تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 19 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الكوليرا في جنوب السودان: تفشي واسع وأزمة صحية خارجة عن السيطرة

8 أغسطس, 2025
الصورة
الكوليرا في جنوب السودان: تفشي واسع وأزمة صحية خارجة عن السيطرة
Share

في ظل واقع إنساني هش، تشهد دولة جنوب السودان أزمة صحية متفاقمة جراء تفشي وباء الكوليرا في عدة ولايات، ما يهدد حياة آلاف المواطنين، ويكشف عن هشاشة النظام الصحي. يأتي انتشار المرض في وقت تعاني فيه البلاد نقصا حادا في التمويل الحكومي المخصص لقطاع الصحة، بالتزامن مع استمرار العنف المجتمعي والنزاعات المسلحة التي تعيق وصول المساعدات الطبية، وتعرقل الاستجابة السريعة لتفشي الوباء.

بينما تكافح المنظمات الإنسانية لاحتواء الأزمة، يبقى المواطن العادي الحلقة الأضعف في معادلة معقدة، تجمع بين المرض والفقر والعنف، ما يطرح تساؤلات ملحة حول قدرة الدولة على مواجهة التحديات الصحية في ظل أزمات متشابكة ومزمنة.

آلاف الإصابات والمواطن هو الضحية

أفادت منظمة كير العالمية تسجيل أكثر من 26,800 إصابة مؤكدة و455 حالة وفاة منذ بداية العام، مشيرة إلى أن المرض منتشر حاليًا في 39 مقاطعة ضمن ثماني ولايات، مع استمرار تسجيل حالات جديدة يوميًا، ما يشير إلى اتساع نطاق الوباء، وخروجه عن السيطرة في بعض المناطق. وتفاقمت الأزمة الصحية بسبب الفيضانات الموسمية الأخيرة التي ألحقت أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

لمواجهة هذا الخطر، أعلنت وزارة المالية بجنوب السودان عن تخصيص مبلغ مليار جنيه جنوب سوداني (ما يعادل 15 مليون دولار أمريكي) لمكافحة تفشي الكوليرا في البلاد. من جهتها، أوضحت وزارة الصحة، في جوبا، أن التمويل سيدعم أنشطة الوقاية من العدوى والسيطرة على الوباء، ويشمل دعم التنسيق والمراقبة الوبائية والمختبرات، وأنشطة المياه والصرف الصحي، والتواصل المجتمعي وإدارة الحالات عبر مراكز العلاج.

إن الاستجابة لتفشي الكوليرا، إلى جانب الاستعداد لموسم الفيضانات، يجب أن تُعتمدا كأولويات وطنية ملحة تتطلب تنسيقًا ودعمًا محليًا ودوليًا عاجلًا

أضافت الوزارة في بيان توصلت "جيسيكا" بنسخة منه، أن الحكومة خصصت مبالغ لكل ولاية سجلت حالات إصابة، وأخرى لولايات لم تسجل حالات، لكنها بحاجة للاستعداد المسبق. ويهدف هذا التمويل إلى تعزيز قدرة النظام الصحي في مختلف الولايات لمواجهة تفشي الكوليرا، والحد من انتشاره.

غير أن نقص التمويل لا يزال يمثل تحديًا رئيسيًا، إذ لم يتم تأمين سوى 368 مليون دولار من أصل 1.69 مليار دولار مطلوبة لتلبية الاحتياجات الإنسانية في البلاد. وفي هذا السياق، تبذل الأمم المتحدة وشركاؤها جهودًا حثيثة لتوفير الإمدادات الطارئة، خاصة في المناطق التي كانت تُصنف سابقًا على أنها منخفضة الخطورة، وعلى الرغم من محدودية الموارد، شدّدت الحكومة في اجتماع مع الشركاء الدوليين في يوليو/ تموز المنصرم على أن الاستجابة لتفشي الكوليرا، إلى جانب الاستعداد لموسم الفيضانات، يجب أن تُعتمدا كأولويات وطنية ملحة تتطلب تنسيقًا ودعمًا محليًا ودوليًا عاجلًا.

الولايات تستغيث ولا مجيب

طالبت سلطات وزارة الصحة في منطقة بيبور الكبرى، الواقعة جنوب شرقي البلاد، بالتدخل العاجل والمنصف من الحكومة والمنظمات الإنسانية لإنقاذ حياة المدنيين، في ظل الانتشار الكبير لوباء الكوليرا.

وقال جون بابا، وزير الصحة في المنطقة، في تصريحات لـ"جيسيكا"، إن المرض بدأ في مقاطعة ليكوانغولي، وانتشر لاحقًا إلى منطقة قومروك، حيث سُجلت حتى الآن 888 حالة إصابة و155 وفاة، منها 66 وفاة في المرافق الصحية و89 وفاة داخل المنازل. وأضاف المسؤول الصحي: "دعونا جميع شركاء الصحة لبذل جهود إضافية، لأن الموارد الحالية غير كافية للسيطرة على التفشي. ونعتقد أن التعاون مع منظمات قادرة مثل أطباء بلا حدود سيساعد على إنشاء مركز عزل مناسبة."

فيما حذرت منظمة أطباء بلا حدود من خطر تفشي الكوليرا في منطقة أبيي الإدارية الخاصة، إذا لم تتحسن أوضاع المياه والصرف الصحي بسرعة. وأعلنت السلطات الصحية في أبيي عن تفشي الوباء رسميًا في 11 يونيو/حزيران بعد تسجيل ارتفاع مستمر في الحالات، حيث عالجت المنظمة 333 حالة مشتبه بها بين 2 و28 يونيو/ حزيران الماضي، مع زيادة ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة. وحذرت المنظمة من أن الفيضانات القادمة قد تعيق الوصول وتُعقد عمليات تقديم المساعدات، وتسارع انتشار الأمراض المنقولة بالمياه.

يُعالج المرضى في ظروف صعبة تحت الأشجار بسبب نقص المرافق الطبية والأدوية، خلال خمسة أيام فقط، أصيب أكثر من ألف شخص بالكوليرا في منطقة فويل، مع تسجيل 82 حالة وفاة على الأقل

وفي مقاطعة نيرول بولاية جونقلي الواقعة جنوب شرق البلاد، تم تسجيل أكثر من 1000 حالة إصابة خلال الأسبوع الماضي مع 82 حالة وفاة، ويُعالج المرضى في ظروف صعبة تحت الأشجار بسبب نقص المرافق الطبية والأدوية، بدأ تفشي وباء الكوليرا أواخر فبراير/ شباط 2025، وتفاقم بسرعة نتيجة تلوث مصادر المياه بسبب الفيضانات، وضعف البنية التحتية الصحية، إلى جانب النزاعات المستمرة التي تعيق وصول المساعدات الطبية، وتستجيب منظمات إنسانية مثل "أطباء بلا حدود"، إلى جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة اليونيسف عبر إنشاء مراكز علاجية، وتنفيذ حملات تطعيم فموية، بجانب تقديم مساعدات نقدية، رغم التحديات الأمنية والتمويلية، يعاني السكان، خصوصًا الأطفال وكبار السن، من تأثيرات جسيمة، وسط نداءات محلية للحكومة والمجتمع الدولي للتدخل العاجل لاحتواء الوباء، وتحسين الوضع الصحي في المنطقة.

قال جيمس بول ماكي، محافظ المقاطعة لـ"جيسيكا": "يُعالج المرضى في ظروف صعبة تحت الأشجار بسبب نقص المرافق الطبية والأدوية، خلال خمسة أيام فقط، أصيب أكثر من ألف شخص بالكوليرا في منطقة فويل، مع تسجيل 82 حالة وفاة على الأقل، لا توجد أجنحة طبية، وكل المرضى يُعالجون تحت الأشجار."

وفي تصريح لـ"جيسيكا"، ناشد ميان وليم، أحد سكان منطقة خور فلوس بجونقلي، حكومة جنوب السودان بالتدخل العاجل لإنقاذ الأرواح، وسط تفشي وباء الكوليرا في المنطقة. وأضاف وليم قائلا: "نحن نموت هنا بصمت. كل يوم نفقد شخصاً أو اثنين، ولا أحد يتحرك لإنقاذنا." وأشار إلى أن نقص الأدوية وغياب الطواقم الطبية فاقما الوضع بشكل كارثي، مضيفاً أن: "المنظمات تخاف الدخول إلى قريتنا بسبب وجود متمردين، لكن هل ذنبنا أننا نعيش في هذه المنطقة؟ نحن بشر ونحتاج للعلاج".

جهود دولية محدودة للسيطرة على الكارثة

في مايو/ آيار الماضي، أعلن صندوق الطوارئ المركزي التابع للأمم المتحدة تخصيص مبلغ 10 ملايين دولار أمريكي لدعم جهود المساعدات الإنسانية لأكثر من 270 ألف شخص في جنوب السودان، في ظل تفاقم الاحتياجات جراء النزاعات والفيضانات، وانعدام الأمن الغذائي الحاد، وتفشي وباء الكوليرا. تركزت هذه الأموال على ست مقاطعات عالية الخطورة، تشمل كانال/بيجي فانغاك أيود وأكوبو في ولاية جونقلي وبانيكانغ فشودة في ولاية أعالي النيل.

"المنظمات تخاف الدخول إلى قريتنا بسبب وجود متمردين، لكن هل ذنبنا أننا نعيش في هذه المنطقة؟ نحن بشر ونحتاج للعلاج"

في ظل تفاقم أزمة الكوليرا، تواجه جنوب السودان تحديات اقتصادية جسيمة تعيق جهود السيطرة على الوباء منها نقص التمويل، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الاستجابة الطبية، مما يضاعف معاناة الحكومة والمنظمات الإنسانية. كما أن النزاعات المستمرة تعيق وصول المساعدات، ما يزيد من هشاشة القطاعات الصحية والاقتصادية. هذه التحديات الاقتصادية تعرقل توفير المياه النظيفة والصرف الصحي وتحسين الخدمات الصحية، مما يعرض حياة الملايين لخطر مستمر ويحول دون تحقيق الاستقرار الصحي والاقتصادي المنشود في البلاد.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة الصحة العالمية، من أن الاستجابة لتفشي الكوليرا في جنوب السودان تواجه تحديات كبيرة من بينها نقص أدوات علاج الكوليرا والألبسة الواقية وسوائل الحقن الوريدي ووقود سيارات الإسعاف والكواشف السريعة، ، كما يعاني النظام الصحي من ضعف في انعدام المياه والإصحاح البيئي، إضافة إلى وجود فجوات تمويلية ضخمة تحد من عمليات الشركاء وتحفيز الكوادر الصحية الميدانية.