الثلاثاء 21 أبريل 2026
مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024، تعرضت صناعة الكبتاغون التي ازدهرت خلال سنوات الحرب السورية لاهتزاز كبير، الأمر الذي دفع شبكات الإنتاج والتهريب المرتبطة بها إلى إعادة توزيع جغرافيا نشاطها بحثًا عن بيئات أكثر هشاشة وأقل قدرة على فرض الرقابة. في هذا السياق، برز السودان كساحة لإعادة تموضع هذه الشبكات، خصوصًا في ظل الاضطراب الذي تشهده البلاد منذ اندلاع النزاع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023.
كشف المرصد السوداني للشفافية والسياسات (STPT) أن القدرة علي إنتاج الكبتاغون في السودان شهدت توسعًا ملحوظًا خلال فترة وجيزة، إذ تحولت المنشآت المرتبطة بهذه الصناعة من قدرة إنتاجية تقدَّر بنحو 7200 حبة في الساعة في يونيو/حزيران 2023 إلى مركز صناعي واسع النطاق قادر على إنتاج نحو 100 ألف حبة في الساعة بحلول عام 2025. مما يشير إلى توسع واضح في حجم عمليات التصنيع والبنية التشغيلية المرتبطة بها، بما يعكس انتقال النشاط من نطاق محدود إلى مستوى أكثر تنظيمًا.
قبل اندلاع النزاع المسلح في السودان، نشطت قوات الدعم السريع في تجارة وتهريب المخدرات عبر الحدود بين السودان وكلٍّ من ليبيا وتشاد، وصولًا إلى بعض الأسواق في دول الخليج، مستفيدة من الحصانة السياسية والحماية الأمنية التي وفرها لها الرئيس السوداني السابق عمر البشير. وساعد انتشار قواتها في مناطق واسعة من البلاد على تأمين خطوط النقل، عبر عدد من المراكز الحدودية والمدن الرئيسة، مثل: الطينة ومالحة والجنينة ومليط، وصولًا إلى الخرطوم.
أشار تقرير صادر في أكتوبر/تشرين الأول 2019، إلى تورط أفراد رفيعي المستوى من قوات الدعم السريع في تهريب المخدرات، من بينهم النقيب محمد جمعة دقلو المعروف بـ"جنيد" وأحمد آدم عيسى، الحارس الشخصي لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي". وقبل عام 2019 كان مخدر البنقو المحلي الأكثر انتشارًا في السودان، غير أن سنوات بداية النزاع شهدت انتشارًا متزايدًا لمخدر الميثامفيتامين، وهو ما عزته وسائل إعلام مستقلة إلى توسيع قوات الدعم السريع شبكات الاتجار بالمخدرات.
هذه الكميات المضبوطة تفوق بكثير القدرة الشرائية داخل السودان، فإن ذلك يعزز التقديرات التي تشير إلى أن البلاد لا تمثل سوقًا للاستهلاك فحسب، بل باتت تؤدي دورًا متزايد كنقطة عبور وانطلاق لشبكات لتهريب المخدرات
عام 2022، قدرت شرطة ولاية جنوب دارفور مساحات الأراضي المزروعة بمخدر البنقو في منطقة رادوم بنحو 20 ألف فدان، تتركز على طول الحدود مع تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى. وبحسب مسؤول في إدارة مكافحة المخدرات السودانية، فإن هذه الأراضي كانت تُزرع بتمويل من قوات الدعم السريع، التي تتولى لاحقًا تهريب المحصول عبر الحدود الغربية للسودان وتقاسم الأرباح مع المزارعين.
مع استمرار توسع شبكات تهريب المخدرات التي أسستها قوات الدعم السريع، وصلت تجارة المخدرات في السودان إلى ذروتها في عام 2025، إذ يُعد هذا العام الأعلى من حيث ضبطيات المخدرات، فقد ضبطت السلطات ما يتجاوز أربعة أطنان من مخدر الآيس، إلى جانب ملايين الحبوب من الترامادول والكبتاغون، فضلًا عن أطنان من مخدري البنقو والشاشمندي. يتزامن ذلك مع تسجيل 19 حالة مرتبطة بعمليات تصنيع المخدرات بين عامي 2015 و2025. وبالنظر إلى أن هذه الكميات المضبوطة تفوق بكثير القدرة الشرائية داخل السودان، فإن ذلك يعزز التقديرات التي تشير إلى أن البلاد لا تمثل سوقًا للاستهلاك فحسب، بل باتت تؤدي دورًا متزايد كنقطة عبور وانطلاق لشبكات لتهريب المخدرات.
في هذا الإطار، يقول مجدي مفضل، المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، إن الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات أدت إلى تعقيد جهود البلاد في مكافحة المخدرات، إذ أسهمت حالة الانفلات الأمني في تعميق الصلة بين التمرد المسلح والجريمة المنظمة. ومع اتساع نطاق انتشار الأسلحة في مناطق الصراع، باتت هذه البيئة تغذي شبكات تهريب المخدرات وتوفر لها الحماية، الأمر الذي يزيد من صعوبة جهود الضبط الأمني، ويقوض قدرة السودان على الحد من تنامي هذا النشاط غير المشروع.
يشير مؤشر الجريمة المنظمة في أفريقيا إلى أن عمليات تهريب المخدرات في السودان تُدار بشكل رئيسي عبر موانئ البحر الأحمر، خصوصًا في ظل وقوع عمليات اعتراض متكررة بالقرب من ميناء بورتسودان. ففي يناير/كانون الثاني 2026، ضبطت قوات مكافحة التهريب بولاية البحر الأحمر 176 ألف حبة كبتاغون، وهو ما يؤكد أن السودان لم يعد مجرد سوق محلي.
تدخل المخدرات إلى السودان، وفقًا لتقارير منظمة الأمم المتحدة المعنية بالجريمة، عبر ممريْن رئيسيين يحددان خطوط التهريب الأساسية: الأول يمتد عبر الحدود الغربية مع تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطي، مرورًا بمراكز العبور في منطقة الساحل، التي أصبحت معقلاً لتجارة المخدرات، وصولًا إلى موانئ البحر الأحمر وبحر العرب، فيما يشمل الثاني شبكة دولية تمتد من أفغانستان عبر إيران والدول الخليجية وصولًا إلى شرق وشمال أفريقيا. وتشير هذه المسارات إلى أن السودان أصبح جزءًا محوريًا من شبكة إقليمية واسعة لتهريب المخدرات.
تشير التقارير إلى أن تجارة المخدرات تُمارس بشكل علني في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، بما يتيح لها تمويل عملياتها العسكرية وتوسيع نفوذها في بيئة أمنية هشة
في امتداد لمسارات التهريب الدولية، نقل معهد نيو لاينز عن وزارة الداخلية السورية أن عناصر من نظام بشار الأسد وسّعوا عملياتهم في تجارة المخدرات لتشمل دول أفريقيا، مستفيدين من حالة الحرب في السودان لتوسيع أنشطة التصنيع والاتجار. وأوضح المعهد أن المواد الأولية اللازمة للإنتاج يتم تهريبها من سوريا وليبيا، إضافة إلى وصول شحنات من الهند إلى السودان.
يقول ضابط سابق في قوات الدعم السريع إن المخدرات كانت تُنقل من مناطق الإنتاج في شمال الخرطوم، التي كانت تحت سيطرت قوات الدعم السريع حتى مايو/ أيار 2025، عبر سهول البطانة، بمساعدة قوات درع السودان التي كانت جزءًا من قوات الدعم السريع قبل انشقاقها في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وصولًا إلى البحر الأحمر. وقد اتهمت وزارة الداخلية السودانية قوات الدعم السريع باستخدام 43 جزيرة في البحر الأحمر كقواعد لتهريب المخدرات عبر القوارب.
في سياق التحولات الأخيرة، من شأن بروز السودان كمركز لإنتاج وعبور المخدرات عبر البحر الأحمر-خصوصًا بعد تشديد الرقابة الأمنية على المنافذ الحدودية البرية- أن يفرض تهديدًا متزايدًا على دول الخليج. فقد ضبطت قوات مكافحة التهريب بولاية البحر الأحمر في 19 يناير/كانون الثاني 2026 حوالي 486 كيلوجرامًا من المخدرات في عملية وصفتها وكالة الأنباء السودانية بأنها الأكبر من نوعها في الولاية خلال السنوات الأخيرة، ويكتسب هذا الضبط أهمية إضافية نظرًا لأن هذه المواد تمثل المنشط المفضل للشباب في منطقة الخليج.
يؤكد كبير مديري السياسات في منظمة "FDD Action" أن السودان بات مركزًا إقليميًا متناميًا لإنتاج وتهريب الكبتاغون، مشيرًا إلى أن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا لا يؤدي إلا إلى تعقيد شبكات تجارة المخدرات، إذ تسعى هذه الشبكات لتعويض الفجوات الناتجة عن إغلاق المختبرات السورية. وأضاف أن السودان من غير المرجح أن يتحول إلى دولة مخدرات كاملة، لكنه يمكن أن يزعزع استقرار المنطقة عبر إعادة توجيه سلاسل الإمداد، وتمكين شبكات الجريمة المنظمة من توسيع نشاطها الإقليمي.
كشف تحقيق أن قوات الدعم السريع توظف موسي إمبيلو، الذي يوصف بأنه أحد أكبر تجار المخدرات في أفريقيا، لتسهيل تهريب وتجارة المخدرات الخاصة بالقوات، بالتنسيق مع عبد الرحيم دقلو، القيادي في الميليشيا والمشرف على مزارع البنقو في إقليم دارفور. يأتي ذلك في ظل توسع المساحات المزروعة بالمخدرات في الإقليم، حيث تشير التقارير إلى أن تجارة المخدرات تُمارس بشكل علني في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، بما يتيح لها تمويل عملياتها العسكرية وتوسيع نفوذها في بيئة أمنية هشة.
السودان من غير المرجح أن يتحول إلى دولة مخدرات كاملة، لكنه يمكن أن يزعزع استقرار المنطقة عبر إعادة توجيه سلاسل الإمداد، وتمكين شبكات الجريمة المنظمة من توسيع نشاطها الإقليمي
كما تستغل الجماعات القبلية المسلحة الموالية لقوات الدعم السريع تجارة وتهريب المخدرات، وعلى رأسها قبيلة الرزيقات، لتمويل عملياتها العسكرية وتوسيع نفوذها في مناطق الصراع. وتعد مدينة الضعين في ولاية شرق دارفور، التي يقطنها أفراد قبيلة الرزيقات، نقطة عبور رئيسية لشحنات المخدرات من مناطق الإنتاج في جنوب دارفور نحو شمال وشرق السودان، ما يعكس الدور الحيوي لهذه الشبكات القبلية في تعزيز الاقتصاد غير المشروع المرتبط بالصراع العسكري في البلاد.
وفي سياق تعميق اقتصاد الظل المرتبط بالصراع، يوضح تقرير أن قادة من الصف الأول في ميليشيا درع السودان، لا سيما بشير حمور، متورطون بشكل مباشر في تجارة المخدرات. وينشط حمور ضمن شبكة واسعة للاتجار بالبشر والمخدرات تمتد من إثيوبيا إلى الصومال، ويتضح هذا النشاط عند دخول القوات المسلحة السودانية إلى منطقة العيلفون التي تسيطر عليها الميليشيا، حيث عُثر على ستة براميل من المخدرات. تشير المعلومات إلى أن حيمور يحتفظ بعلاقة وثيقة مع قائد قوات الدعم السريع حميدتي، ما يعكس الترابط بين الصف الأول للميليشيات وأنشطة تهريب المخدرات عبر الحدود.
يتضح أن السودان لم يعد مجرد ساحة نزاع محلية، بل أصبح مركزًا إقليميًا لإعادة إنتاج وتهريب المخدرات، حيث تتداخل مصالح الميليشيات المسلحة والقبائل والنخب العسكرية مع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. هذا الواقع يضع السودان في قلب شبكة إقليمية واسعة تُعيد تشكيل اقتصاد الظل ونمط النزاع. ومع استمرار الانفلات الأمني وتوسع قدرات الإنتاج، يصبح من الصعب تصور حل جذري دون إصلاحات شاملة تعيد هيبة الدولة، وتقطع الرابط بين الحرب والاقتصاد غير المشروع.