تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 20 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
شعر

الجنوب، ما لن نراه سويًا

28 أبريل, 2026
الصورة
الجنوب، ما لن نراه سويًا
Share

أنتِ حبيبة فاشلة،

لكنّكِ مشروعُ روايةٍ عظيمة.

يومًا ما، سأكتب عنكِ بعضَ ما عرفت،

وسأكذب بشأنكِ.

 

لا تكذب،

وأخبرهم الحقيقة عني.

 

الحقيقة تخصّني وحدي.

 

وتخصّني أيضًا.

إذاً، لماذا ستكذب؟

 

حتى أجد نهايةً لكلّ ما بترَته الحياة،

فأنتِ الشيءُ الوحيدُ المكتملُ بروحي.

 

لا أستحق أن تحتفظ بي في دواخلك.

 

لا أحتفظ بشيء،

فقط...

أقاوم بكِ النسيان.

 

تقاوِم بي؟

 

أجل،

أقاوم النسيان بأصدق ما عشته.

 

هذا الحوار لم يَدُر بين عاشقين،

بل مرثيّةٌ لأرضٍ انفصلت،

دون أن تستأذن من شجرةِ الهجليجِ الناتئةِ

من سُرّتها.

 

فلورا،

الرواية التي لم أكتبها،

اليدُ الباردةُ من ترك يدي لها،

بعد أن رأَنا الناس في مدينةٍ يخترق خاصرتها

نيلٌ يفيض وفق مزاجه.

أردنا الاحتشام أمام فجائع التاريخ،

لتموت فلورا جائعةً ومُهمَلة،

وأظلُّ بمفردي،

أُحاور عرّافةً سوداء،

عن طالعِ البقر في الجنوب،

تحديدًا البقرةُ ذاتُ القرونِ الطويلة،

التي انتحبتْ معي،

وأمي تحتضر وحيدةً في الشمال.

 

الجنوب،

ما تبقّى في ذاكرةِ جارِنا الأعمى

من حكاياتٍ ناقصة.

 

الجنوب،

الحقولُ المشتاقةُ لأغاني مزارعيها

وقت الحصاد.

 

الجنوب،

شمسٌ تستظلُّ تحت نهدِ فتاةٍ فارعة،

تُحمّمُ سمرتها في يومٍ ماطر.

 

الجنوب،

رقصةُ الخلود بين جسدين

في مآتم.

 

الجنوب،

نملةٌ تمنح قمرًا جائعًا آخرَ حبّةِ ذرة

جلبَتها من مخازن تجّار الحرب.

 

الجنوب،

شِعرٌ تبتكره مخيّلة النهار.

 

الجنوب،

امرأةٌ بلونٍ واحد،

وعطرٍ راسخ.

 

الجنوب،

غابةٌ تحرس قُبُلاتنا من طلقاتٍ طائشة.

 

الجنوب،

وأنا أَجذبكِ نحوي،

يدُكِ تستند على صدري،

فتلمس سُعالًا مكتومًا

من مضاعفاتِ ربوٍ مُتوارث.

 

الجنوب،

تعرّينا ساعةَ الغروب

على الضفة،

وقاربٌ فارغٌ يتأرجح في النهر.

 

الجنوب،

ما لن نراه سويًّا.

 

لا أعرف لماذا أستعيدكِ الآن؟

فأحيانًا أحتاجكِ دون سببٍ معلوم.

يبدو أن الشتاء يفاقم الحنين لأشيائنا المفقودة.

في هذه اللحظة،

أحنّ

لرائحةِ جسدكِ حينما تغضبين،

أحنّ

لملمسِ شعركِ الجعدِ وأنتِ تستيقظين من النوم،

أحنّ

لضحكتكِ الغامضةِ حينما تكذبين عليَّ في

كل مرةٍ أسألكِ عن سرّ الندبة الراسخة

في ساقكِ الأيمن،

أحنّ

لانهمامكِ أثناء قراءتكِ رواية "العار" لكوتزي،

أحنّ

لكلّ ما فشلنا في تحقيقه،

وعوّضناه بالعناق.

 

أنتظر الموت،

كرجلٍ يُفرغ وقتَه الهامد من الكآبة،

بالتمسّح بالرماد،

بالهروب من المطر،

بالنوم عاريًا،

بالتنكّر للشعر،

بالتخفّي من الله.

 

فكل الذين أتَوا إلى الجنوب

سرقوا أبنوسه.

بكلام السماء،

أنزوي في كوخي كل مساء،

أتذكّر فلورا،

ثم أقرأ بعض التعاويذ بلهجة الشلك،

قبل أن أنام،

بينما لبلابةٌ في السقف

تمدّ جذورها بكثافة.