واحد؛ إذ سمحت، في فترات لاحقة، لشركاء مختلفين باستخدام موانئها، وعلى رأسهم الإمارات التي حصلت على تسهيلات واسعة لدعم عمليات التحالف العربي في اليمن، ما جعل أسمرة لاعبًا مرنًا يتنقل بين المحاور الإقليمية والدولية دون أن يُقيد نفسه بتحالف دائم.
في السنوات الأخيرة، خاصة خلال 2024 و2025، اكتسب هذا الموقع أهمية مضاعفة مع تصاعد الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر، وبدء قوى كبرى، مثل الصين وروسيا، في توسيع حضورها البحري في المنطقة. وهكذا لم يعد الساحل الإريتري مجرد "ممر" لعبور السفن، بل تحول إلى "مفتاح" استراتيجي يتحكم في أمن البحر الأحمر ومصير حركة التجارة العالمية، وجعل أسمرة نقطة تقاطع لمصالح متناقضة بين إيران والإمارات، بل وبين معسكرات دولية متباينة في رؤيتها لمستقبل الممرات البحرية.
لم يكن التعاون العسكري بين طهران وأسمرة مجرد خطوة تكتيكية عابرة، بل جاء انعكاسًا لحسابات استراتيجية معقدة، إذ سعت إريتريا -التي عانت من مواجهات حدودية متكررة مع جيبوتي وإثيوبيا- إلى الحصول على دعم تقني وخبرات متقدمة في مجال الأمن البحري، لتأمين سواحلها الطويلة على البحر الأحمر، وتعزيز قدراتها الدفاعية.
في المقابل، رأت إيران في هذا التعاون فرصة ذهبية لتوسيع نطاق نفوذها العسكري في خليج عدن والبحر الأحمر تحت غطاء "مكافحة القرصنة"، بينما كان الهدف الفعلي أعمق بكثير، يتمثل في تثبيت موطئ قدم دائم في إحدى أكثر المناطق الجيوسياسية حساسية في العالم، وقد اتخذ هذا التعاون صورًا متعددة، من تدريب قوات خفر السواحل الإريترية على تكتيكات الاعتراض البحري المتقدمة، وتزويدها بزوارق سريعة وأجهزة مراقبة ساحلية عالية الدقة، إلى إقامة ورش صيانة بحرية في موانئ إريتريا بإشراف فنيين إيرانيين متخصصين، ما وفر لطهران منفذًا لوجستيًا قادرًا على دعم عملياتها الإقليمية.
غير أن هذا الانخراط العسكري لم يمر دون جدل، إذ أشارت تقارير استخباراتية غربية منذ 2020 إلى أن إيران استخدمت هذه التسهيلات لمدّ الحوثيين في اليمن بصواريخ كروز مضادة للسفن وطائرات مسيرة هجومية، الأمر الذي عزز قدرتهم على استهداف الممرات الملاحية الحيوية، بينما اكتفت تقارير الأمم المتحدة بالتلميح إلى "احتمالية عالية" لمرور شحنات أسلحة عبر القرن الأفريقي دون تأكيد قاطع.
رغم القوة التي جسّدت العلاقات الإيرانية الإريترية في العقد الأول من الألفية، شهدت الفترة بين 2016 و2023 تحولات مفصلية قلبت الخارطة الاستراتيجية رأسا على عقب، لتبدأ أسمرة في تحييد النفوذ الإيراني تدريجيًا
مع دخول 2024 و2025، تعمق هذا البعد العسكري بشكل أوضح، حيث رُصدت زيادة في عدد الزيارات البحرية الإيرانية إلى ميناء عصب، إلى جانب تدريبات مشتركة ركزت على مواجهة الهجمات غير المتناظرة في البحر الأحمر، بالتوازي مع تصاعد التوترات في الممرات الملاحية إثر الهجمات الحوثية على سفن الشحن الدولية، وبهذا تجاوزت العلاقة بين طهران وأسمرة حدود التعاون الأمني التقليدي لتصبح جزءًا لا يتجزأ من شبكة النفوذ الإيراني الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب، في مواجهة مباشرة لمعادلة النفوذ السعودي الإماراتي الأمريكي، ووسط لعبة توازنات إقليمية آخذة في الاشتعال مع دخول قوى جديدة مثل روسيا والصين على خط الصراع البحري.
رغم القوة التي جسّدت العلاقات الإيرانية الإريترية في العقد الأول من الألفية، شهدت الفترة بين 2016 و2023 تحولات مفصلية قلبت الخارطة الاستراتيجية رأسا على عقب، لتبدأ أسمرة في تحييد النفوذ الإيراني تدريجيًا بعد توقيعها في 2015 اتفاقًا يتيح للإمارات استخدام ميناء عصب وقاعدة جوية تدعم عمليات التحالف العربي في اليمن، ما ضيق هامش الحركة الإيراني داخليًا، بينما تبنت الدولة سياسة انفتاح مدروسة على دول الخليج سعيا لتخفيف العقوبات، فتقدمت نحو السعودية والإمارات على حساب التعاون العلني مع طهران.
أعادت إيران في المقابل رسم أولوياتها الاستراتيجية نحو اليمن وسلطنة عمان بدل الاعتماد على إريتريا وحدها. لكن السرد لم يتوقف هناك، فقد بات واضحًا في 2024 و2025 أن أسمرة تعيد ترتيب أوراقها بمنعطفات جيو-سياسية خطيرة؛ إذ باتت جزءًا من شبكة شرق أوسطية متعددة الأقطاب، تسعى إلى كسر احتكار الغرب للبحر الأحمر، فابتعدت تدريجيًا عن الغرب لصالح تقوية تحالفها مع طهران وموسكو وبكين، وعززت موقفها من خلال سكوتها على هجمات الحوثيين في مياهها الإقليمية، واحتجازها ثلاث سفن أذربيجانية في نوفمبر/ تشرين الأول 2024.
خطوة رجّحت الأجندة الإيرانية في المنطقة، كما أبلغ وزير الخارجية الإريتري أثناء مشاركته تنصيب الرئيس الإيراني ماسعود بيزِشكِيان في 2024 استعداد طهران لنقل خبراتها وقدراتها إلى أسمرة، وتبادل البلدان مواقف موحدة في دعم الشعب الفلسطيني، بينما شهد عام 2025 تحركًا إضافيًا مهمًا، حين استضافت الحكومة الإريترية اجتماعات ضمن مجلس البحر الأحمر بقيادة السعودية إلى جانب مصر والأردن وسلطنة عُمان، في حسابات أمنية متغيرة دفعت الرياض لتعزيز منظومتها الأمنية والاقتصادية في منطقتي البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في الوقت الذي سعت فيه أسمرة إلى إنهاء تفويض خبير حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. خطوة تدلّ على رغبتها المتجددة في تعطيل الرقابة الدولية، مما يعكس تحولًا عميقًا في موقفها من الجهات المؤثرة دوليًا.
تكشف مسيرة العلاقات الإيرانية الإريترية عن نموذج معقد للتفاعل بين دولة تبحث عن مساحة للحركة وسط إقليم متقلب، وقوة إقليمية تسعى لتوسيع رقعة نفوذها في أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم. من الدبلوماسية الناعمة إلى التعاون العسكري واللوجستي، ومن البعثات الطبية والتعليمية إلى الحسابات الجيوسياسية في البحر الأحمر، ظل الخيط الناظم للعلاقة هو المصالح الاستراتيجية المتبادلة، وإن اختلفت أولويات الطرفين مع مرور الزمن.
مع تصاعد الصراع على أمن الممرات البحرية، وتعدد القوى المتنافسة في القرن الأفريقي، ستبقى إريتريا بالنسبة لإيران أكثر من مجرد شريك عابر، بل منصة متقدمة في معادلة النفوذ البحري، وورقة تفاوضية في صراع مفتوح على التحكم في طرق التجارة العالمية، حيث تلتقي طموحات الشرق الأوسط مع رهانات القرن الأفريقي عند نقطة اسمها “أسمرة”.