تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الكهرباء للأجهزة لا للشعب.. كيف تُطفئ العُملات الرقمية مصابيح الفقراء في أفريقيا؟

7 ديسمبر, 2025
الصورة
الكهرباء للأجهزة لا للشعب.. كيف تُطفئ العُملات الرقمية مصابيح الفقراء في أفريقيا؟
Share

في نهايات صيف عام 2025 أعلنت الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) بالتعاون مع السلطات في أنغولا عن تفكيك 25 منشأة تعدين رقمي غير قانوني، واستولت على معدات بقيمة 37 مليون دولار أمريكي، لتمثل الواقعة واحدة من وقائع مشابهة في مناطق مختلفة من القارة، إذ باتت أفريقيا واحدة من أكثر مناطق العالم استقطابا للمعدنيين الرقميين، لاسيما في المواقع الهشة والمناطق النائية وبالقرب من مصادر الطاقة الرخيصة، وهو ما يفتح جدالا حول هذا النوع الأعمال، إذ ينقسم الخبراء المعنيون بهذه القضية بين من يرى في العملات الرقمية فرصة للاستثمار في بيئة معقدة تفتقر إلى البنية التحتية المصرفية، وبين من يراه مدخلا جديدا للفساد المالي وتمويل الأنشطة غير المشروعة في بيئة تفتقر إلى آليات مكافحة الفساد والرقابة، وهو ما قد يشكل تهديدا كارثيا للأوضاع السياسية والاجتماعية والأمنية في القارة.

انطلاقا من الفرضية الأخيرة لم تكن واقعة أنغولا الأخيرة في عمليات ملاحقة المُعدّنين الرقميين بل شهدت الفترة ما بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب 2025 عمليات مشابهة حيث أوقفت السلطات 1209 من مجرمي الإنترنت في 18 دولة، فككت خلالها 11432 بنية تحتية خبيثة، بعضها كان يستخدم في عمليات التعدين الخاص بالعملات الرقمية والعملات المشفرة بطرق غير قانونية، وهي وقائع مشابهة لما حدث في أكثر من مدينة ليبية إذ ضبطت السلطات عام 2023 موقعين في مدينتي طرابلس ومصراتة لتعدين العملات الرقمية المشفرة.

العامل المشترك في وقائع الضبط والملاحقة أن المتهمين بهذه الجرائم غالبا ما كانوا صينيين، حيث تحظر الصين تعدين العملات الرقمية وتداولها، وهو ما دفع آلاف من المُعدّنين للبحث عن مواقع يمكن التعدين فيها، لتأتي أفريقيا من بين أكثر المواقع المثالية، حيث تتطلب هذه العمليات قوة حاسوبية هائلة وطاقة عالية الجودة، حيث تعتمد الربحية على عوامل مثل: تكاليف الكهرباء وكفاءة الأجهزة والبيئة التنظيمية.

غواية الثراء السريع

عطفا على ذلك انخرط آلاف من الأفارقة في عمليات مالية بعيدا عن الإطار التقليدي، وباتوا ينجزون مهامهم وعملياتهم التجارية عبر العملات الرقمية لاسيما عملة البتكوين، حيث تشير بيانات شركة بلوكتشين الأمريكية إلى أن تحويلات العملات المشفرة الشهرية من وإلى أفريقيا، قفزت بأكثر من 55% خلال عام لتصل إلى 316 مليون دولار أمريكي في يونيو/ حزيران 2020، معظم هذه المعاملات جرت في نيجيريا، وجنوب أفريقيا وكينيا، حيث استأثرت نيجيريا وحدها بما يقرب من 56 مليون دولار أمريكي في الفترة نفسها.

وفي كينيا التي تُوصف بـ"سافانا السيليكون"، تتمتع البلاد بقاعدة مُستخدمي عملات مشفرة سريعة النمو، ومن المتوقع أن تصل إلى 733,300 مُستخدم عام 2025، تليها إثيوبيا التي اتخذت العمليات فيها نهجاً مختلفاً، ففي فبراير/شباط 2024، دخلت شركة إثيوبيا للاستثمار القابضة في شراكة مع مجموعة "ويست داتا"، ومقرها هونغ كونغ، في مبادرة بقيمة 250 مليون دولار لتطوير البنية التحتية لتعدين البتكوين والذكاء الاصطناعي، وبحلول أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام، ساهمت إثيوبيا بنسبة 2.25% من معدل تجزئة البتكوين العالمي، مدعومةً بـ 600 ميغاواط من الطاقة من شركة الكهرباء الإثيوبية.

يلجأ الإرهابيون لمثل هذه العملات لما توفره من ضمان عدم إمكانية تتبع المعاملات، مستفيدة من تقنيات مختلفة مثل عناوين التخفي والتوقيعات الحلقية لإخفاء المبلغ المُرسل، وكذلك عنوان المرسل والمستقبل

وبرزت غانا كمركز مالي رقمي في غرب أفريقيا، فمع وصول معدل التضخم إلى 42.5% عام 2023، لجأ العديد من الغانيين إلى العملات المشفرة للتحوط من انخفاض قيمة السيدي، وصنّفت شركة "Chainalysis" غانا في المرتبة السابعة بين دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من حيث تبني العملات المشفرة عام 2024.

الحالات السابقة يراها شوغو إيشيدا ويوسوكي يوشيدا، الرئيسان التنفيذيان المشاركان لشركة "EMURGO MEA"، المعنية بالاستثمارات الرقمية، ضمن التحولات الرئيسية التي قد تشهدها القارة في المستقبل، إذ يقولان في مقال مشترك إن أفريقيا تشهد حمى رقمية جديدة تتمثل في تعدين البتكوين، وذلك بفضل انخفاض أسعار الكهرباء، وضعف الرقابة.

ويشير الخبيران إلى أنه رغم تراجع عدد عملات البتكوين عالميا حيث انخفضت الأعداد من 21 مليونا إلى أقل من مليوني عملة قابلة للتعدين، إلا أن أنشطة التعدين في أفريقيا لقيت ترحيبًا حارًا، كون هذه العمليات تخلق فرص عمل جديدة، وتضخّ العملات الأجنبية في الاقتصاد، حيث تسعى دول القارة للحصول على نسبة من سوق العملات المشفرة العالمي الذي بلغ 1.92 مليار دولار عام 2022.

لا يغذي تعدين البتكوين وأخواتها من العملات الرغبة الفردية في الثراء لدى كثير من مواطني الدول الأفريقية، خاصة بعد أن وصل سعر العملة الواحدة لأكثر من 90 ألف دولار، بل في كثير من الأحيان تصبح هذه العمليات حلا سحريا لمشكلة نقص الطاقة في المناطق الريفية، فعلى الرغم من تعارض عمليات التعدين مع ضعف الشبكات، إلا أن الحل يكمن في وفرة الموارد غير المستغلة، كما هو الحال في الطرف الشمالي الغربي من زامبيا، فبالقرب من ضفة نهر زامبيزي المُتدفق وفرت شركة "غريدلس" مُولّدات طاقة مُتجددة بغرض تأمين عملياتها في التعدين الرقمي إلا أنها في الوقت نفسه وفرت الطاقة للسكان المحليين.

وفي الوقت الذي لا تغطي فيه الكهرباء إلا أقل من 50% من سكان زامبيا يوفر المشروع الطاقة لحوالي 15,000 شخص في المنطقة، ورغم التقلبات التي يشهدها سوق العملات الرقمية إلا أن القائمين عليه لا يزالون قادرين على تحقيق أرباح جيدة، إذ أنه باستطاعة كل جهاز حاسوب موصل بالشبكة ربح حوالي 5 دولارات يوميا، وفقا لشهادة دانيال ريا البريطاني من أصل زامبي وأحد القائمين على المشروع، والذي يؤكد أن السماح بتعدين البتكوين في هذه الموقع مثل نقلة نوعية خاصة أن المنطقة كانت تهدر يوميا نصف الطاقة الكهربائية المولدة، لافتا إلى أن العوائد تساهم في تطوير شبكة الكهرباء وضمان وصولها للسكان باستدامة.

الحالة السابقة قد تفتح بابا من الأمل لحوالي 600 مليون أفريقي يعيشون بدون كهرباء، فرغم استهلاك عمليات التعدين الرقمي لكميات هائلة من الطاقة، إلا أن أفريقيا لا تزال تمتلك مصادر وفيرة من الطاقة المتجددة خاصة الكهرومائية، والتي تبلغ معدلات عدم الاستغلال فيها حوالي 90% على الأقل، وفي حالة ربط عمليات الاستغلال بتوفير الطاقة للسكان المحليين، قد يغير الأمر حياة الملايين الأفارقة، ويجعل القارة هدفا مميزا للمعدنين الرقميين في المستقبل على حد قول لاسبيري شيوما أولوديمو، نائب رئيس العمليات العالمية والمدير الإداري لشركة يلو كارد نيجيريا.

فساد وإرهاب واضرار بالاقتصادات الأفريقية

حالة التفاؤل التي قد تصاحب النقاش حول العملات الرقمية ومدى فائدتها للمجتمعات الأفريقية قد تصطدم بمسار آخر، يحمل في طياته قائمة طويلة من المخاوف، والتي قد تكون في أبسط صورها مرتبطة بالسطو على حصة السكان المحليين من الطاقة لصالح شركات التعدين، التي تفرض نفسها عبر مسارات حكومية لا تراعي حقوق الأهالي في الاستفادة من الموارد، وقد تمتد لما هو أخطر عبر استغلال ضعف الرقابة القانونية والمالية لتحويل هذه العمليات لباب خلفي لغسيل الأموال، وتمويل الإرهاب والجريمة المنظمة. كل هذا دفع كثير من الحكومات لملاحقة عمليات التعدين وحظرها، كما هو الحال مع المصرف المركزي المصري الذي حذر في مارس/آذار 2023 من أن العملات المشفرة ليست عملة قانونية.

تظهر حالة السطو على الموارد بشكل واضح في إثيوبيا التي باتت واحدة من أكثر البيئات الأفريقية جذبا للمعدنيين الرقميين، حيث تقول الأرقام إنه يوجد حوالي 60 مليون شخص لا يصلون إلى الكهرباء، ورغم ذلك تقول بلومبرغ إن استخدام مُعدّني العملات المشفرة للطاقة الكهرومائية يتجاوز استخدامها من قِبل فقراء البلد، وأنه رغم تعهدات الحكومة بأنها ستوفر الكهرباء لكافة السكان بحلول 2025، إلا أن الواقع غير ذلك تماما فمع دخول سد النهضة (أحد أكبر مشروعات الطاقة الكهرومائية في العالم) للخدمة، استحوذت شركات التعدين على 30% من إنتاجه بينما بقي فقراء الريف الإثيوبي قابعون في الظلام.

تحويلات العملات المشفرة الشهرية من وإلى أفريقيا، قفزت بأكثر من 55% خلال عام لتصل إلى 316 مليون دولار أمريكي في يونيو/ حزيران 2020، معظم هذه المعاملات جرت في نيجيريا، وجنوب أفريقيا وكينيا

تمتد المخاطر إلى الإضرار بالاقتصادات الوطنية نفسها، إذ تقول دراسة أجراها فياتشيسلاف ستوباك من قسم الاقتصاد بكلية لندن الجامعية، إن تبني العملات المشفرة قد يكون مدخلا لزيادة معدلات الفساد، والتي قد يكون من أبرز صورها عمليات غسل الأموال، حيث تتيح منصات التداول الشائعة في أفريقيا للأفراد تداول العملات المشفرة مباشرةً دون الحاجة إلى وسيط كالبنوك، وهو ما يفتح طريقًا لغسل الأموال، حيث يُمكن أن تتم المعاملات دون رقابة.

تظهر هذه المخاوف في الدول الأكثر استخدام للعملات الرقمية، ففي نيجيريا يستخدم مجرمو الإنترنت العملات المشفرة بشكل متزايد لجمع وغسل العائدات، وهو ما دفع البنك المركزي النيجيري (CBN) لحظر تسهيل معاملات العملات المشفرة عبر البنوك، مما دفع بمعظم هذا النشاط إلى منصات P2P غير الرسمية، والتي يصعب تنظيمها، وظهر الأمر أيضا في جنوب أفريقيا التي شهدت العديد من عمليات الاحتيال البارزة في مجال العملات المشفرة، والتي كانت سببا في انهيار شركة "Africrypt" والتي فر أصحابها للخارج بعد الاستيلاء على أموال المساهمين.

ليس هذا فحسب بل رفعت نيجيريا دعوى قضائية ضد منصة بينانس، أحد المنصات التي تتعامل مع العملات الرقمية، مطالبةً بتعويض قدره 79.5 مليار دولار عن الخسائر الاقتصادية، و2 مليار دولار من الضرائب المتأخرة على مدار عامين، حيث تزعم الحكومة أن عمليات بينانس ساهمت في عدم الاستقرار الاقتصادي وأضرت بالعملة الوطنية.

ولا يقتصر الأمر على الفساد بل توظف الجماعات المسلحة والمجموعات الإرهابية العملات الرقمية لتمويل أنشطتها في القارة، حيث رصدت مجموعة العمل المالي (FATF)، وهي هيئة عالمية معنية بمراقبة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، عمليات مشبوهة تمت بالعملات الرقمية في القارة.

أحد أبرز الجماعات الإرهابية التي استخدمت العملات الرقمية لتمويل أعمالها كان تنظيم الدولة الإسلامية (ISI) والجماعات التابعة له، حيث أفادت مجموعة مكافحة التنظيم المالية أن مناطق غرب أفريقيا أصبحت مركزًا رئيسيًا لتحويلات العملات المشفرة، مؤكدة أن هذه التحويلات تمت على الأرجح من نيجيريا أكبر مُعتمد للعملات المشفرة في العالم بعد الهند، وأنه عادة ما يلجأ الإرهابيون لمثل هذه العملات لما توفره من ضمان عدم إمكانية تتبع المعاملات، مستفيدة من تقنيات مختلفة مثل: عناوين التخفي والتوقيعات الحلقية لإخفاء المبلغ المُرسل، وكذلك عنوان المرسل والمستقبل.

ووفقًا لوزارة الخزانة الأمريكية، فقد وسّع التنظيم بشكل كبير نطاق استخدامه للعملات الرقمية منذ يناير/كانون الثاني 2024 ليشمل فروعه في أفريقيا، ومن المرجح أن يعكس تزايد اعتماد "داعش" على الأصول الافتراضية إدراكًا متزايدًا لدى كبار القادة بأن هذه الأدوات تُوفّر وسيلةً سريةً وفعّالةً للحفاظ على الاحتياطيات المالية المتناقصة للتنظيم في ظلّ الضغوط المُستمرة لمكافحة الإرهاب.

السماح بتعدين البتكوين في هذه الموقع مثل نقلة نوعية خاصة أن المنطقة كانت تهدر يوميا نصف الطاقة الكهربائية المولدة، لافتا إلى أن العوائد تساهم في تطوير شبكة الكهرباء وضمان وصولها للسكان باستدامة

في هذا الإطار تقول دراسة للباحث عبدو ب أ الأستاذ المساعد، بجامعة الشيخ أنتا ديوب، إن العملات المشفرة تمثل كارثة كبرى على الدول الأفريقية، لاسيما وأنها باتت جزء من تمويل بعض الجماعات المتشددة في القارة، لافتا إلى أن العملات لامركزية، وتعمل خارج سيطرة المؤسسات الحكومية والرقابية، ويصعب رصد الانتهاكات المتعلقة بها، مشيرا إلى أن معظم جرائم تمويل الإرهاب عبر هذه العملات تكون بمبالغ صغيرة يصعب كشفها بين المعاملات الكبيرة.

محاولات للتقنين لا تخفي المخاطر

في محاولة لتقنين الأوضاع والتعامل مع العملات الرقمية كأمر واقع، اتخذت جنوب أفريقيا موقفًا تنظيميًا رائدًا في عام 2023 حيث فرضت هيئة سلوك القطاع المالي (FSCA) على شركات العملات المشفرة الحصول على تراخيص للعمل بشكل قانوني، وبحلول عام 2024 تقدمت أكثر من 60 منصة بطلبات، مما يُمثل تحولًا نحو حوكمة منظمة، كما أطلقت هيئة الأوراق المالية والبورصات النيجيرية إطارًا تنظيميًا لحضانة الشركات التكنولوجية المالية، بما في ذلك الشركات الناشئة في مجال العملات المشفرة، مما يسمح بالابتكار تحت إشراف تنظيمي.

هذه الخطوات، وإن كانت بداية لتقنين المعاملات التي تتم عبر العملات الرقمية في القارة إلا أنها لا تخفي المخاوف التي تحيط مثل هذه العمليات، حيث تشير الأرقام إلى أن 25% فقط من دول أفريقيا جنوب الصحراء بدأت تتجه نحو تقنين العملات المشفرة، بينما فرضت ثلث الدول قيودًا عليها، وحظرتها 6 دول بشكل كامل، وفق بيانات صندوق النقد الدولي عام 2022. لكن تبقى العملات الرقمية واحدة من العوامل التي قد تساهم في رسم المشهد الاقتصادي في أفريقيا والعالم رغم المخاطر التي تحيط بها، على حد قول بنيامين موسبرغ نائب مدير مركز أفريقيا التابع للمجلس الأطلسي.