السبت 13 يونيو 2026
شارك المفكر الأرجنتيني ولثر ميغنولو في مؤتمر دولي نظمه، منتدى تفكيك الاستعمار العالمي، يومي 11-12 ماي/آيار الجاري، بمدينة إسطنبول، وقدم ميغنولو خلال مشاركته، قراءة نقدية للتحولات التي يشهدها النظام العالمي المعاصر، إذ ربط هذه التحولات بتراجع الهيمنة الغربية وصعود الفكر الديكولونيالي. انطلق ميغنولو من أن الغرب يفقد تدريجيا موقعه المركزي الذي احتله منذ القرن السادس عشر، وأن هذا التراجع يشمل المجال السياسي والاقتصادي والمعرفي في آن واحد. ووضع مفهوم "الكولونيالية" في قلب هذا التحليل بوصفه أداة لفهم العلاقة بين الحداثة الغربية والاستعمار العالمي.
افتتح ميغنولو مداخلته بالإشارة إلى اعتراف متزايد داخل الغرب نفسه بحالة التفكك التي تعيشها الحضارة الغربية، واعتبر أن هذه الأزمة لم تعد سرا داخل العالم الأطلسي، بعد أن ظلّت لفترة طويلة موضوعا تتداوله شعوب الجنوب العالمي والمفكرون النقديون.
أكد على أن النظام العالمي بين سنتي 1500 و2000 تأسس تحت قيادة دول شمال الأطلسي، بداية من إسبانيا وفرنسا وهولندا وإنجلترا، ثم الولايات المتحدة بعد عام 1945، وقد تشكل هذا النظام بعد معاهدة وستفاليا سنة 1648، مع صعود الدولة القومية الأوروبية وهيمنة الرؤية الغربية الأحادية على العالم.
معلوم بأنه يرى أن الهيمنة الغربية قامت على بعدين مترابطين: الأول؛ السيطرة السياسية والاقتصادية، والثاني؛ الهيمنة المعرفية من جهة أخرى.
تستند هذه الحركات إلى تاريخها المحلي وتقاليدها السياسية الخاصة من أجل تحدي الخطاب العالمي للحداثة الغربية
لقد تجاوز الغرب فرض نفوذه العسكري والاقتصادي، وشكل نظاما معرفيا عالميا جعل من المعرفة الغربية معيارا للحقيقة والعقل والتقدم. الشيء الذي ربط تشكل العالم الحديث بتشكل بنية معرفية مهيمنة رافقت التوسع الاستعماري الأوروبي.
كما أكدّ ميغنولو أن هذه الهيمنة بدأت بالتراجع منذ بداية القرن الحادي والعشرين، خاصة مع ضعف نفوذ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وأشار إلى أن الغرب أصبح يعتمد بشكل متزايد على أدوات السيطرة المباشرة لتعويض فقدانه التدريجي للهيمنة الرمزية والمعرفية. امتد هذا التراجع من الاقتصاد والسياسة، ليشمل المجال الإبستيمي، حيث أصبحت المعرفة الغربية نفسها موضوعا للنقد والمراجعة.
لا يمكن هذا الموقف إلا بالرجوع إلى مفهوم "الكولونيالية" عنده؛ اذ يربط ميغنولو ظهوره بالتجارب التاريخية لأمريكا اللاتينية، وبالأخص منطقة الأنديز، وبالتحولات العالمية التي رافقت انهيار الاتحاد السوفييتي، ويعتبر أن مفهوم الكولونيالية كشفت المنطق العميق الذي قامت عليه مختلف أشكال الاستعمار منذ القرن السادس عشر حتى نهاية القرن العشرين. كما يشير مفهوم الكولونيالية عند ميغنولو إلى البنية المستمرة للسيطرة التي ظلت قائمة بعد انتهاء الاستعمار المباشر، فخروج المستعمر من الأراضي التي احتلها لم يؤدِّ إلى نهاية منطق الهيمنة، لأن هذا المنطق استمر عبر الاقتصاد العالمي، والمؤسسات الأكاديمية، وأنظمة المعرفة والإعلام والثقافة.
يتوافق هذا مع مقال سابق نشرنه في هذا المنصة بعنوان "استقلال لم يكتمل بعد"، غير أن مفهوم الكولونيالية عند ميغنولو يصبح أكثر وضوحا حينما يصفها بأنها "الجانب المظلم للحداثة الغربية"، لأن الحداثة حملت معها خطاب التقدم والتنمية والتغيير، وفي الوقت نفسه قامت على السيطرة والاستغلال والإقصاء.
يشير ميغنولو إلى أن خطاب الحداثة الغربية أخفى باستمرار البنية الكولونيالية التي قامت عليها مفاهيم مثل: التقدم والتنمية والعقلانية. وقد ارتبطت هذه المفاهيم بممارسات الهيمنة والاستغلال وخلق التفاوتات العالمية. من هنا جاءت حركات التحرر في القرن العشرين بوصفها تعبيرا عن بداية نهاية عصر "التغريب" الغربي للعالم.
غير أن تراجع الهيمنة الغربية لم يؤدِّ، بحسب ميغنولو، إلى اختفاء الكولونيالية، بقدر ما فتح المجال أمام مرحلة جديدة من النضال الديكولوني. ويعتبر أن الحركات الاجتماعية والشعوب بدأت اليوم تطور أشكالًا من "العصيان المعرفي" و"العصيان المدني" في مواجهة النظام العالمي المهيمن. وتستند هذه الحركات إلى تاريخها المحلي وتقاليدها السياسية الخاصة من أجل تحدي الخطاب العالمي للحداثة الغربية.
الوعي المتزايد بعدم تمثيل الدولة أو وسائل الإعلام أو الشركات لمصالح الشعوب يدفع نحو ظهور أشكال جديدة من التنظيم الذاتي والمشاركة الشعبية
في هذا الإطار يطرح ميغنولو فكرة "فك الارتباط"، ويقصد بها التحرر من الكولونيالية المعرفية الغربية؛ ويعني ذلك الانفصال عن احتكار الغرب لإنتاج المعرفة، وعن الأنظمة المعرفية التي تشكلت داخل الجامعات والمكتبات والأرشيفات والمتاحف الغربية. ويرى أن المشروع الديكولوني يتجاوز حدود الجامعة والمؤسسات الأكاديمية، لأن هدفه الأساسي يتمثل في إعادة بناء طرق التفكير والحياة خارج الهيمنة الغربية.
ويؤكد ميغنولو أن العالم يشهد اليوم انتقالا نحو "التعددية المعرفية"؛ أي الاعتراف بتعدد طرق المعرفة والرؤية إلى العالم. يعني ذلك تقليص المركزية الغربية، وإعادة المعرفة الغربية إلى حجمها "المحلي" بعد أن قدمت نفسها لقرون باعتبارها معرفة كونية. ويفرق ميغنولو هنا بين إزالة التغريب و الديكولونيالية ؛ فإزالة التغريب ترتبط بالدول التي تسعى إلى تقليص النفوذ الغربي، بينما تمثل الديكولونيالية مشروعا تقوده المجتمعات السياسية والحركات الاجتماعية والخطاب العمومي.
كما يناقش ميغنولو إرث حركات التحرر الوطني في القرن العشرين، ويشير إلى أنها ارتبطت بمشاريع بناء الدولة القومية بعد الاستقلال. وقد نجحت هذه الحركات في طرد المستعمر، لكنها أبقت الدول الجديدة مرتبطة بالنظام العالمي الحديث وبالمراكز الغربية القديمة. واستمرت النخب المحلية في إدارة الدولة ضمن البنية الكولونيالية نفسها، الأمر الذي حدّ من إمكانيات التحرر الكامل.
إن العالم يشهد اليوم انتقالا نحو "التعددية المعرفية"؛ أي الاعتراف بتعدد طرق المعرفة والرؤية إلى العالم. ما يعني تقليص المركزية الغربية، وإعادة المعرفة الغربية إلى حجمها "المحلي" بعد أن قدمت نفسها لقرون باعتبارها معرفة كونية
إن الفاعل الأساسي في المرحلة القادمة حسب هذا التصور سيكون هو "المجتمع السياسي" بدل الدولة. والقصد بالمجتمع السياسي هو ذلك الفضاء الذي تتحرك داخله الشعوب والحركات الاجتماعية والقوى المدنية من أجل إعادة صياغة المستقبل خارج سيطرة الدولة والشركات والإعلام. لذلك فالوعي المتزايد بعدم تمثيل الدولة أو وسائل الإعلام أو الشركات لمصالح الشعوب يدفع نحو ظهور أشكال جديدة من التنظيم الذاتي والمشاركة الشعبية.
يتصور ميغنولو مستقبلا يقوم على مجتمع ديكولونيالي تعددي، يتعايش مع عمليات إزالة التغريب دون أن يخضع لها، ويقوم هذا المستقبل على الاعتراف بتعدد المعارف والهويات والتجارب التاريخية، وعلى بناء أفق عالمي يتجاوز مركزية الغرب وهيمنته الطويلة على العالم.
إن أزمة الغرب تتجاوز حدود السياسة والاقتصاد، وتمس البنية المعرفية التي قامت عليها الحداثة الغربية نفسها، ويظهر مفهوم الكولونيالية هنا بوصفه أداة نقدية لفهم الترابط بين الحداثة والاستعمار، وبين المعرفة والسلطة. كما يفتح الفكر الديكولونيالي المجال أمام تصور عالم متعدد، تتشارك فيه الشعوب في إنتاج المعرفة وصياغة مستقبلها خارج احتكار المركز الغربي للحقيقة والتاريخ، إن السؤال الذي يمكننا طرحه هنا، هو كيف بناء قواعد الاشتباك الابستمية خارج الأطر الكولونيالية من جهة، وخارج الأطر التقليدية من جهة أخرى؟ ما هي الآليات والوسائل المعرفية التي يجب التسلح بها؟ وماهي المعاير التي يجب الاعتماد عليها؟