تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

الكونغو بين ألسنة اللهب وأقلام الصحافة

30 مارس, 2025
الصورة
Geeska Cover
Share

قبل أكثر من شهر، سيطرت حركة "23 مارس" المسلحة الكونغولية على مدينة غوما، عاصمة إقليم كيفو الشمالي، حيث قُتل الآلاف في أحدث تصعيد لهذا الصراع الذي يمتد عبر تاريخ طويل ومعقد. تقاتل حركة "23 مارس" الجيش الكونغولي وحلفاءه العديدين، بما في ذلك المرتزقة الأجانب، والمليشيات المحلية المعروفة باسم "وازالندو"، وجنود من الجيشين البوروندي والجنوب أفريقي، بالإضافة إلى قوات التحرير الديمقراطية لرواندا. تأسست هذه القوات على يد أفراد من ميليشيات الإنترهاموي، التي ارتكبت إبادة 1994 في رواندا ضد التوتسي، وهربت إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية في نهاية المجازر.

مطلع شهر مارس/ آذار، سيطرت حركة "23 مارس" على مدينة بوكافو، ما دفع الرئيس الكونغولي، فيليكس تشيسكيدي، نحو محادثات السلام التي رفضها عدة مرات، حيث وافق في آخر المطاف على حضور مفاوضات مباشرة مع الحركة.

إن تصوير الأزمة في الكونغو الديمقراطية عبر عدسة ضيقة يتجاهل السياقات المعقدة التي تغذي الصراع. لذا، فإن المسؤولية تقع على عاتق الإعلام لتقديم سرد أكثر دقة، يكشف تعقيدات المشهد بدلًا من تبسيطه المضلل

يجب علينا أن نشجع وسائل الإعلام على تسليط الضوء على النزاعات التي غالبًا ما يتم تجاهلها. فكلما قلّت الرؤية الإعلامية للصراع، زادت احتمالات التصعيد، وانتهاكات حقوق الإنسان. كما أن الرقابة العامة توفر فرصة لممارسة الضغوط الدبلوماسية، وفهم النزاعات بشكل أفضل، وتعزيز الحوار في نهاية المطاف. لكن في الوقت نفسه، يمكن أن تؤدي التغطية الإعلامية إلى تشوهات ضارة. وللأسف، فإن التغطية الحالية للأزمة في جمهورية الكونغو الديمقراطية كانت في الغالب غير دقيقة، سيئة السياق، مضللة وخطيرة من حيث الصورة النمطية التي تعززها. فيما يلي أربعة أمثلة فاضحة، توضح هذا التهاون:

أولًا، ركزت التغطية الإعلامية حتى الآن على أن حركة "23 مارس" مدعومة من رواندا، وأنها تعمل وكيلا لها، وأن جمهورية الكونغو الديمقراطية تتعرض لغزو أجنبي. على الرغم من وجود أدلة على أن رواندا تدعم حركة "23 مارس"، إلا أن تصوير الوضع باعتباره غزوا أجنبيا هو أمر مضلل في أحسن الأحوال، وخطير للغاية في أسوئها.

إن مقاتلي حركة "23 مارس" كونغوليون بقدر ما هم أفراد الجيش الكونغولي، فقد كان العديد منهم جزءًا من الجيش الكونغولي سابقًا. تأسست الجماعة في عام 2012 على يد جنود ساخطين بسبب ظروف عملهم. والأهم من ذلك، بسبب المعاملة التي يلقاها أفراد عرقهم، وهم التوتسي الكونغوليون المعروفون باسم "البانيامولينغي".

هذا النوع من التغطية يكرر السردية الاستعمارية التي تصور الحروب الأفريقية على أنها مجرد صراعات على الموارد، متجاهلة الأبعاد العرقية والسياسية والاجتماعية للصراع

تعرض البانيامولينغي على مدى عقود للتمييز والاعتداءات العنيفة، والتهديد بالإبادة أو النفي. ويتم استهدافهم بسبب عرقهم، حيث يُعتبرون "أجانب" توتسي. كما تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي خطابات الكراهية ضد البانيامولينغي بشكل واسع.

يَعِد قادة سياسيون وعسكريون، وفاعلون من الشتات، وزعماء مجتمعيون بأن من يساند التوتسي "سيسحق بشكل حاسم، كما تسحق الذرة في الطاحونة". وتَعِد هذه الأصوات بـ"تنظيف المدن من البانيارواندية"، وتؤكد أن هذه حرب "ضد التوتسي"، كما يتم تداول دعوات لقتل البانيامولينغي على نطاق واسع. تُعزَّز هذه الإيديولوجيا العنيفة للكراهية العرقية باستمرار وجود ونشاط قوات التحرير الديمقراطية الإجرامية في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

اختزال الوضع الحالي في "غزو أجنبي" هو أمر بالغ الخطورة، لأنه يدعم إيديولوجيات الإبادة الجماعية وكراهية الأجانب التي تؤثر على معاملة البانيامولينغي في شرق الكونغو، كما أنه يعزز سردًا خطيرًا يؤجج العنف ضد هذه الفئات. علاوة على ذلك، فإن هذا التصوير السطحي يفشل في إدراك أن حركة "23 مارس" اليوم هي جزء من "تحالف نهر الكونغو"، وهو تحالف كونغولي متعدد الأعراق يضم سبعة عشر حزبًا سياسيًا، ومجموعتين سياسيتين، والعديد من المليشيات المسلحة.

التغطية الإعلامية مليئة بالأخطاء التي تعزز هذا الطرح المضلل... هذا الخلط لا يعكس فقط جهلًا بالتاريخ، بل يغذي سردية الإقصاء التي تبرر العنف ضدهم

يقود هذا التحالف سياسي كونغولي يدعى كورنيي نانغا، والذي كان حتى وقت قريب فاعلا في اللجنة الانتخابية التي صادقت على انتخاب الرئيس الكونغولي الحالي تشيسكيدي. لقد بدأت حركة "23 مارس" باعتبارها جماعة للدفاع الذاتي عن البانيامولينغي، ثم تطورت إلى معارضة أوسع للفساد وسوء الحكم في البلاد.

لا شك في أن الحكومة الرواندية تدعم حركة "23 مارس"، فمنذ عام 1994، أكدت الحكومة الرواندية باستمرار أنها لن تكون في سلام حتى يتم القبض على أعضاء قوات التحرير الديمقراطية، ومحاكمتهم في رواندا. إن استمرار قدرة قوات التحرير الديمقراطية على التدريب والتنظيم والقتل بالقرب من الحدود الرواندية، ونشر أيديولوجيتها القائمة على الكراهية، هو أمر يزعزع استقرار المنطقة بأكملها -وهذا يفسر جزئيًا سبب تورط كل من رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية في هذه الأزمة. لكن تصوير الوضع في شرق الكونغو على أنه مجرد "غزو رواندي" أمر مضلل.

ثانيًا، بعض التغطيات الإعلامية تفتقر إلى الدقة بشكل فاضح. خذ على سبيل المثال تقرير قناة الجزيرة الذي يقول: "تقول حركة 23 مارس إنها تدافع عن التوتسي العرقيين، الذين فروا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية أثناء الإبادة الجماعية عام 1994 في رواندا". هذه الجملة تخلط بين حركة "23 مارس" (التي تدعي الدفاع عن التوتسي الكونغوليين المعروفين بالبانيامولينغي) وبين قوات التحرير الديمقراطية لرواندا (المؤلفة من الجنود والميليشيات الرواندية التي ارتكبت الإبادة الجماعية وفرّت إلى الكونغو في 1994).

لذا، وحتى نكون واضحين: من فروا من رواندا إلى الكونغو في 1994 كانوا الجنود والميليشيات المتطرفة الموالية للهوتو الذين ارتكبوا الإبادة الجماعية. أما البانيامولينغي التوتسي، فلم يفروا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال الإبادة، بل كانوا موجودين فيها أصلًا. وإذا تساءلت عن سبب وجود التوتسي على جانبي الحدود بين الكونغو ورواندا، فإن ذلك يعود إلى التقسيم الاستعماري العشوائي لأفريقيا في القرن التاسع عشر. هذه مشكلة شائعة في القارة بأكملها. لكن بقدر ما أن الحدود هي ما هي عليه الآن، فإن إنكار كون البانيامولينغي كونغوليين هو أمر خاطئ وخطير.

إن الهدف الأساسي من التغطية الإعلامية يجب أن يكون تسليط الضوء على معاناة الضحايا المدنيين، وليس تأجيج التوترات عبر نشر تقارير مهملة وغير دقيقة

ثالثًا، خذ على سبيل المثال أيضا تقرير الصحفية روث ماكلين، رئيسة مكتب غرب أفريقيا لصحيفة نيويورك تايمز، حيث تقدم ماكلين قصة بسيطة لشرح سبب قتال "المتمردين المدعومين من رواندا": "وفقًا لروايتهم، فإنهم يحمون التوتسي العرقيين، الأقلية التي قُتلت في الإبادة الجماعية عام 1994، وبعضهم يعيش أيضًا في الكونغو. لكن يقول الخبراء إن السبب الحقيقي هو معادن الكونغو النادرة، التي تُشغّل هواتفنا وأجهزتنا. مناجم الكونغو تجعل المتمردين -ورعاتهم في رواندا- أثرياء". لا يُخبر القارئ مَن هؤلاء "الخبراء"، كما يتم تجاهل أي مخاوف تتعلق بمعاملة مجتمعات البانيامولينغي. وبدلًا من ذلك، تطرح ماكلين تفسيرًا مبسطًا للأزمة: الجشع، سواء لدى حركة "23 مارس" أو الحكومة الرواندية.

رابعًا، هناك تحريف خطير في تقارير مثل تقرير وكالة "أسوشييتد برس"، الذي جاء بعنوان "المتمردون المدعومون من رواندا يتوغلون في شرق الكونغو وسط تقارير عن عمليات إعدام واغتصاب". العنوان يوحي بأن حركة "23 مارس" مسؤولة عن جرائم الاغتصاب، لكن تقرير الأمم المتحدة المشار إليه يقول العكس: الجرائم موثقة ضد الجيش الكونغولي وميليشيات وازاليندو المتحالفة معه.

إن كل هذه الأخطاء والتشويهات أدت إلى خلق سردية خطيرة: أن "مجموعة من الغزاة التوتسي الوحشيين" استولت على الكونغو من أجل رواندا. هذا الخطاب يعكس نظرية مؤامرة إباديّة تُحذر من "إمبراطورية توتسي-هيما" مزعومة.

لعل وسائل الإعلام الدولية تحتاج إلى تحسين تغطيتها، سواء من خلال تدقيق الحقائق أو الاستعانة بمصادر أفريقية متنوعة، أو رفع مستوى التنوع بين العاملين في الميدان الصحفي، أو التخلص من القوالب النمطية المتجذرة في التغطية الأفريقية. يجب أن يكون الهدف الأساسي هو إنصاف الضحايا المدنيين للصراع، وعدم تأجيج التوترات من خلال تقارير إعلامية مهملة وغير دقيقة.