الأربعاء 12 أغسطس 2026
أنهت المحكمة الجنائية الدولية، الإجراءات القضائية في القضية المرفوعة ضد القيادي السابق في حركة العدل والمساواة عبد الله بندا أبكر نورين، بعد موافقة الدائرة الابتدائية الرابعة على طلب الادعاء سحب التهم الموجهة إليه، والمتعلقة بارتكاب ثلاث جرائم حرب خلال الهجوم الذي استهدف قاعدة هسكنيتة التابعة لبعثة الاتحاد الإفريقي في دارفور يوم 29 سبتمبر/أيلول 2007. وجاء القرار بعد نحو خمسة عشر عاماً من اعتماد التهم، حيث خلص مكتب الادعاء إلى أنه لم يعد يمتلك أساساً قانونياً كافياً للاستمرار في المحاكمة، معلناً أن الأدلة المتوافرة حالياً لم تعد توفر "أسباباً جوهرية تدعو للاعتقاد بأن السيد بندا مسؤول عن الجرائم المنسوبة إليه"، وهو ما دفع المحكمة إلى إنهاء الدعوى وإلغاء مذكرة القبض الصادرة بحقه، مع تأكيد أن القرار لا يمنع إعادة فتح القضية مستقبلاً إذا ظهرت أدلة جديدة.
ترجع القضية إلى واحدة من أبرز الهجمات التي تعرضت لها قوات حفظ السلام في إقليم دارفور خلال سنوات النزاع. ففي 29 سبتمبر/أيلول 2007 تعرض موقع هسكنيتة العسكري، الذي كانت تتمركز فيه بعثة الاتحاد الإفريقي في السودان (AMIS)، لهجوم نفذته مجموعات مسلحة أسفر عن مقتل اثني عشر من أفراد البعثة وإصابة آخرين، مع تدمير ونهب المركبات والمعدات العسكرية التابعة للقوة الإفريقية. اعتبر الهجوم في حينه نقطة تحول في النزاع، إذ استهدف للمرة الأولى بهذا الحجم قوات حفظ السلام الدولية، الأمر الذي أثار إدانات واسعة ومهد لتكثيف الجهود الدولية لمحاسبة المسؤولين عنه.
بدأت المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في جرائم دارفور عقب إحالة مجلس الأمن الدولي الملف السوداني إليها بموجب القرار 1593 الصادر عام 2005، ليصبح إقليم دارفور أول حالة يحيلها مجلس الأمن إلى المحكمة. وفي إطار التحقيقات وجه الادعاء في عام 2009 اتهامات إلى عبد الله بندا، إلى جانب صالح محمد جربو، باعتبارهما من القادة الميدانيين الذين شاركوا في التخطيط للهجوم على قوات الاتحاد الإفريقي. وفي مارس/آذار 2011 أقرت الدائرة التمهيدية وجود أدلة كافية لإحالتهما إلى المحاكمة بتهم القتل، وتعمد توجيه الهجمات ضد أفراد ومعدات بعثة لحفظ السلام، والنهب، وهي جميعها مصنفة كجرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي.
شهدت القضية تطورات متعاقبة خلال السنوات اللاحقة. حضر عبد الله بندا طوعاً أمام المحكمة في المرحلة التمهيدية، غير أن جلسات المحاكمة تعثرت بعد تغيبه عن الحضور، ما دفع المحكمة إلى إصدار مذكرة توقيف بحقه في سبتمبر/أيلول 2014 لضمان مثوله أمامها. في المقابل أغلقت المحكمة ملف المتهم الثاني صالح جربو في عام 2013 بعد تلقيها معلومات موثقة تشير إلى وفاته داخل دارفور، لتبقى قضية بندا معلقة طوال أكثر من عقد بسبب تعذر إحضاره إلى لاهاي واستمرار تعقيدات التحقيق.
جاء إسقاط التهم نتيجة مراجعة واسعة أجراها مكتب الادعاء للأدلة المتوافرة في القضية. أوضح الادعاء أن مراجعة الملفات والشهادات أظهرت تراجع القوة الإثباتية للأدلة، مع بروز شهادات جديدة قد تبرئ المتهم، إلى جانب فقدان إمكانية الاعتماد على عدد من الشهود الرئيسيين، وهو ما جعل احتمال الوصول إلى إدانة أمام المحكمة غير واقعي وفق المعايير القانونية للمحكمة الجنائية الدولية. بناءً على ذلك أعلن الادعاء أنه لم يعد يرى وجود فرصة معقولة لتحقيق إدانة، وطلب رسمياً سحب الاتهامات.
ورغم موافقة القضاة على إنهاء القضية، فإن قرارهم حمل ملاحظات قانونية مهمة. فقد أشارت المحكمة إلى أن الادعاء لم يثبت بصورة قاطعة أن الأدلة انهارت بالكامل مقارنة بما كانت عليه عند اعتماد التهم عام 2011، إلا أن استمرار المحاكمة في ظل إعلان الادعاء رفضه تقديم القضية أمام المحكمة يتعارض مع متطلبات المحاكمة العادلة والكفؤة، الأمر الذي دفع الدائرة إلى الإذن بسحب التهم وإنهاء الإجراءات، مع التشديد على أن هذا القرار لا يمثل حكماً بالبراءة، ولا يمنع الادعاء من رفع قضية جديدة ضد بندا إذا ظهرت أدلة إضافية في المستقبل
يحمل القرار دلالات تتجاوز قضية عبد الله بندا نفسها، إذ يعكس الصعوبات التي واجهتها المحكمة الجنائية الدولية في التحقيق بجرائم دارفور، خاصة مع مرور الزمن، ووفاة بعض الشهود، وتعذر الوصول إلى آخرين، واستمرار النزاع المسلح الذي أثر في جمع الأدلة وحماية الشهود. كما يأتي القرار بينما لا تزال المحكمة تتابع ملفات أخرى مرتبطة بدارفور، أبرزها القضايا المرفوعة ضد الرئيس السوداني السابق عمر البشير، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين، ووالي جنوب كردفان السابق أحمد هارون، إضافة إلى استمرار محاكمة علي محمد علي عبد الرحمن "علي كوشيب"، الذي يبقى حتى الآن الشخص الوحيد الذي مثل فعلياً أمام المحكمة في إحدى القضايا الرئيسية المتعلقة بجرائم دارفور.