تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

الخطايا الإحدى عشرة.. كيف أخفقت الفاعلية السياسية في منع حرب السودان؟

22 أغسطس, 2026
الصورة
الخطايا الإحدى عشرة.. كيف أخفقت الفاعلية السياسية في منع حرب السودان؟
Share

كيف عجزت السياسة السودانية عن منع الوصول إلى اللحظة التي أصبح فيها استخدام القوة ممكناً، ثم محتملاً، ثم واقعاً؟ وكيف تحولت حرب 15 أبريل 2023 من خطر يمكن استشعاره والتحذير منه إلى حقيقة تلتهم الدولة والمجتمع؟ وإذا كانت الإرادة السياسية موجودة دهرئذ، فلماذا لم تستطع أن تتحول إلى فعل مؤثر، وإلى مؤسسات وقرارات وترتيبات تمنع الانهيار قبل وقوعه؟ وأين كانت الفجوة بين ما أرادته القوى السياسية وما استطاعت فعله؟ وهل كان العجز في غياب الإرادة، أم في غياب القدرة على تنظيمها وتحويلها إلى قوة سياسية ومؤسسية قادرة على حماية الدولة والانتقال؟

لماذا ظل الفعل السياسي أسير الانقسام والتنافس على النفوذ وحسابات البقاء، بينما استطاعت القوى المسلحة، عبر عقود، أن تبني لنفسها مصادر مستقلة للقوة والموارد والنفوذ؟ وهل أدركت القوى المدنية فعلاً طبيعة ميزان القوة الذي كانت تواجهه، أم أنها اكتفت بميزان الشرعية السياسية متجاهلة ميزان القوة الفعلي؟ لماذا تحولت التسويات المؤقتة، في أكثر من محطة، من أدوات لمعالجة الأزمة إلى وسائل لتأجيلها وترحيلها إلى لحظة أكثر خطورة؟

أليس ما سبق 15 أبريل 2023 أعمق من مجرد "أخطاء سياسية" متفرقة؟ أليست المشكلة في أزمة فاعلية سياسية كاملة؟ أين أهدرت فرص بناء جبهة سياسية قادرة على حماية الانتقال؟ ولماذا عجزت عن بناء مشروع جماعي لتأسيس الدولة يتجاوز تناقضاتها؟ وأخيرًا، كيف وصلت البلاد إلى وضع أصبح فيه إشعال الحرب ممكناً أصلاً؟ ومن يتحمل مسؤولية الفشل في إغلاق الطريق إليها؟ من هنا تبدأ "الخطايا الإحدى عشرة" وهي ليس لمحاكمة الجميع، ولا لمساواة مسؤولياتهم، وإنما لفتح مساءلة نقدية صارمة حول اللحظة التي عجزت فيها السياسة عن إنقاذ نفسها، وعجزت معها عن حماية السودان من الحرب.

الخطيئة الأولى: الاعتقاد بأن إسقاط الإنقاذ يعني امتلاك الدولة

أولى الخطايا كانت الخلط بين إسقاط نظام البشير وبين القدرة على إدارة الدولة التي خلّفها، ففي 2019 استطاعت قوى الثورة والشعب السوداني إنتاج لحظة تاريخية عظيمة أطاحت بنظام الإنقاذ. لكن النجاح الثوري لم يتحوّل إلى مشروع متكامل لإعادة بناء مراكز السلطة. دخلت القوى المدنية في شراكة مع المؤسسة العسكرية، بينما ظلت الأجهزة المسلحة تحتفظ بقدر كبير من الاستقلال المؤسسي والاقتصادي والسياسي.

هكذا نشأ تناقض جوهري: ثورة تريد دولة مدنية، داخل دولة ما زالت مراكز القوة المسلحة فيها تحتفظ بالقدرة على تحديد حدود السياسة، وتمارس الفعل والفاعلية السياسية كيفما اتفق. وقد كان الاتفاق الانتقالي لعام 2019 محاولة لإدارة هذا التناقض، لكنه ترك ترتيبات شديدة الهشاشة. وقد انتهى الأمر بانقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 الذي أطاح بالحكومة المدنية، وأعاد تأكيد أن ميزان القوة الفعلي لم يكن لمصلحة المدنيين.

الخطأ هنا لم يكن مجرد الدخول في شراكة مع العسكريين؛ فربما لم تكن هناك آنذاك بدائل سهلة. إنما الخطأ الأعمق كان عدم تحويل الشراكة المؤقتة إلى عملية سياسية قوية متسارعة لبناء مؤسسات مدنية، قادرة على تقليص استقلال مراكز القوة العسكرية عن الفعل والفاعلية السياسية على جهاز الدولة على الأقل.

الخطيئة الثانية: تحويل السياسة إلى صراع بين النخب المدنية

بعد الحراك الثوري، لم تنجح القوى المدنية في بناء مركز سياسي واسع يمثل تعدد المجتمع السوداني. فقد تحوّلت السياسة تدريجيا إلى صراع بين أحزاب وائتلافات ومجموعات مدنية، وتيارات داخل قوى الحرية والتغيير، بينما ظلت لجان المقاومة والقوى الاجتماعية الجديدة تبحث عن صيغة مستقلة عن الأحزاب التقليدية.

هنا حدث انفصال خطير بين شرعية الثورة وفاعلية النخبة السياسية، فالشارع الذي أسقط نظام الإنقاذ لم يكن بالضرورة مستعداً لمنح النخب الحزبية القديمة تفويضاً مفتوحاً لتمثيله. في المقابل، لم تتمكن القوى الجديدة من بناء مؤسسات سياسية قادرة على تحويل قوة الشارع إلى برنامج حكم.

هذه إحدى صور "خطيئة الفاعلية"؛ امتلاك الشرعية الأخلاقية من دون امتلاك القدرة التنظيمية والمؤسسية على استخدامها. لذلك كان المجال المدني مجزأً في اللحظة التي كان فيها الطرف العسكري أكثر قدرة على تحريك مياه الفعل السياسي والتنظيم واستخدام القوة.

الخطيئة الثالثة: التعامل مع الجيش والدعم السريع ككتلة عسكرية واحدة

هذه، في تقديري، من أخطر الأخطاء التحليلية والسياسية. كان الجيش وقوات الدعم السريع جزءاً من المعادلة العسكرية التي أطاحت بنظام البشير، ثم شاركا معاً في السلطة الانتقالية، ثم نفذا انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021. لكن ذلك لا يعني أنهما كانا مؤسسة واحدة ذات مصالح متطابقة. فقد كان بينهما تنافس بنيوي على القوة والموارد، وموقع كل منهما في مستقبل الدولة ما بعد الإنقاذ.

امتلاك الشرعية الأخلاقية من دون امتلاك القدرة التنظيمية والمؤسسية على استخدامها... الشارع الذي أسقط نظام الإنقاذ لم يكن بالضرورة مستعداً لمنح النخب الحزبية القديمة تفويضاً مفتوحاً لتمثيله

مع اقتراب الانتقال إلى المعسكر المدني، أصبحت مسألة دمج الدعم السريع في الجيش قضية وجودية بالنسبة إلى الطرفين: الجيش والقوى المدنية، لأنها تعني عملياً تحديد من يملك القوة ومن يخضع لمن؟ وقد كشف المسار السياسي أن إصلاح القطاع الأمني كان القضية الأكثر حساسية، بينما جرى التعامل معها في بعض المراحل باعتبارها بنداً فنياً يمكن حسمه ضمن جدول تفاوضي. وهنا وقعت السياسة في خطأ جوهري، حيث حاولت إدارة التنافس بين قوتين عسكريتين قبل أن تمتلك الأدوات السياسية والأمنية اللازمة لإجبارهما على قبول قواعد اللعبة الجديدة.

الخطيئة الرابعة: "التسوية قبل بناء القوة المدنية"

أعاد الاتفاق الإطاري الذي وُقّع في ديسمبر/كانون الأول 2022 فتح الطريق نحو حكومة مدنية، وكان في ذاته محاولة للخروج من الانقلاب. لكنه جاء في بيئة لم تُحل فيها المسألة الأساسية؛ من يسيطر على السلاح؟ وتشير الأمم المتحدة نفسها، في تقييمها قبيل الحرب، إلى أن قضايا مثل تفكيك النظام السابق، وتنفيذ اتفاق جوبا، وإصلاح القطاع الأمني ظلت من أبرز الملفات العالقة.

المشكلة لم تكن في فكرة التسوية السياسية، إنما في الفجوة بين التسوية السياسية وميزان القوة الذي يفترض أن يحميها. فالسياسة لا تعمل بمجرد توقيع الوثائق. تحتاج إلى مؤسسات وقواعد تنفيذ وضمانات، وقدرة على فرض كلفة على من ينقض الاتفاق. وهنا يمكن صياغة إحدى القواعد المهمة لفهم الحالة السودانية، إذ لا تكفي شرعية الاتفاق إذا كانت القوى التي ستنفذه لا تملك مصلحة أو قدرة أو إرادة في تنفيذه.

الخطيئة الخامسة: استعجال إصلاح القطاع الأمني وتأخيره في الوقت نفسه

قد يبدو الأمر متناقضاً، لكنه لم يكن كذلك. كان إصلاح القطاع الأمني هو أهم قضية في فترة الانتقال السياسي، لكنه لم يُحسم. وفي الوقت نفسه، أدت محاولة دفعه إلى الواجهة في نهاية 2022 وبداية 2023 إلى تفجير التناقضات بين الجيش والدعم السريع.

لقد أصبحت مسألة الدمج مرتبطة بأسئلة أشد عمقاً: من سيكون القائد؟ ما مدة الدمج؟ من يخضع للسلطة المدنية؟ ماذا يحدث للامتيازات الاقتصادية؟ وكيف تُعالج الانتهاكات السابقة؟ وكانت هذه الأسئلة تمس المصالح المباشرة لقيادتي القوتين. لذلك لم تكن عملية تقنية. كانت في جوهرها عملية إعادة توزيع للسلطة السيادية.

وقد وصف تحليل معاصر للأزمة كيف أدى المسار السياسي إلى إبراز هذه القضايا الوجودية، بما فيها دمج الدعم السريع، وخروج المؤسسة العسكرية من الاقتصاد، واحتمال المساءلة عن الانتهاكات السابقة. ومن هنا كانت الخطيئة السياسية مزدوجة: تأخير الإصلاح حتى تراكم التنافس، ثم محاولة حسمه في فترة قصيرة تحت ضغط الانتقال السياسي.

الخطيئة السادسة: فقدان "مركز مدني فاعل قوي"

لم يكن السودان يحتاج بالضرورة إلى حزب واحد أو زعيم واحد، لكنه كان يحتاج إلى مركز سياسي مدني قادر على التفاوض باسم مشروع واضح. بدلاً من ذلك، أصبح المجال المدني شديد التشتت. وهذا سمح للعسكريين بالتعامل مع كل مجموعة بصورة منفصلة، وأضعف قدرة المدنيين على فرض شروط موحدة. وفي المقابل، أدى إقصاء بعض القوى المدنية والسياسية من المسارات التفاوضية إلى إنتاج شرعية ناقصة.

حين تطالب العملية الانتقالية بخروج العسكريين من الاقتصاد، وبإخضاع المؤسسات العسكرية للسلطة المدنية، فإنها لا تطلب تغييراً دستورياً فحسب؛ بل تطلب إعادة تشكيل بنية مصالح كاملة

حتى الاتفاق الإطاري نفسه لم يكن شاملاً؛ فقد وقّعته قوى مدنية وعسكرية محددة، بينما بقيت قوى أخرى خارجه. وتظهر بيانات تلك المرحلة أن العملية السياسية كانت تضم عشرات الفاعلين لكنها ظلت محل نزاع حول من يمثل الثورة ومن يملك حق التفاوض باسم المدنيين. إذن، الخطأ لم يكن كثرة القوى السياسية بحد ذاتها، بل عجزها عن إنتاج قواعد ديمقراطية لإدارة هذا التعدد.

الخطيئة السابعة: الاستقطاب الأخلاقي الذي أضعف السياسة الواقعية

لقد أنتجت الثورة السودانية خطاباً سياسياً شديد القوة أخلاقياً: مدنية، حرية، سلام، عدالة. لكن المشكلة أن السياسة ليست فقط تحديد ما هو صحيح أخلاقياً؛ إنها أيضاً تحديد كيف يمكن تحقيق الصحيح في ظل ميزان قوة غير متكافئ.

في بعض مراحل الانتقال، ظهر ميل إلى اعتبار التفاوض مع أي طرف عسكري تنازلاً عن الثورة، بينما كان الميل المعاكس يرى أن أي تسوية مع العسكريين مقبولة إذا أعادت الحكومة المدنية. والنتيجة كانت التأرجح بين موقفين متناقضين: موقف أخلاقي بلا أدوات تنفيذ، وموقف براغماتي بلا ضمانات سياسية. فالفاعلية السياسية كانت تتطلب الجمع بين الاثنين: الحفاظ على الهدف الديمقراطي، مع بناء أدوات واقعية للوصول إليه.

الخطيئة الثامنة: التقليل من اقتصاد القوة

من الصعب فهم الحرب السودانية إذا نظرنا إليها باعتبارها صراعاً على المناصب فقط. كانت هناك مصالح اقتصادية واسعة مرتبطة بالمؤسسات العسكرية وشبه العسكرية، وبالذهب والتجارة والشركات وشبكات التمويل. لذلك كان الانتقال إلى دولة مدنية يعني، عملياً، إعادة توزيع موارد اقتصادية ضخمة.

هذا يجعل مقاومة الانتقال أكثر قابلية للفهم، فحين تطالب العملية الانتقالية بخروج العسكريين من الاقتصاد، وبإخضاع المؤسسات العسكرية للسلطة المدنية، فإنها لا تطلب تغييراً دستورياً فحسب؛ بل تطلب إعادة تشكيل بنية مصالح كاملة. وقد أشارت تحليلات الحرب إلى أن الصراع ارتبط أيضاً بالمصالح التجارية والاقتصادية، إلى جانب الخلاف حول السلطة والدمج العسكري. لذلك كان من خطايا الفعل السياسي التعامل مع الاقتصاد السياسي للعسكر كمسألة إصلاحية ثانوية، بدلاً من إدراك أنه أحد أعمدة القوة السياسية نفسها.

الخطيئة التاسعة: إهمال الأطراف

الخرطوم لم تكن السودان كله. لكن جزءاً كبيراً من العملية السياسية ظل يدور حول العاصمة، والنخب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والمركز العسكري والأمني. في حين كانت مناطق الهشاشة في البلاد مثل: دارفور وكردفان والنيل الأزرق وغيرها، تحمل أزمات تاريخية تتعلق بالأرض والموارد والتمثيل والأمن والتنمية وتوازنات السلطة.

وقد ظل العنف الأهلي والمناطقي قائماً حتى خلال المرحلة الانتقالية؛ ففي 2021 مثلاً استمرت الصراعات المجتمعية في دارفور ومناطق أخرى وسط ضعف سيادة القانون. لذلك كان من الخطأ النظر إلى الانتقال الديمقراطي بوصفه عملية خرطومية. فالديمقراطية السودانية التي لا تعيد تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم ستظل ناقصة، والسلام الذي لا يعالج جذور التهميش سيظل هشاً.

الخطيئة العاشرة: عدم بناء "دولة الثورة"

من المفارقات المحورية، فقد كانت الثورة أقوى من الدولة، ثم أصبحت الدولة أضعف من الثورة. حيث نجح السودانيون في إنتاج حركة جماهيرية هائلة، لكنهم لم ينجحوا بالقدر نفسه في تحويل قيم الثورة إلى: قضاء مستقل؛ وجهاز إداري محايد؛ برلمان انتقالي فعال؛ مؤسسات رقابة؛ إصلاح أمني؛ نظام مالي شفاف؛ آليات مساءلة؛ ونظام سياسي قادر على تداول السلطة.

وبذلك ظلت الثورة حدثاً سياسياً أكثر منها عملية تأسيس مؤسسي. وهذا تحديداً هو الفرق بين الفعل السياسي والفاعلية السياسية. الفعل يقول: "نريد دولة مدنية". أما الفاعلية فتسأل: ما المؤسسة التي ستجعل الجيش مدنياً؟ ومن سيموّلها؟ ومن يراقبها؟ وما القانون الذي يحكمها؟ ومن يدفع الثمن إذا رفضت؟

الخطيئة الحادي عشر: ضعف قراءة الحرب كاحتمال حقيقي

ربما كانت أهم خطايا النخب السياسية والعسكرية والدولية هي التعامل مع الحرب بوصفها احتمالاً غير مرجح، بدلاً من التعامل معها كخطر يجب منعه بأي ثمن. ففي الأشهر التي سبقت 15 أبريل، كانت المؤشرات واضحة: احتقان بين الجيش والدعم السريع، انتشار للقوات، خلاف على الجدول الزمني للدمج، توتر حول السلطة، وانقسام سياسي متزايد.

المعضلة السودانية الحقيقية هي الانتقال من سياسة مقاومة السلطة إلى سياسة بناء السلطة، ومن شرعية الثورة إلى شرعية الدولة، ومن الفعل الاحتجاجي إلى الفاعلية المؤسسية

ومع ذلك استمر الاعتقاد بأن الضغط السياسي والدبلوماسي سيكفي لإبقاء الطرفين داخل المسار الانتقالي. ثم جاءت 15 أبريل. ومنذ ذلك اليوم أصبح السؤال مختلفاً تماماً: لم يعد كيف ننتقل من الانقلاب إلى الديمقراطية، وإنما كيف نوقف حرباً أعادت تشكيل المجتمع والدولة.

من "خطايا الفعل" إلى أزمة الفاعلية

إذا أردنا اختزال تجربة السودان منذ 2019 وحتى 15 أبريل 2023، يمكن القول إن المشكلة لم تكن في غياب السياسة، إنما في عجز السياسة عن إنتاج القوة المؤسسية اللازمة لحماية أهدافها. كانت هناك ثورة، لكن لم تكن هناك دولة ثورية. كانت هناك اتفاقات، لكن لم تكن هناك مؤسسات كافية لتنفيذها. كانت هناك قوى مدنية، لكنها لم تنتج مركزاً سياسياً موحداً. كانت هناك عملية لإصلاح القطاع الأمني، لكنها لم تملك الوقت ولا الأدوات ولا الضمانات الكافية. كانت هناك وساطة دولية، لكنها افترضت أن التفاوض يمكن أن يعالج تناقضات القوة قبل إعادة ترتيب ميزان القوة نفسه. وكان هناك هدف معلن هو الانتقال الديمقراطي، بينما ظل السلاح والمال والقرار السيادي خارج السيطرة المدنية الكاملة.

لهذا فإن الدرس الأهم بعد 15 أبريل ليس أن السودان يحتاج إلى "سياسيين أفضل" فقط، إنما إلى فهم جديد للسياسة نفسها. فالسياسة الفاعلة في مرحلة ما بعد الحرب يجب ألا تبدأ من سؤال: من يمثل الشعب؟ فقط، وإنما من أسئلة أكثر صعوبة: من يملك القوة؟ من يمولها؟ من يخضع للقانون؟ من يملك حق استخدام السلاح؟ كيف تُوزع الموارد؟ كيف تصبح الأطراف جزءاً من الدولة بدلاً من أن تصبح الدولة رهينة للأطراف؟ وكيف يتحول التفويض الشعبي إلى مؤسسات لا يستطيع أي قائد عسكري أو مدني الانقلاب عليها؟

هنا تكمن المعضلة السودانية الحقيقية: الانتقال من سياسة مقاومة السلطة إلى سياسة بناء السلطة، ومن شرعية الثورة إلى شرعية الدولة، ومن الفعل الاحتجاجي إلى الفاعلية المؤسسية. وإذا لم يحدث هذا الانتقال، فإن إنهاء حرب 15 أبريل قد يوقف القتال، لكنه لن ينهي البنية السياسية التي جعلت الحرب ممكنة أصلاً.