الأحد 7 يونيو 2026
تنطلق القراءة السائدة لواقع جمهورية الكونغو الديمقراطية اليوم من خلال تاريخها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة من افتراض لم يعد صالحا. فالقيود التي حكمت نظام موبوتو سيسي سيكو بين عامي 1965 و1997، ثم طبعت لاحقا رئاسة جوزيف كابيلا بين عامي 2001 و2019، لم تعد هي نفسها التي تتحكم في المشهد الراهن.
لم تعد البلاد، على ما يبدو، تتحرك ضمن الضغوط الجيوسياسية والداخلية التي عرفتها في السابق. ومن ثم، فإن التعامل مع أزمتها الحالية كما لو أنها امتداد مباشر لتلك الحقبة يحجب طبيعة التحول العميق الذي تشهده اليوم.
عام 1993، ومع تصاعد الاستياء من إصرار موبوتو على البقاء في السلطة، بدأ يظهر داخل أروقة الكونغرس الأميركي تأييد لفكرة تشكيل قوة عسكرية متعددة الجنسيات لإزاحته من الحكم، إذا ثبت أن الوسائل السلمية غير كافية.
بدت الفكرة مستبعدة إلى حد بعيد في ذلك الوقت، كما أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن إدارة بيل كلينتون تعارض أي عمل عسكري. لكن مجرد تداول هذا الخيار كان كافيا للدلالة على حجم الإحباط الذي بلغته واشنطن وحلفاؤها إزاء استمرار موبوتو في السلطة.
بحلول عام 1997، لم تعد تلك الأفكار التي وُصفت سابقا بأنها بعيدة المنال خارج حدود التفكير السياسي الأميركي، بل تحولت إلى جزء من نهجه الفعلي. فقد طالب مبعوثون، من بينهم بيل ريتشاردسون، موبوتو صراحة بالتنحي، وسلموه رسالة من الرئيس بيل كلينتون تضمنت إنذارا حاسما: إما أن يغادر السلطة فورا، وإما أن يواجه عواقب قاسية ومهينة في شوارع كينشاسا.
خلال السنوات الأخيرة من حكم موبوتو، حذّر محللون من أن انهيار سلطة الدولة في زائير سيخلّف فراغا استراتيجيا في قلب القارة. وكما لاحظ إيرا وليام زارتمان في ذلك الوقت، لم يكن الخطر مقتصرا على الفوضى، بل كان يتمثل في انهيار كامل يترك "ثقبا كبيرا في وسط أفريقيا".
لا يبدو تشخيص كابيلا مجرد تدخل سياسي، بقدر ما يعكس إدراكا لتحول بنيوي أعمق. فالأزمة لم تعد تدور حول خطر الانقسام فحسب، بل حول نزيف داخلي متدرج يصيب بنية الدولة نفسها
في هذا السياق تكتسب التحذيرات الأخيرة للرئيس السابق جوزيف كابيلا من "سودنة" الأزمة الكونغولية أهميتها. فقد يبدو المصطلح، للوهلة الأولى، مجرد تعبير بلاغي أو موقف مدفوع بحسابات سياسية، غير أن كابيلا لامس جانبا أغفلته الأطر التقليدية للتحليل.
لا يشير مسار جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى تفكك تدريجي ينتج وحدات سياسية مستقرة، بل إلى تحلل داخلي تتآكل فيه السلطة من دون أن تحل محلها سلطة بديلة، وتتعدد فيه مراكز القوة المتنافسة من غير أن تتمكن من ترسيخ نفسها أو بناء توازن مستقر.
بهذا المعنى، لا يبدو تشخيص كابيلا مجرد تدخل سياسي، بقدر ما يعكس إدراكا لتحول بنيوي أعمق. فالأزمة لم تعد تدور حول خطر الانقسام فحسب، بل حول نزيف داخلي متدرج يصيب بنية الدولة نفسها. ولم تبدأ هذه العملية مؤخرًا؛ إذ بدا تنصيب فيليكس تشيسيكيدي في يناير/كانون الثاني 2019، والذي رُحّب به آنذاك بوصفه أول انتقال سلمي للسلطة في البلاد منذ نحو ستة عقود، وكأنه يمثل لحظة انعطاف حاسمة.
لكن ذلك الانتقال قام على ترتيب سياسي هش، سرعان ما كشف حدوده، وانتهى لاحقا إلى القطيعة داخل التحالف السياسي بين "الجبهة المشتركة من أجل الكونغو" و"التحالف من أجل التغيير" في أواخر عام 2020.
واجهت كينشاسا صعوبة متزايدة في احتواء الجماعات المسلحة، من بينها تحالف نهر الكونغو/حركة "إم 23"، والقوات الديمقراطية المتحالفة، وميليشيات "وازاليندو" المختلفة، و"موبوندو" في الغرب، وحركة "إم دي كيه سي" في كاتانغا، و"سي آر بي" في إيتوري، والقوات الديمقراطية لتحرير رواندا، إلى جانب جماعات أخرى.
لذلك، يتعين على المجتمع الدولي أن يتجاوز السردية القديمة التي تنظر إلى الكونغو كدولة تقف على حافة الانقسام، وأن يواجه حقيقة أكثر قسوة: فهي في الواقع دولة تنهار من الداخل.
في هذا الإطار، لا تعني "السودنة" بالضرورة تنبؤًا بانهيار وشيك، بل تصف وضعا تفقد فيه الحكومة المركزية احتكارها للعنف، لا لصالح دولة منافسة، بل لصالح عدد كبير من الإقطاعيات المحلية الصغيرة والمنغلقة على ذاتها.
وقد تسارع هذا المسار نحو الانهيار الداخلي بفعل إزالة متعمدة للضوابط المؤسسية، كما حدث مع اعتقال فرانسوا بيا عام 2022، وهو المستشار المخضرم للأمن الرئاسي، في خطوة فتحت الطريق أمام ملامح الدولة البوليسية القائمة اليوم.
كان يُنظر إلى بيا باعتباره تكنوقراطيا أمنيا معتدلا، احتفظ بشبكات إقليمية واسعة تمتد عبر كيغالي ولواندا وواشنطن. لذلك جاءت إزاحته لتؤشر إلى نهاية مرحلة الاستخبارات المهنية، وصعود الحرس الشخصي المرتبط بالقصر.
لا تعني "السودنة" بالضرورة تنبؤًا بانهيار وشيك، بل تصف وضعا تفقد فيه الحكومة المركزية احتكارها للعنف، لا لصالح دولة منافسة، بل لصالح عدد كبير من الإقطاعيات المحلية الصغيرة والمنغلقة على ذاتها
في مارس/آذار 2026، أكد وزير الاتصال باتريك مويايا أن هشاشة الدولة الكونغولية بلغت حدًّا امتد حتى إلى اللغة ذاتها. فقد أصدر توجيها رسميا يحظر استخدام كلمة "السودنة" في الفضاء الإعلامي العام.
وقد خلّف هذا الانكفاء إلى الداخل بالفعل تداعيات دولية دامية. ففي مارس/آذار 2026، أخفقت ضربة بطائرة مسيّرة في غوما، قيل إنها كانت تستهدف كابيلا، في إصابة هدفها، لكنها قتلت موظفًا في اليونيسف، ما أثار إدانة شديدة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
تقع المادة 64 من الدستور في قلب الأزمة الوشيكة، إذ تفرض على المواطنين واجب مقاومة أي ممارسة غير قانونية للسلطة. وقد صيغت هذه المادة في الأصل بوصفها ضمانة ضد عودة الدكتاتورية، لكنها باتت اليوم أداة تستخدمها المعارضة لتصوير أي محاولة من الرئيس فيليكس تشيسيكيدي للترشح لولاية ثالثة على أنها انقلاب دستوري.
مسار جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى تفكك تدريجي ينتج وحدات سياسية مستقرة، بل إلى تحلل داخلي تتآكل فيه السلطة من دون أن تحل محلها سلطة بديلة
بالنسبة إلى صانعي السياسات الغربيين، يكشف ذلك عن سوء تقدير عميق لطبيعة الأزمة. فما زالت الدبلوماسية الغربية تركز على منع بلقنة البلاد عبر المفاوضات الإقليمية واتفاقات وقف إطلاق النار، بينما يكمن الخطر الحقيقي في مركز سلطة مُفرَّغ من مضمونه، يفقد تدريجيًا قدرته على الحكم.
ولا تقتصر أهمية ذلك على الكونغو وحدها، بل تمتد إلى العالم بأسره. فكونغو تمضي نحو "السودنة" لن تكون قادرة على توفير إدارة مستقرة وشفافة لقطاع المعادن، وهي إدارة حيوية لانتقال الطاقة النظيفة، لا سيما أن البلاد تمتلك نحو 70% من احتياطيات الكوبالت في العالم.
لذلك، يتعين على المجتمع الدولي أن يتجاوز السردية القديمة التي تنظر إلى الكونغو بوصفها دولة على وشك الانقسام، وأن يواجه الحقيقة الأصعب: دولة تنهار من الداخل. لم تعد "سودنة" الكونغو مجرد نبوءة محتملة، بل تحولت إلى المأساة الكبرى التي تتكشف اليوم في قلب أفريقيا.