الأحد 14 ديسمبر 2025
وقّعت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وحركة 23 مارس (M23)، السبت 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، في العاصمة القطرية الدوحة، وثيقة أُطلق عليها رسميًا «إطار الدوحة للاتفاق الشامل للسلام»، بعد أشهر من مفاوضات برعاية قطرية وبمشاركة أميركية وأفريقية. شارك في مراسم التوقيع وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي، ومستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، وممثلون عن الاتحاد الأفريقي.
تقدَّم الوثيقة بوصفها «خارطة طريق» لاتفاق نهائي أكثر منها تسوية مكتملة الأركان، على أن تُستكمل ببروتوكولات تنفيذية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. ووفق التفاصيل المنشورة، يتضمن الإطار ثمانية بروتوكولات تنفيذية؛ تم التوافق حتى الآن على اثنين منها، أحدهما إنشاء لجنة مصالحة وآلية تعويض للمتضررين بما ينسجم مع الدستور الكونغولي، فيما تمتدّ بقية البروتوكولات لتغطية الملفات الإنسانية، وبسط سلطة الدولة في الشرق، وتنظيم العلاقة مع الجماعات المسلحة، وصوغ آليات مستدامة للمصالحة المحلية. في تصريحات خلال الحفل، وُصفت الخطوة بأنها «تاريخية»، مع تأكيد أن الاختبار الحقيقي سيكون على الأرض: حُسن التنفيذ وسرعته لا التوقيع الرمزي.
بدأ المسار الحالي فعليًا في الدوحة منذ أبريل/نيسان الماضي، حين رعت قطر سلسلة لقاءات انتهت أولًا إلى تفاهمات على وقف إطلاق النار وتخفيف خطاب الكراهية، ثم توقيع «إعلان مبادئ» في 19 يوليو/تموز مهَّد لاتفاق أشمل ووضع سقفًا زمنياً للتوقيع قبل منتصف أغسطس. تعثّر الموعد لاحقًا واستمرت الخروقات المتبادلة، ما دفع الوسطاء إلى هندسة مقاربة تدريجية: هدنة مُحسَّنة تتبعها ترتيبات تقنية للأمن، ثم إطار سياسي مفصل. وزارة الخارجية القطرية قدّمت على موقعها تسلسلًا زمنيًا للمحطات، بما فيها جولات صياغة البروتوكولات ومؤتمرات الدعم.
على المستوى الأمني، شهد 14 أكتوبر/تشرين الأول في الدوحة توقيع آلية مشتركة لمراقبة وقف إطلاق النار الدائم، بمشاركة ممثلين عن الحكومة و«23 مارس» وشركاء إقليميين ودوليين، في محاولة لإضفاء طابع عملي على الترتيبات: خطوط اتصال، مناطق فصل، قواعد اشتباك، وتحقق ثلاثي من الانتهاكات. الهدف، بحسب الوسطاء، تجنب انهيار سريع لأي هدنة عبر «عيون مشتركة» وآليات إنذار مبكر وتعطيل سريع لأي خروقات.
مع ذلك، يبدو واضحًا أن ما جرى السبت يندرج في خانة «خارطة الطريق» أكثر منه اتفاقًا حاسمًا. الملفات الثقيلة ما زالت مفتوحة مثل انسحاب مقاتلي «23 مارس» من المدن والمراكز التي سيطروا عليها، وفي مقدمتها جوما ومناطق واسعة من شمال وجنوب كيفو، وترتيبات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR)، وضمان عودة سلطة الدولة وفتح الطرق الحيوية (محاور الإمداد من وإلى جوما وبُكافو)، وتأمين العودة الطوعية لمئات آلاف النازحين وإعادة الخدمات الأساسية. التجارب المريرة في شرق الكونغو مع اتفاقات لوقف إطلاق النار انهارت سريعًا تجعل الثقة في الشارع محدودة، رغم اللغة المتفائلة في قاعة التوقيع.
بحسب مراقبين، لن تتوقف الأبعاد الميدانية عند طرفَي الوثيقة. فالمشهد في الشرق معقّد بتشابك جماعات مسلحة محلية وعابرة للحدود، وبقرب نيران نزاعات إقليمية وتداخل مصالح اقتصادية غير مشروعة (منها تهريب المعادن). ونجاح «إطار الدوحة» سيتطلّب ضبطًا متزامنًا لهذه العوامل، مثل فرض عقوبات موجهة على من يخرق وقف النار، وإيجاد آلية تمويل إنساني تضمن الوصول المنتظم للمناطق المعزولة، ودعمًا فنيًا لإعادة انتشار القوات النظامية بما يحمي المدنيين من «فراغات أمنية» لطالما ملأتها مجموعات مسلّحة خلال وقف النار السابقة.
في المقابل، تضع الوثيقة المسؤوليات على الحكومة كذلك، فهي مطالبة بتقديم تعهدات بالمحاسبة على الانتهاكات، واحترام المسارات الدستورية للتعويض وجبر الضرر، وتوسيع مساحة العمل الإنساني والمدني. وسياسيًا، سيحتاج المسار إلى شرعية داخلية لا يوفّرها التوقيع وحده، كإشراك المجتمعات المحلية متضررة، وكذلك إشراك الزعامات الدينية والمدنية، والمجالس المحلية، بما يمنح ترتيبات المصالحة ضمانات مجتمعية.
في الخلاصة، يوفّر توقيع «إطار الدوحة» نافذة سياسية جديدة لملفٍ أنهك الشرق الكونغولي. لكنه يظلُّ خطوة أولى في طريق طويل تتنازعه حقول ألغام ميدانية وسياسية. النجاح مرهون بسرعة تحويل البنود إلى أوامر عمليات على الأرض، وبقدرة الضامنين على ربط الالتزامات بحوافز وعقوبات واضحة، وبإشراك المجتمعات المحلية بما يقطع الطريق على «سلام فوقي» عابر.