تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 19 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
سينما

الكاميرا التي تعيد كتابة الحرب: معركة مقديشو بين بطولات هوليوود وذاكرة الدم المنسية

10 أبريل, 2026
الصورة
الكاميرا التي تعيد كتابة الحرب: معركة مقديشو بين بطولات هوليوود وذاكرة الدم المنسية
Share

كيف تتحول معركة محدودة في الزمن والمكان إلى أسطورة سينمائية تعيد تشكيل وعي العالم؟ ومن يملك حق رواية الحرب: من عاشها تحت القصف، أم من أعاد إخراجها بالكاميرا؟ وكيف يمكن لصورة واحدة أن تمحو آلاف الأصوات التي لم تصل إلى الشاشة؟ ثم بأي معنى تصبح البطولة حكرًا على طرف واحد، بينما يُدفع الآخر إلى الهامش بوصفه تهديدًا غامضًا وخطراً وجودياً؟ هذه الأسئلة تفتح أفق قراءة فلسفية لدور السينما في إعادة كتابة التاريخ، خاصة حين يتعلق الأمر بتجربة معقدة مثل التدخل الأمريكي في الصومال خلال تسعينيات القرن العشرين.

تملك السينما قدرة استثنائية على تحويل الحدث التاريخي إلى سردية مهيمنة، تتجاوز الوثيقة والأرشيف لتستقر في الوعي الجماعي بوصفها حقيقة شبه نهائية. في هذا الصدد، يقدّم فيلم سقوط الصقر الأسود Black Hawk Down للمخرج ريدلي سكوت نموذجًا مكثفًا لكيفية اشتغال المخيال الأمريكي على إعادة تشكيل معنى التدخل العسكري في الصومال خلال تسعينيات القرن العشرين، حيث تتحول المعركة من واقعة سياسية معقدة إلى ملحمة أخلاقية تتمحور حول إنقاذ الجندي الأمريكي، وتعيد ترتيب العالم وفق ثنائية البطل والشرير.

يؤسس الفيلم منذ مشاهده الأولى لرؤية تجعل من الجندي الأمريكي مركز السرد، حيث تُبنى الكاميرا على حميمية الجسد العسكري، خوفه، تضامنه، وانضباطه، وشجاعته...، فتغدو الحرب تجربة إنسانية تخصّه وحده تقريبًا، بينما يُدفع الصومالي إلى الهامش، ككتلة بشرية متدفقة بلا ملامح فردية، تتحرك في فضاء الفوضى. هذا التوزيع البصري للأدوار يعكس ما يسميه إدوارد سعيد في "الاستشراق" بإنتاج الآخر داخل منظومة معرفية تخدم مركز القوة، حيث يُعاد تشكيل الشعوب غير الغربية ضمن خطاب يختزلها في صور نمطية تُبرّر الهيمنة وتمنحها شرعية رمزية.

الفيلم لا يقدّم معركة مقديشو كما حدثت، بل كما ينبغي أن تُرى داخل المخيال الأمريكي، أي كحكاية عن الشجاعة والتضحية والانتماء، حتى في قلب الفوضى

تُعرض المعركة في الفيلم كاختبار بطولي للقدرة الأمريكية على الصمود في بيئة معادية، بينما تتراجع الخلفية السياسية للصراع، بما تتضمنه من انهيار الدولة الصومالية سنة 1991، وتفكك الجيش، وصعود الميليشيات العشائرية، ثم المجاعة التي أودت بحياة نحو 300 ألف إنسان وأثّرت على أكثر من 1.5 مليون، وهو ما دفع المجتمع الدولي إلى التدخل. بهذا المعنى، يتم اقتطاع الحدث من سياقه، ليصبح لحظة معزولة قابلة لإعادة التأويل وفق سردية الخلاص، حيث يظهر التدخل كضرورة أخلاقية تسعى إلى إعادة النظام.

لكن العودة إلى التفاصيل التاريخية تكشف بنية أكثر تعقيدًا، حيث أن التدخل الذي بدأ تحت عنوان "إعادة الأمل" في ديسمبر/كانون الأول 1992، تحوّل تدريجيًا إلى مواجهة مفتوحة، خاصة بعد مقتل 24 جنديًا من قوات حفظ السلام الباكستانية في يونيو/حزيران 1993، وهو الحدث الذي دفع إلى إعادة تعريف المهمة من الإغاثة إلى المطاردة. في هذا السياق، بدأت العمليات الأمريكية تستهدف محمد فرح عيديد، وتحوّلت مقديشو إلى ساحة صراع مفتوح، خصوصًا بعد غارة يوليو/تموز 1993 التي استهدفت اجتماعًا لقيادات عشائرية مدنية وأدت إلى سقوط عشرات الضحايا، ما غيّر نظرة السكان المحليين إلى الوجود الأمريكي.

تأتي معركة الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 1993 كذروة لهذا التصعيد، حين انطلقت قوة أمريكية مكوّنة من 19 مروحية و12 مركبة و160 جنديًا لتنفيذ عملية خاطفة تستغرق ساعة واحدة لاعتقال قيادات ميدانية. غير أن إسقاط مروحيتين من طراز بلاك هوك بقذائف آر بي جي حوّل العملية إلى مواجهة مفتوحة داخل سوق بكارا، أحد أكثر الفضاءات اكتظاظًا في مقديشو. ومع امتداد القتال نحو 18 ساعة، لم تعد المواجهة بين قوة عسكرية وميليشيا محددة، بل تحولت إلى مقاومة حضرية شارك فيها مسلحون ومدنيون، حيث انخرطت المدينة نفسها في الصراع.

يعكس التوزيع البصري للأدوار ما يسميه إدوارد سعيد بإنتاج الآخر داخل منظومة معرفية تخدم مركز القوة، حيث يُعاد تشكيل الشعوب غير الغربية ضمن خطاب يختزلها في صور نمطية تُبرّر الهيمنة وتمنحها شرعية رمزية

تعكس الأرقام هذا التفاوت في الكلفة الإنسانية: 18 قتيلًا أمريكيًا و73 جريحًا، مقابل مئات أو آلاف الضحايا الصوماليين وفق تقديرات متعددة تتراوح بين 1500 و3000 قتيل، إضافة إلى مئات المدنيين الذين سقطوا في مناطق مأهولة بالمدنيين الأبرياء. كما تدخلت قوات أممية من باكستان وماليزيا لإنقاذ الجنود الأمريكيين المحاصرين، ما يكشف أن العملية لم تكن بطولة فردية كما تُقدَّم سينمائيًا، بل تفاعلاً معقدًا بين قوى متعددة. حتى لحظة إنقاذ الطيار ميخائيل دورانت، التي تُستثمر دراميًا لإبراز إنسانية الجندي الأمريكي، تحمل في روايات أخرى دلالات مغايرة تشير إلى تعقيد العلاقة بين العدو والإنسان في قلب الحرب.

ما تغفله الكاميرا الأمريكية يتمثل في هذه الطبقات من العنف والسياق الدموي والوحشي للقوات الأمريكية، حيث يتحول المدني الصومالي إلى رقم هامشي، رغم أن كثيرًا من الشهادات تشير إلى سقوط ضحايا من الأطفال والنساء نتيجة القصف في الأحياء المكتظة. هذا الغياب يعكس منطقًا أعمق في صناعة الصورة، حيث تُمنح القيمة الأخلاقية للحياة وفق موقعها داخل السرد، فيصبح موت الجندي مأساة كونية، بينما يُختزل موت الآخر في خلفية المشهد.

تشتغل السينما الأمريكية ضمن تقليد طويل يعيد إنتاج فكرة "المنقذ"، حيث تتجسد الولايات المتحدة كقوة أخلاقية تتدخل لإنقاذ العالم من الفوضى. هذه السردية تقوم على افتراض ضمني يجعل من التدخل فعلًا إصلاحيًا، حتى عندما يقود إلى تعقيد الأزمات. في هذا الإطار، تتحول الحرب إلى اختبار أخلاقي للجندي، بدل أن تكون موضوعًا للنقد السياسي أو المساءلة التاريخية، ويتحول الانسحاب الأمريكي في مارس 1994 من اعتراف بفشل استراتيجي إلى نهاية درامية مفتوحة لملحمة إنسانية.

يمكن فهم هذا التحول في ضوء ما طرحه جان بودريار حول "محاكاة الواقع"، حيث لا تعكس الصورة الواقع بقدر ما تعيد إنتاجه داخل منظومة رمزية تمنحه معناه النهائي. وعليه، فالفيلم لا يقدّم معركة مقديشو كما حدثت، بل كما ينبغي أن تُرى داخل المخيال الأمريكي، أي كحكاية عن الشجاعة والتضحية والانتماء، حتى في قلب الفوضى.

غياب يعكس منطقا أعمق في صناعة الصورة، حيث تُمنح القيمة الأخلاقية للحياة وفق موقعها داخل السرد، فيصبح موت الجندي مأساة كونية، بينما يُختزل موت الآخر في خلفية المشهد

من جهة أخرى، تفرض القراءة النقدية استعادة الأصوات التي غابت عن الشاشة، لأن التاريخ الذي يُروى من زاوية واحدة يتحول إلى أداة للهيمنة الرمزية. إن معركة مقديشو تكشف عن صراع مزدوج: صراع بالسلاح على الأرض، وصراع على المعنى في الذاكرة. وحينما تحتكر الكاميرا رواية الحدث، يتحول التاريخ إلى صورة، وتتحول الصورة إلى حقيقة متداولة يصعب تفكيكها. عند هذا الحد، تغدو السينما أكثر من فن، تتحول إلى أداة لإنتاج الوعي، حيث تُكتب الحروب مرة بالرصاص، ومرة أخرى بالضوء، وتبقى الحقيقة موزعة بين ما حدث فعلًا، وما يُراد للعالم أن يتذكّره.

في الأخير، إن معركة مقديشو، كما تعكسها الوقائع والشهادات، تطرح سؤالًا فلسفيًا عميقًا حول علاقة القوة بالحقيقة: من يملك حق رواية الحدث؟ ومن يحدد معنى البطولة؟ حينما تحتكر الكاميرا الإجابة، يتحول التاريخ إلى صورة، وتتحول الصورة إلى حقيقة متداولة، يصعب زحزحتها. في هذا المستوى، لا تعود السينما ترفًا جماليًا، بقدر ما تمسي أداة لإنتاج الوعي، وإعادة تشكيل إدراك العالم، حيث تُكتب الحروب مرة بالرصاص، ومرة أخرى بالضوء.