تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

اللاجئون السودانيون في تشاد بين التهميش وتيه الجغرافيا المنسية

25 أبريل, 2025
الصورة
Geeska cover
Share

تُجسّد أزمة اللجوء السوداني إلى تشاد، أحد أبرز تجليات الانهيار الإقليمي المُعقَّد في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع الأبعاد الجيوسياسية مع المآسي الإنسانية، في سياق يكشف عمق الهشاشة البنيوية التي تعانيها الأنظمة السياسية في الإقليم. فاندلاع الحرب في الخرطوم، لم يؤدِّ فقط إلى تَفكُّك داخلي في السودان، بل دفع بمئات الآلاف من المدنيين إلى الفرار نحو تشاد، مُحمَّلين بصدمات العنف والتشريد، وفقدان مُقوِّمات الحياة.  
إلا أن اللجوء لم يُمثِّل طوق نجاة، بقدر ما كان انتقالًا إلى معاناة من نوع آخر، إذ وجدت تشاد نفسها في مواجهة أزمة إنسانية تتجاوز قدراتها المحدودة، مثَّل ذلك تحديًّا وجوديًّا في استقبال أكثر من 600 ألف لاجئ. وفي ظل غياب أفق سياسي واضح للحل في السودان، وتزايد الضغط على البنى التحتية الهشة في شرق تشاد، وتراجع التمويل الدولي، واحتدام التنافس على الموارد المحدودة بين اللاجئين والمجتمع المضيف، وفشل المنظومات الإقليمية والدولية في بناء استجابة متكاملة، تظل الأزمة مفتوحة على سيناريوهات التصعيد بدل التهدئة، ما لم تُعتمد مقاربات شاملة تتجاوز الإغاثة الطارئة، نحو مقاربات تنموية وإنسانية مستدامة.

أزمة إنسانية تتفاقم على حدود مشتعلة

تتجاوز أزمة اللجوء السوداني إلى تشاد مُجرَّد كونها موجة نزوح جديدة؛ إنها تجسيد حادّ لواقع جيوسياسي ملتهب، وانهيار داخلي متسارع في دولة محورية كالسودان. فمنذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان 2023، دخل السودان في مرحلة من الفوضى التي عمّقت التشرذم السياسي، وفتحت الباب أمام كوارث إنسانية عابرة للحدود، ومن بين كل دول الجوار، كانت تشاد الوجهة الأكثر استقبالًا للاجئين السودانيين.
شهدت حدود تشاد الشرقية المضطربة، التي تحيط بها الأزمات المتصاعدة من كل الجهات، من ليبيا شمالًا إلى أفريقيا الوسطى جنوبًا، موجة لجوء غير مسبوقة من السودان، أدى إلى تفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية في البلاد. ووفقًا لتقارير المنظمات الدولية، تجاوز عدد اللاجئين السودانيين في تشاد حاجز المليون ومائة ألف، معظمهم من النساء والأطفال، وسط ضعف في قدرات الاستجابة الإنسانية.


يُمثل تدفق اللاجئين ضغطًا سياسيًّا على النظام الحاكم في أنجمينا، الذي يحاول موازنة علاقاته مع اللاعبين الدوليين، فيما يتعامل داخليًّا مع تهديدات أمنية من جماعات مُتمرِّدة وتحركات اجتماعية متصاعدة، وأية اختلالات في التعامل مع أزمة اللجوء، قد تعيد إشعال توترات داخلية


تشير الإحصاءات إلى أن 86٪ من اللاجئين في تشاد قدموا من السودان، بينهم أكثر من 400 ألف لاجئ كانوا قد وصلوا قبل أزمة عام 2023. ومن بين 710,500 لاجئ جديد، تم تسجيل نحو 624 ألف يُشكِّل النساء والأطفال ما نسبته 88٪، في حين أن 15٪ منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة. كما كشفت بيانات التسجيل عن تحوّلات في المهارات، حيث ارتفع عدد أصحاب المهن العادية وشبه الماهرة من 63 ألفا إلى 124 ألفا، وسُجّل ارتفاع ملحوظ في عدد الحاصلين على التعليم الجامعي، رغم أن نسبة غير المتعلمين بين اللاجئين الجدد ارتفعت من 43٪ إلى 63٪.
يُمثل تدفق اللاجئين ضغطًا سياسيًّا على النظام الحاكم في أنجمينا، الذي يحاول موازنة علاقاته مع اللاعبين الدوليين، فيما يتعامل داخليًّا مع تهديدات أمنية من جماعات مُتمرِّدة وتحركات اجتماعية متصاعدة، وأية اختلالات في التعامل مع أزمة اللجوء، قد تعيد إشعال توترات داخلية، أو تُستغلّ من قبل أطراف إقليمية لها مصالح في زعزعة الأمن والاستقرار السياسي، لكون تشاد تعيش في منطقة مضطربة. تأتي هذه الموجة في وقت تعاني فيه تشاد من هشاشة بنيوية اقتصادية ومؤسساتية، ما يجعل من إدارة أزمة اللجوء تحديًّا مزدوجًا، يتجاوز الجانب الإنساني ليصل إلى الأطر القانونية والتنظيمية.
استجابةً لتزايد أعداد اللاجئين، أنشأت الحكومة التشادية، بالتعاون مع مفوضية اللاجئين، سبع مستوطنات جديدة تستوعب كل منها نحو50 ألف لاجئ، باستثناء واحدة تتسع لحوالي 15 ألف، كما تم توسيع عشر مستوطنات قائمة بشرق البلاد، واختيرت مواقعها في مناطق ذات فرص اقتصادية واعدة، مع التركيز على دعم الخدمات الصحة والتعليمية للاجئين. غير أن هذا التدفق الكبير يُثقِل كاهل تشاد بتحديات إنسانية واقتصادية وسياسية متزايدة، في ظل موارد محدودة. وتتوقَّع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مزيدًا من النزوح عام 2025، ما يستدعي تنسيقًا دوليًّا عاجلًا، ودعمًا مستدامًا لتمكين البلاد من الاستجابة للأزمة.

اللاجئون السودانيون في تشاد: بين قانون الحماية وواقع التهميش

نجحت تشاد في ترسيخ إطار قانوني مُتقدَّم لحماية اللاجئين، بإصدارها القانون رقم PR/027 في 31 ديسمبر/كانون الأول 2020. رغم التحديات المُتعدِّدة، يمنح القانون اللاجئين حقوقًا أساسية، مثل: التعليم والعمل والتنقل والرعاية الصحية، ويُؤكِّد مبدأ عدم الإعادة القسرية، متماشيًا مع الاتفاقيات الأفريقية الإقليمية والدولية، ما يعكس التزام تشاد بالمعايير الإنسانية رغم الأوضاع المُعقَّدة.
وعلى الرغم من جهود الحكومة التشادية في تقنين أوضاع اللاجئين السودانيين، وتوزيع المعونات الإنسانية المتاحة، إلا أنهم يعيشون أوضاعًا صعبة في مخيمات أَدْرِي، حيث تنتشر العديد من الأمراض المزمنة، مثل: الملاريا والتهابات العيون والإسهالات المائية والطفح الجلدي، إلى جانب سوء التغذية الحادة.

نجحت تشاد في ترسيخ إطار قانوني مُتقدَّم لحماية اللاجئين، بإصدارها القانون رقم PR/027 يمنح القانون اللاجئين حقوقًا أساسية، مثل: التعليم والعمل والتنقل والرعاية الصحية، ويُؤكِّد مبدأ عدم الإعادة القسرية، متماشيًا مع الاتفاقيات الأفريقية الإقليمية والدولية


تفاقمت هذه المعاناة مع استمرار النزاع المسلح في السودان، مما جعل اللاجئين والنازحين عرضة لخطر المجاعة والأوبئة، وسط ضعف الاستجابة الدولية رغم النداءات الإنسانية المتكررة. وقد كشفت منظمة "مشاد" غير الحكومية، عن وقوع وفيات وإصابات بفيروس الكبد الوبائي في مخيم "طلوم"، حيث سجّلت أربع حالات وفاة وأكثر من عشرين إصابة. بالإضافة إلى حالات إجهاض بين النساء الحوامل، نتيجة تدهور الوضع الصحي، وتفشي الأمراض المعدية.

معاناة اللاجئين السودانيين في ظل تقاعس العالم

تكشف أوضاع اللاجئين السودانيين في شرق تشاد عن أزمة إنسانية مركّبة، تتجاوز حدود النزوح القسري لتُظهر تقاطع الإهمال الدولي مع التهميش الإقليمي، في بيئة قاحلة تفتقر إلى الحدِّ الأدنى من مُقوِّمات الحياة، يعيش اللاجؤون في ظل أوضاع معيشية متردّية، يتفشى فيها غياب الرعاية الصحية، وشحّ الغذاء، وانعدام البنية الأساسية، ما يجعل من هذه الأزمة أكثر من مُجرَّد حالة طارئة، بل نموذجًا صارخًا لفشل النظام الإنساني العالمي.
تحوَّلت المخيمات إلى مواقع معزولة، لا تحضر إلا على هامش التقارير الإغاثية، وغائبة عن أولويات المجتمع الدولي، الذي باتت استجاباته تُشكَّل وفقًا للمصالح السياسية والاقتصادية الضيقة. هذا التفاوت في التفاعل يطرح تساؤلات جوهرية، حول مدى التزام العالم بمبادئ العدالة والكرامة الإنسانية، ويكشف عن انتقائية باتت تتبع منظومة الاستجابة للأزمات حول العالم.


تحوَّلت المخيمات إلى مواقع معزولة، لا تحضر إلا على هامش التقارير الإغاثية، وغائبة عن أولويات المجتمع الدولي، الذي باتت استجاباته تُشكَّل وفقًا للمصالح السياسية والاقتصادية الضيقة


إن معاناة اللاجئين السودانيين لا تنبع فقط من ويلات الحرب، بل تتغذّى أيضًا على فشل عميق في بنية الحماية الدولية، حيث تغيب الضغوط الكافية من المنظمات الكبرى لضمان تَدفُّق الدعم والمساءلة، وتكاد تختفي التغطية الإعلامية التي تُبقي هذه المأساة حيّة في الضمير العالمي. ومع مرور الوقت، تتآكل الروح الإنسانية داخل هذه المخيمات، ويخفت صوت من فيها، مطمورًا تحت صمت العالم، ورمال الجغرافيا المنسية.

أزمة لجوء معلقة بين نداءات الحكومة التشادية واستجابة المفوضية الدولية

تسعى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى الحصول على تمويل بقيمة 80 مليون دولار، لبناء ثلاثة مواقع إضافية، وتوفير الخدمات الأساسية لنحو 150 ألف وافد جديد، من المتوقع أن يصلوا تشاد في الأشهر المقبلة. 
في هذا السياق أكدت لورا لو كاسترو، ممثِّلة المفوضية في تشاد، "أن الزيادة الحادة في أعداد اللاجئين، إلى جانب تدهور الأوضاع الصحية، وارتفاع وتيرة الحوادث الأمنية، واقتراب موسم الأمطار، تفرض التحرك الفوري، داعية إلى تعبئة دولية عاجلة لدعم الاستجابة الإنسانية". استجابة لطلب الحكومة التشادية، التي ناشدت المفوضية في تسريع إعادة توطين الوافدين بعيدًا عن المناطق الحدودية، افتتحت المفوضية موقعًا جديداً يمكنه استيعاب ما يصل إلى 50 ألف لاجئ، إلا أن هذه الخطوة لا تزال غير كافية، مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة.
رغم خطورة الوضع، لا تزال الاستجابة الإنسانية تعاني من فجوة تمويلية كبيرة، حيث لم يتم تأمين سوى 10٪ فقط من إجمالي مبلغ نداء المفوضية لعام 2024، البالغ 214.8  مليون دولار. هذا النقص الحاد في التمويل، يُنذر بتقويض قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة بفعالية، على الرغم من النداءات المُتكرِّرة من قبل المفوضية، بضرورة التضامن الإنساني وتَحمُّل المسؤولية المشتركة، في مواجهة أزمة تتطلب استجابة سريعة وشاملة، لإنقاذ الأرواح وضمان الكرامة الإنسانية.
يُبرز واقع اللجوء السوداني في تشاد أهمية تَبنِّي مقاربة شاملة، تتجاوز الحلول المُؤقَّتة نحو استراتيجيات طويلة الأمد، تعالج الأسباب الجذرية للأزمات المتداخلة، لأن ضمان كرامة اللاجئين، واستقرار المجتمعات المستضيفة، يستدعي استجابة دولية مُنسَّقة، توازن بين الجوانب الإنسانية والتنموية والسياسية، وتضع في أولوياتها بناء السلام، وتعزيز القدرة على الصمود، في وجه التحديات المتفاقمة في القارة الأفريقية.