تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

الهوية النسائية المؤجّلة: تمثيلات المرأة في الأدب الأفريقي الناطق بالفرنسية

2 أغسطس, 2025
الصورة
الهوية النسائية المؤجّلة: تمثيلات المرأة في الأدب الأفريقي الناطق بالفرنسية
Share

تُعدّ صورة المرأة في الأدب مرآة تعكس البنية العميقة للمجتمع، وتمثّلاته الثقافية والجندرية. تظهر هذه الصورة في الأدب الأفريقي الناطق بالفرنسية، محمّلة بأبعاد استعمارية وما بعد استعمارية، تضع المرأة في موقع مزدوج من التهميش: بوصفها مستعمَرة داخل المستعمَرة، وكائنا رمزيا يُسقَط عليه الخيال الذكوري. غالبا ما تُقدَّم المرأة في هذه الكتابات ضمن أطر نمطيّة؛ الأم الحنون والعاشقة المنكسرة، أو رمز الأرض المستباحة، ما يحول دون تشكّل هوية نسائية مستقلّة عن تمثيلات الرجل وخطابه السردي.

لا ينفصل هذا التأطير النمطي عن السياق التاريخي الذي تشكّلت فيه الرواية الأفريقية، حيث بقيت تجربة المرأة حبيسة منظورات خارجية، لم تمنحها فرصة بناء ذاتها انطلاقا من الداخل. بالعودة إلى عدد من النصوص الروائية التي كتبها رجال، يمكن تلمّس ملامح التمثيل القائم على الاستيهام الذكوري، بما يفرض تأجيلا متواصلا لتكوّن الهوية النسائية بوصفها ذاتا ناطقة وفاعلة ومتحرّرة من موقع الرمز والملحق.

تُشكّل رواية "دمية أشانتي" ((La pouppée Achanti الصادرة عام 1973، للكاتب الكاميروني فرانسيس بيبي نموذجا مبكّرا لتصوير المرأة في الأدب الأفريقي الفرانكفوني، من حيث التداخل بين السرد الواقعي والرمز الجمالي. تدور أحداث الرواية في أكرا، عاصمة غانا، وتتمحور حول "إيدنا"، البائعة التي تنتمي إلى الطبقة الشعبيّة. رغم أمّيتها، تتّسم بالذكاء والشجاعة، وتبرز بطلة شعبيّة، تقود مظاهرة نسائية نظّمتها بائعات السوق بعد الاستقلال، حيث كانت أوّل من واجه الشرطة قبل أن تتدخّل القوّات باستخدام الغاز والرصاص.

يُظهر الكاتب ملامح الشخصية عبر علاقاتها الاجتماعية، خاصّة بخطيبها والمسؤول الحكومي، ما يجعلها أنثى فاعلة في محيطها. غير أنّ الوصف الخارجي لها يظلّ محدودا، مقتصرا على تشبيهها بـ"دمية أشانتي"، وهو تشبيه ثقافي يرتبط بتقاليد الخصوبة في ثقافة الأشانتي، حيث تُمنح دمى الأكوا با للفتيات كتعاويذ رمزية. هذا الاختزال، رغم دلالاته المحليّة، يُضعف من اكتمال صورة إيدنا الأدبية، إذ يحصر حضورها الجسدي في قالب نمطي يخلو من التفرّد البصري أو السيكولوجي، كما قد يبدو غامضا وغير فعّال في خيال القارئ غير المحلي.

تتشكّل صورة المرأة كصدى رمزي لفقدان الذات وارتباك الانتماء، لا ككيان إنساني مكتمل

يتكرّر هذا النمط التمثيلي في رواية الكاتب الكونغولي هنري لوبيز "الباحث عن أفريقيا" (Le chercheur d'afriques)، التي يستعيد فيها البطل أندريه أوكانا صورة فتاة أحبّها في بلاده، مشبّها وجهها بقناع من أقنعة إيفي. هذه الأقنعة، بأناقتها المثالية ووجوهها البيضاوية وشفاهها الممتلئة، تُعدّ رموزا بصرية لجمال مطلق ضمن حضارة إيفي. غير أنّ القناع، بوصفه استعارة بصرية، لا يعبّر عن واقع ملموس، بل عن حنين رمزي إلى "أفريقيا مثالية"، يصوغها البطل الممزّق بين هويتين. هنا يتحوّل الجمال إلى مرآة لاغتراب داخلي وثقافي؛ حيث لا يجد أندريه راحته لا في فرنسا ولا في ذكرياته. بذلك، تتشكّل صورة المرأة كصدى رمزي لفقدان الذات وارتباك الانتماء، لا ككيان إنساني مكتمل.

في المقابل، تمثّل رواية "الله ليس ملزما" Allah n'est pas obligé)) التي صدرت عام 2002، للكاتب الإيفواري أحمدو كوروما معالجة أكثر دقّة وتماسكا في تقديم صورة المرأة. حيث يستحضر البطل، وهو فتى يتيم يبلغ من العمر 15 عاما، ذكرى والدته الراحلة من خلال كلمات جدّته: "قالت لي جدّتي وبالا إنّها كانت جميلة، مثل غزال، مثل قناع الغورو". يشير هذا التشبيه إلى تقاليد شعب الغورو، القاطنين في شرق الكوت ديفوار، المعروفين بأقنعتهم الخشبيّة المنحوتة التي تتميّز بملامح أنثوية رشيقة، تنمّ عن هدوء وجلال؛ وجه بيضاوي مقعر قليلا وجبهة محدبة وحواجب بارزة وجفون مقوّسة وعيون ضيّقة وأنف مثلّث وفم صغير، وهي سمات جماليّة تقترن عادة بالتوازن والسمو.

يعتمد كوروما، كأحد أبرز الروائيّين الأفارقة الذين يكتبون بالفرنسية، على معرفة القارئ الأفريقي الضمنيّة بهذه الرموز البصرية، فلا يقدّم وصفا تفصيليّا للقناع. إلّا أنّه، وفي التفاتة محسوبة نحو القارئ الأوروبي، يطوّر الصورة بمستوى شخصي أكثر، إذ يمنح ملامح الأم بعدا روحانيّا وتفرّدا إنسانيّا، يتجاوز الرمز الثقافي العام. يصف وجهها قائلا: "عندما لم يكن غارقا في الدموع، كان يُشِعّ بشكل ما. كأنّه لؤلؤة، مهشّمة، ضائعة ثم مكتشفة. جمال ناقص، مشوب، كما كانت ساقها اليمنى مشوّهة بقرحة؛ كان نورا يشعّ أكثر وسط الدخان والأبخرة المتصاعدة في الكوخ".

يمثّل هذا المقطع مثالا بالغ الدقّة على التوليف الفني بين القيم الجماليّة التقليديّة وتقنيات السرياليّة؛ حيث يُستخرج النور من التشوّه، ويُرى الجمال فيما هو متضرّر. هذا "الجمال المعطوب" ليس فقط استعارة بصرية، بل أيضا تمثيلا شعريا لانكسار الواقع، وانبعاث المعنى من داخله. غير أنّ هذا المثال، على عمقه وجماليّته، يظلّ حالة نادرة ضمن السياق السردي العام، ولا يُشكّل قاعدة متكرّرة في الأدب الذي يزاوج بين التراث البصري المحلي والرؤى الجماليّة الحداثيّة.

غالبا ما تُوظّف المرأة كأيقونة تمثّل الجماعة أو الوطن أو الجمال الأفريقي المفقود، دون أن تمتلك صوتا خاصّا أو استقلاليّة داخل السرد

لكن رغم هذه الاستثناءات القليلة، فإنّ صورة المرأة في كثير من الروايات الأفريقية الناطقة بالفرنسية تظلّ محكومة بآليات التشييء والرمزانية المفرطة. فغالبا ما تُوظّف المرأة بكونها أيقونة تمثّل الجماعة أو الوطن أو الجمال الأفريقي المفقود، دون أن تمتلك صوتا خاصّا أو استقلاليّة داخل السرد.

تتجلّى هذه المعضلة في الأعمال التي تُفترض فيها حساسية نفسية أو بعد عاطفي، كما في رواية "رسالة طويلة جدا" (1979) (Une si longue lettre) للكاتبة السنغالية مريم با. تكتب البطلة "راماتولاي" إلى صديقتها متأمّلة خيانة زوجها، الذي تزوّج من فتاة صديقة لابنتهما. ورغم نضج خطابها وامتناعها عن تحميل الدين مسؤولية ما حدث - تعدّد الزوجات - فإنّها لا تحقّق انفصالا فعليّا عن الأطر التمثيليّة النمطية، حيث تصف الزوجة الثانية بتفصيل سطحي يُركّز على الزينة والمظهر الخارجي.

يميل الأدب الأفريقي في كثير من الأحيان إلى تفريغ تجربة الحب الفردي من بعدها السيكولوجي، كما نرى في رواية "ابن أغاثا موديو" (1967) (Le fils d'Agatha Moudio) لفرانسيس بيبي. يخضع البطل "مبندا" لمسارات الزواج التقليدي، متزوّجا أوّلا من فتاة اختارتها والدته، ثم من الفتاة التي يحبّها لاحقا، لكن دون رضاها. يفتقر النص لتحليل نفسي، كما يغيب فيه صوت المرأة، وتبدو قرارات الحب مرتهنة بمنطق الجماعة لا الذات.

يتعمّق هذا الطمس في رواية "الزنبق والفلامبويا" (1997) (Le Lys et le Flamboyant) للكونغولي هنري لوبيز. تحكي قصة فيكتور أوغانير هوانغ، وهو ابن لامرأة كونغولية ورجل صيني، الذي أحبّ امرأة طوال حياته، متخيّلا إياها تجسيدا مثاليا للتمازج بين الثقافتين الأفريقية والفرنسية؛ رمزا لما يسمّيه "اتحاد الزنبق والمتوهج"، في إشارة إلى الزهرة الفرنسية البيضاء والشجرة المشتعلة التي تنتشر في عموم أفريقيا.

يستعيد الراوي في روايته سيرة مونيت، امرأة تشاركه نفس الخلفيّة المختلطة، ويسرد بتفصيل دقيق طفولتها في عائلة كونغولية مترابطة، وزيجاتها المتعدّدة، ومسيرتها المهنية التي بدأت كنادلة تغنّي في مقهى على الميناء، وانتهت بها مغنّية شعبيّة معروفة. لكن رغم هذا السرد الغني بالأحداث، يغيب أي وصف ملموس ودقيق لمظهر مونيت - ملامح الوجه ونظرات العين والقامة وطريقة المشي- وهي العناصر التي تضفي عادة حضورا حيويا للشخصيّة. بدلا من ذلك، يكتفي الراوي بسرد تفاصيل ثانويّة مثل نوعيّة ملابسها وميولها الموسيقية، وأنماط الرقص التي تمارسها.

تبقى مونيت رمزا مُعلّقا، غير مُجسّد لا شكليّا ولا سرديا، وتغيب مرّة أخرى الذات النسائية المتفرّدة في خضم تأمّلات الراوي وهيمنته

لا يتجاوز هذا كونه استعراضا لأقنعة متغيّرة أكثر من تطوّر داخلي حقيقي للشخصيّة؛ فهي تارة سيمون بوشرون، نادلة على شاطئ الميناء؛ وتارة سيليمين تاركوين، نجمة ملهى ليلي في باريس؛ وتارة أخرى الرفيقة لوماتا، المشاركة في مؤتمر أفريقي بجنوب أفريقيا. ومع ذلك، فهذه التحوّلات، وإن بدت متعدّدة، تظلّ ثابتة في جوهرها، إذ لا نراها إلّا من خلال ذاكرة الراوي وانفعالاته الذاتيّة.

تعود سيمون، التي صارت مشهورة في فرنسا باسمها الفني "كوليلي" (أي "مرحبًا" بلغة اللينغالا)، إلى بلدها الأصلي رغبة في إعادة توجيه طاقتها الإبداعية، لكنّها تموت فجأة بسبب حمى غامضة. هكذا، يفشل الرمز - اتحاد الزنبق الفرنسي بالزهرة الأفريقيّة المتوهّجة - في أن يتجسّد فعليّا في كيان حيّ مكتمل. تبقى مونيت رمزا مُعلّقا، غير مُجسّد لا شكليّا ولا سرديا، وتغيب مرّة أخرى الذات النسائية المتفرّدة في خضم تأمّلات الراوي وهيمنته.

تمثيل المرأة في الرواية الأفريقية الناطقة بالفرنسية ظلّ أسير بنية ثقافية تعتمد على الرمز لا على الذات

في رواية "بولكا" (1998) Polka)) للكاتب الطوغولي كوسي إيفوي، يتكرّر نمط الغياب الرمزي عبر شخصية ناهيما، التي يقع إدغار في حبها من النظرة الأولى من خلال بطاقة بريديّة. يوصف شكلها بتكرار شبه طقوسي: رأس مائل وضفائر كأسلاك وثديان مشدودان وابتسامة للأشجار. كل هذا يكرّس غيابها كذات واقعية. وحتى حين يصف الراوي رقصها، يستخدم لغة شاعرية مجردة: "أخشى أن تطير إلى السماء، فأستخرج عشرة آلاف نغمة في الثانية لأربطها بالأرض". يحاول الراوي تجميل صورتها عبر رموز ميثولوجية مثل: بلقيس وبيرينيس والعذراء السوداء، لكن دون منحها استقلاليّة سردية أو نفسية. تظلّ ناهيما "الغائبة، الأميرة، الإثيوبية"، كما يُسقط عليها الراوي شبكة رموزه دون أن نسمع لها صوتا. ينتهي السرد بانتحار إدغار، لكن الرواية تفشل في إقناع القارئ بمبرّراته العاطفية، نظرا لضعف البناء السيكولوجي.

من خلال هذه الأمثلة، يمكن القول إنّ تمثيل المرأة في الرواية الأفريقية الناطقة بالفرنسية ظلّ أسير بنية ثقافية تعتمد على الرمز لا على الذات. رغم حداثة بعض الأساليب، تبقى الشخصيات النسائية "صورا" لا ذواتا. وذلك عائد إلى عوامل عدّة: حضور المخيال الجماعي التقليدي والتأثّر بالأدب الفرنسي الكلاسيكي وضعف التمثيل النسوي الذاتي وغياب التعدّد في وجهات النظر السردية.

يتجلّى ذلك أيضا في غياب صوت المرأة كراوية، أو كتجربة داخليّة مكتملة. غالبا ما تتجسّد الحبيبة في ذاكرة البطل، أو في شبكته الرمزية، لا في الواقع السردي. إنّها صورة مثالية لكنّها فاقدة للحضور.

بنية الرواية رغم تجديدها على المستوى الشكلي، غالبا ما تعيد إنتاج تمثيل تقليدي للمرأة، ما يجعل التحرّر الفني غير متزامن مع تحرّر التمثيل

من منظور نقدي بنيوي، يمكن اعتبار هذه السمة انعكاسا لاستمرار سيطرة النموذج الذكوري في التخييل السردي، حتى لدى كتّاب ينتهجون تقنيات الحداثة أو الطليعيّة. بنية الرواية رغم تجديدها على المستوى الشكلي، غالبا ما تعيد إنتاج تمثيل تقليدي للمرأة، ما يجعل "التحرّر الفني" غير متزامن مع "تحرّر التمثيل".

هذه المفارقة تبرز بوضوح حين نقارن بين ما تُتيحه الرموز الثقافية من إمكانات فنية، وبين ما تُنتجه من حدود تمثيليّة، إذ تتكرّر الأقنعة، الدمى، الأقوال الشعبية، دون أن تتحوّل المرأة إلى كيان مستقلّ. إنها دائما "رمز لشيء آخر" وليست ذاتا قائمة.

يتيح لنا تحليل هذه النماذج الروائيّة قراءة نقدية مزدوجة: من جهة، نثمّن التوظيف الرمزي الغني بالحمولات الثقافية؛ ومن جهة أخرى، نُشير إلى محدودية التمثيل الأنثوي وافتقاره للتماسك النفسي والفردية السردية. ورغم محاولات بعض الكتّاب مثل كوروما كسر هذا النمط، يظلّ الأدب الأفريقي الفرانكوفوني بحاجة إلى إعادة نظر في كيفية بناء الشخصيات النسائية، لا بوصفهن رموزا للتقاليد أو الجماعة، بل كذوات مكتملة تتفاعل مع التاريخ والجمال والواقع على حدّ سواء.