تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 8 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

الحوار الوطني الإثيوبي.. العقد الفيدرالي على المحك

2 أغسطس, 2026
الصورة
الحوار الوطني الإثيوبي.. العقد الفيدرالي على المحك
Share

انطلق مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي في أديس أبابا، في 15 يوليو/تموز، بمشاركة أكثر من أربعة آلاف شخص جرى اختيارهم وفق آلية تقول لجنة الحوار الوطني إنها حصيلة أربع سنوات من المشاورات، شملت أكثر من 1200 مقاطعة.

غير أن السؤال الأساسي الذي يشغل كثيرين في الإقليم الصومالي لا يتعلق بمدى نجاح الحوار بقدر ما يتعلق بالغاية التي يُراد له أن يحققها. فإذا استُخدم هذا المسار في نهاية المطاف لإعادة التفاوض بشأن النظام الدستوري الذي أُرسي عام 1995، فمن المرجح أن يراه الصوماليون محاولة لإعادة صياغة التسوية الفيدرالية من دون إشراك الفئات الأكثر اعتمادا على ضماناتها، لا مسارا حقيقيا للمصالحة الوطنية.

تجربة الفيدرالية

لطالما اتسمت علاقة الإقليم الصومالي بالفيدرالية الإثيوبية بالتعقيد والتناقض. فمن جهة، أخفق النظام الفيدرالي في تحقيق كثير من المكاسب السياسية والاقتصادية التي وعد بها؛ إذ لا تزال السلطة السياسية متركزة في أديس أبابا، بينما لا تتمتع الحكومات الإقليمية إلا بنفوذ محدود في صنع القرار على المستوى الوطني.

وقد عكست النقاشات التي عُقدت في جيجيغا عام 2025 انطباعا واسعا بأن الحكومات المتعاقبة، سواء في عهد الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية أو حزب الازدهار، تعاملت مع الإدارات الإقليمية باعتبارها امتدادا للمركز، لا مؤسسات سياسية مستقلة تتمتع بصلاحيات فعلية.

في السياق نفسه، لا يزال تمثيل الصوماليين ضعيفا في مختلف المؤسسات الفيدرالية، بما فيها القضاء والجيش والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية. كما لم تُحدث تعيينات المسؤولين الصوماليين في مناصب فيدرالية رفيعة تغييرا ملموسا في هذا الواقع، ولم تنجح في تبديد الشعور السائد بالتهميش.

لا تختلف الصورة الاقتصادية كثيرا، فعلى الرغم من الموقع الاستراتيجي للإقليم الصومالي ووقوعه على الممر الرئيسي الذي يربط إثيوبيا بالبحر، فإنه لا يزال متأخرا عن أجزاء واسعة من البلاد في مجالات البنية التحتية، وتغطية الكهرباء والاتصالات، والاستثمار في التعليم. كذلك ظلت سبل عيش الرعاة، التي يعتمد عليها قسم كبير من السكان، تحتل موقعا هامشيا في خطط التنمية الوطنية. وقد راكم هذا الواقع شعورا واسعا بالإحباط من التطبيق العملي للفيدرالية، من دون أن يقود بالضرورة إلى رفض الفيدرالية في حد ذاتها.

رهانات دستورية

يرى كثير من الصوماليين أن الخلل لا يكمن في الإطار الدستوري نفسه، بل في طريقة تطبيقه. لذلك، تحتفظ المواد 8 و39 و41 من دستور عام 1995 بمكانة محورية في التفكير السياسي الصومالي، لما توفره من ضمانات لحق تقرير المصير وقيود على سلطة المركز. ففي نظام سياسي تتمتع فيه الجماعات الأكثر عددا بنفوذ أكبر، غالبا ما تُعدّ هذه الضمانات الدستورية خط الدفاع الأساسي في مواجهة التهميش السياسي.

من هنا يتصاعد القلق بشأن بند «هيكل الدولة» المدرج في جدول أعمال الحوار الوطني. فعلى الرغم من أن لجنة الحوار لم تطرح تعديلات دستورية محددة، يخشى كثير من رموز المعارضة والفاعلين في الأقاليم أن تُستخدم العملية لإضعاف الفيدرالية الإثنية، أو تفريغ المادة 39 من مضمونها، أو تمهيد الطريق أمام الانتقال إلى نظام سياسي أكثر مركزية.

في الذاكرة السياسية الصومالية، تعود جذور هذه المسألة إلى مرحلة أسبق بكثير. إذ يربط كثير من الصوماليين نشأتها بإلحاق الأراضي الصومالية بالدولة الإثيوبية، وبالاتفاقيات التي نُقلت بموجبها منطقتا الحوض وأوغادين من دون مشاركة الصوماليين أو موافقتهم

تعززت هذه المخاوف عقب تقارير أفادت بأن اجتماعات حزب الازدهار، التي عُقدت في مدينة أداما مطلع هذا الشهر، ناقشت تعديلات دستورية جوهرية، شملت إعادة هيكلة الأقاليم، وخصخصة الأراضي، وإعادة تنظيم الحدود الإدارية، واستحداث نظام شبه رئاسي.

كما تتداول الأوساط السياسية مقترحات يُقال إنها تقضي بتقسيم الإقليم الصومالي إلى ثلاث وحدات، وإقليم أوروميا إلى ست وحدات، وإقليم أمهرة إلى أربع. لكن تحقق هذه المقترحات من عدمه يكاد يكون مسألة ثانوية مقارنة بأثرها السياسي؛ إذ أسهم مجرد تداولها في ترسيخ المخاوف من أن تمضي عملية الإصلاح الدستوري قبل التوصل إلى توافق وطني بشأن مستقبل الاتحاد الفيدرالي نفسه.

أزمة الشرعية

أُطلق الحوار الوطني عام 2022 بموجب الإعلان رقم 1265 لسنة 2021، بهدف معالجة الخلافات المتعلقة بالهوية، وهيكل الدولة، وحق تقرير المصير. ومع ذلك، رافقت التساؤلات بشأن شرعية العملية ومصداقيتها مسار الحوار منذ بدايته.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024، علّقت الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين مشاركتها بسبب خلافات حول آلية اختيار المشاركين. ولا يزال إقليم تيغراي غائبا عن العملية، بينما تواصل النزاعات عرقلة المشاركة في أجزاء من إقليمي أمهرة وأوروميا.

يشير المنتقدون كذلك إلى هيمنة حزب الازدهار شبه المطلقة على البرلمان، في وقت يتولى فيه البرلمان الإشراف على لجنة الحوار الوطني الإثيوبية. ويضاف إلى ذلك غياب ضمانات مؤسسية قوية تكفل استقلال اللجنة عن السلطة السياسية.

كما تحولت اللغة إلى مصدر آخر للانتقاد، فعلى الرغم من التنوع اللغوي الواسع في إثيوبيا، أُنجز جانب كبير من أعمال اللجنة باللغة الأمهرية، مع إتاحة محدودة لاستخدام اللغات الرئيسية الأخرى، ومنها اللغة الصومالية. وبطعبية الحالة، لا تسقط هذه المخاوف شرعية الحوار تلقائيا، لكنها تضعف الثقة بقدرته على التوصل إلى نتائج تحظى بقبول واسع لدى مختلف أطياف المشهد السياسي الإثيوبي.

الذاكرة التاريخية

يعكس جانب من الخلاف الدائر بشأن الإصلاح الدستوري تباينا أعمق في فهم المسألة القومية في إثيوبيا. فكثير من المثقفين الإثيوبيين يعيدون النقاشات المعاصرة حول حق تقرير المصير إلى النشاط الطلابي في ستينيات القرن الماضي، ولا سيما أفكار والليني مكونن وتأثيره.

يرى كثير من الصوماليين أن الخلل لا يكمن في الإطار الدستوري نفسه، بل في طريقة تطبيقه. لذلك، تحتفظ المواد 8 و39 و41 من دستور عام 1995 بمكانة محورية في التفكير السياسي الصومالي، لما توفره من ضمانات لحق تقرير المصير وقيود على سلطة المركز

أما في الذاكرة السياسية الصومالية، فتعود جذور هذه المسألة إلى مرحلة أسبق بكثير. إذ يربط كثير من الصوماليين نشأتها بإلحاق الأراضي الصومالية بالدولة الإثيوبية، وبالاتفاقيات التي نُقلت بموجبها منطقتا الحوض وأوغادين من دون مشاركة الصوماليين أو موافقتهم. ولذلك، تسبق هذه القضية النقاشات الدستورية التي أعقبت نهاية العهد الإمبراطوري بعقود.

يساعد هذا التباين في قراءة التاريخ على تفسير المكانة الخاصة التي تحتلها الضمانات الدستورية لحق تقرير المصير في السياسة الصومالية، وهي مكانة لا تحظى دائما بالتقدير الكامل في بقية أنحاء إثيوبيا.

مدينة دير داوا

يكتسب بند المدن الفيدرالية في جدول أعمال الحوار الوطني أهمية خاصة بالنسبة إلى الإقليم الصومالي، نظرا إلى الوضع المعقد لمدينة دير داوا. فعلى خلاف أديس أبابا، التي يحدد الدستور وضعها بوضوح، لا تزال دير داوا خاضعة للإدارة الفيدرالية بموجب ترتيبات كان يُفترض منذ البداية أن تكون مؤقتة.

في نهاية المطاف، قد لا يتوقف مستقبل الفيدرالية الإثيوبية على قدرة الحوار الوطني على التوصل إلى اتفاق، بقدر ما يتوقف على اقتناع المشاركين فيه بأن قواعد الاتحاد الفيدرالي تُطبّق على الجميع على قدم المساواة

من المتوقع أن يتناول الحوار عددا من القضايا المرتبطة بالمدينة، من بينها وضعها القانوني، ونظام إدارتها، وحدودها الإدارية، وآليات تقاسم مواردها. ونظرا إلى أهميتها الاقتصادية ووجود عدد كبير من السكان الصوماليين فيها، فمن المرجح أن تكون أي تغييرات تطال وضعها موضع متابعة دقيقة من جانب الفاعلين السياسيين الصوماليين.

بالنسبة إلى كثيرين في الإقليم، لا تقتصر القضية على إدارة المدينة وشؤونها البلدية، بل تتصل أيضا بالتمثيل السياسي والنفوذ وموازين القوى الأوسع داخل النظام الفيدرالي الإثيوبي.

اختبار حاسم

تبدو مطالب الإقليم الصومالي متواضعة نسبيا؛ تمثيل حقيقي في المؤسسات الفيدرالية، واستثمار اقتصادي عادل، واحترام الضمانات الدستورية، ومشاركة فعلية في القرارات التي تمس بنية الاتحاد الفيدرالي. لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الحوار الوطني قادرا على توفير هذه الضمانات.

فإذا أفضت العملية إلى مشاركة واسعة وتوافق قائم على التفاوض، فقد تسهم في تعزيز النظام الفيدرالي الإثيوبي وترسيخ شرعيته. أما إذا مضت عملية إعادة الهيكلة الدستورية من دون هذا التوافق، فمن المرجح أن يخلص كثير من الصوماليين إلى أن العقد الفيدرالي قابل لإعادة الصياغة كلما سمحت الظروف السياسية بذلك.

لن تقتصر تداعيات مثل هذا الاستنتاج على الإقليم الصومالي وحده، بل ستمتد إلى مستقبل النظام الفيدرالي في إثيوبيا بأسره. ففي نهاية المطاف، قد لا يتوقف مستقبل الفيدرالية الإثيوبية على قدرة الحوار الوطني على التوصل إلى اتفاق، بقدر ما يتوقف على اقتناع المشاركين فيه بأن قواعد الاتحاد الفيدرالي تُطبّق على الجميع على قدم المساواة.

 

المزيد من الكاتب