الأحد 9 أغسطس 2026
أثار قرار كينيا إعادة هيكلة جزء من ديونها الصينية وتحويلها من الدولار الأمريكي إلى اليوان الصيني اهتماماً متزايداً لدى عدد من الدول الأفريقية والآسيوية المثقلة بالديون، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تمثل تحولاً مهماً في طبيعة التمويل الصيني الخارجي وتوسعاً تدريجياً لدور العملة الصينية في الاقتصاد العالمي.
كشف تقرير جديد صادر عن مؤسسة "إيد داتا" (AidData)، وهي مركز أبحاث متخصص في تمويل التنمية الدولية، أن التجربة الكينية أصبحت محل دراسة من قبل دول عدة، بينها إثيوبيا وموزمبيق وزامبيا وباكستان وإندونيسيا، بحثاً عن سبل لتقليل أعباء خدمة الديون المرتبطة بالدولار الأمريكي والاستفادة من تكاليف الاقتراض الأقل المرتبطة باليوان الصيني.
كانت كينيا قد توصلت إلى اتفاق مع بنك التصدير والاستيراد الصيني لإعادة هيكلة ثلاثة قروض رئيسية استخدمت في تمويل مشروع السكك الحديدية القياسي الذي يربط ميناء مومباسا بالعاصمة نيروبي. وشملت العملية تحويل القروض من الدولار إلى اليوان، إلى جانب تمديد آجال السداد ومنح فترات سماح إضافية، ما أدى إلى خفض مدفوعات خدمة الدين بنحو 215 مليون دولار سنوياً وفقاً لتقديرات التقرير.
يأتي هذا التطور في وقت تواجه فيه العديد من الاقتصادات النامية ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وقوة الدولار الأمريكي، الأمر الذي رفع كلفة سداد الديون الخارجية المقومة بالعملة الأمريكية. وبالنسبة لكينيا، التي تعد الصين أكبر دائن ثنائي لها، فإن تخفيض مدفوعات الدين يوفر متنفساً مالياً مهماً للحكومة في ظل التحديات الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد.
يرى خبراء أن الخطوة الكينية لا تقتصر على كونها إجراءً مالياً لتخفيف أعباء الديون، بل تحمل أبعاداً جيوسياسية أوسع. فالصين تسعى منذ سنوات إلى تعزيز استخدام عملتها الوطنية، الرنمينبي أو اليوان، في التجارة والتمويل الدوليين بهدف تقليص الاعتماد العالمي على الدولار. ويشير تقرير AidData إلى أن بنك التصدير والاستيراد الصيني بات يشجع، وفي بعض الحالات يشترط، استخدام اليوان في القروض الجديدة وإعادة هيكلة القروض القائمة، مستشهداً بحالات حديثة في سريلانكا وبنغلاديش.
تبرز إثيوبيا بوصفها إحدى الدول الأكثر استفادة المحتملة من النموذج الكيني. فبحسب الدراسة، يمكن لأديس أبابا أن توفر ما يقارب 169 مليون دولار إذا تم تحويل بعض قروضها المرتبطة بمشاريع البنية التحتية إلى اليوان وفق أسعار الفائدة الصينية الحالية. وقد ترتفع الوفورات إلى نحو 778 مليون دولار إذا حصلت إثيوبيا على شروط إعادة هيكلة مماثلة لتلك التي حصلت عليها كينيا.
غير أن التقرير يحذر من أن التحول إلى اليوان ليس خالياً من المخاطر. فالدول المقترضة ستظل بحاجة إلى تأمين احتياطيات كافية من العملة الصينية لسداد التزاماتها، كما أن اليوان لا يزال أقل انتشاراً وسيولة من الدولار في الأسواق المالية العالمية. وبالتالي فإن أي تراجع في قيمة العملات المحلية أمام اليوان أو ارتفاع تكاليف الحصول عليه قد يقلل من المكاسب المتوقعة من انخفاض أسعار الفائدة.
تأتي هذه التطورات في سياق أوسع يشهد تنامياً في استخدام اليوان داخل أفريقيا. فقد سجلت التجارة الصينية الأفريقية نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، بينما بدأت بنوك ومؤسسات مالية أفريقية في تطوير أدوات للتسوية بالعملة الصينية. كما أن عدداً من الدول، مثل زامبيا، اتخذ خطوات لقبول مدفوعات ورسوم معينة باليوان في إطار إدارة التزاماتها المالية تجاه الصين.
يعتبر بعض المحللين أن التجربة الكينية قد تصبح نموذجاً جديداً لإدارة الديون في دول الجنوب العالمي، خاصة في ظل تراجع القروض الصينية التقليدية المقومة بالدولار وتحول بكين نحو أدوات تمويل أكثر ارتباطاً باليوان. ومع ذلك، فإن نجاح هذا النموذج سيعتمد على قدرة الدول المقترضة على إدارة مخاطر العملات الأجنبية، وعلى مدى استعداد المؤسسات المالية الصينية لتقديم شروط إعادة هيكلة مماثلة لدول أخرى تواجه أزمات ديون متفاقمة.