تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

الحرب على إيران وتداعياتها الأفريقية: قراءة جيواستراتيجية

25 مارس, 2026
الصورة
الحرب على إيران وتداعياتها الأفريقية: قراءة جيواستراتيجية
Share

في لحظة دولية تتسم بتسارع التحولات وتآكل قواعد الاستقرار التقليدية، يعود منطق القوة ليحتل موقعًا مركزيًا في إعادة تشكيل العلاقات بين الدول. لم تعد النزاعات مجرد صراعات حدودية أو أزمات عابرة، بل تحوّلت إلى حلقات ضمن سيرورة أوسع لإعادة توزيع النفوذ العالمي، حيث تتداخل الاعتبارات الجيوسياسية مع رهانات الطاقة وسلاسل الإمداد والهيمنة التكنولوجية. في هذا السياق المضطرب، تبرز الحرب على إيران بوصفها لحظة كاشفة، ليس فقط لطبيعة التوازنات الإقليمية، بل أيضا للامتدادات العميقة للصراع في فضاءات أخرى، وعلى رأسها أفريقيا، التي تجد نفسها مرة أخرى في قلب تنافس دولي متجدد.

في 28 فبراير/شباط 2026، شنّت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي الصهيوني هجوما مشتركا على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد أسفر الهجوم، بحسب الرواية المتداولة، عن سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، بينهم ما لا يقل عن 165 طفلة في ضربة استهدفت مدرسة ابتدائية في جنوب البلاد، إضافة إلى آلاف القتلى من المدنيين، فضلا عن قيادات سياسية وعسكرية، وكذلك المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد من أفراد أسرته.

يُنظر إلى هذا التصعيد بوصفه امتدادًا لنهج عسكري سبق أن ظهر في الحرب الدائرة في فلسطين، في سياق يتسم بتصاعد العنف، وتراجع الضوابط القانونية الدولية. كما يُربط بين هذه التطورات وعمليات عسكرية أخرى نُسبت إلى الولايات المتحدة في منطقة الكاريبي، باعتبارها مؤشرات على تحولات أعمق في بنية النظام الدولي.

ضمن هذا الإطار، يُقدَّم التحالف بين قوى سياسية داخل الولايات المتحدة والتيارات الداعمة لإسرائيل باعتباره محاولة لإعادة تشكيل التوازنات العالمية، بما يعيد إنتاج أنماط هيمنة تقليدية في ثوب جديد. ويُصوَّر الهجوم على إيران باعتباره مساسا بحق تقرير المصير لدولة ذات تاريخ عريق، مع الإشارة إلى أن تداعياته لا تقتصر على المجال الإقليمي، بل قد تمتد إلى القارة الأفريقية، حيث بدأت بعض آثاره في الظهور.

تبرز الحرب على إيران بوصفها لحظة كاشفة، ليس فقط لطبيعة التوازنات الإقليمية، بل أيضا للامتدادات العميقة للصراع في فضاءات أخرى، وعلى رأسها أفريقيا، التي تجد نفسها مرة أخرى في قلب تنافس دولي متجدد

ترتبط أفريقيا، ولا سيما شرقها، بعلاقات تاريخية عميقة مع غرب آسيا، تعود إلى ما قبل الحقبة الحديثة من السيطرة الغربية. وتبرز هذه الروابط في التفاعلات بين تنزانيا وعمان، وبين إثيوبيا وإريتريا واليمن، كما تظهر في الشواهد الأثرية في إقليم تيغراي، وفي أشكال التضامن التاريخي، مثل دعم مقاتلين يمنيين لحركة الاستقلال الإريترية، والتواصل مع الحركة الفلسطينية. غير أن هذه العلاقات، في السياق الراهن، تُقرأ ضمن بنية دولية غير متكافئة، حيث أدى التصعيد العسكري إلى تعميق التوترات، وإبراز منطق القوة كعامل حاسم في إعادة ترتيب مواقع الدول.

تُفهم السياسات الأمريكية في هذا السياق باعتبارها سعيًا إلى دعم التوسع الإسرائيلي، بما يضمن نفوذا إقليميا غير مباشر، في محاولة لتعويض تراجع المكانة الدولية. ويتجلى ذلك في تحركات تمتد إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية، تشمل اتفاقيات الموارد الطبيعية، والسياسات المرتبطة بالبيانات، والضغوط على بعض الدول المنتجة للطاقة. كما يُتوقع أن ينعكس هذا المسار على التوازنات الداخلية داخل الولايات المتحدة نفسها، سواء على مستوى النخب الحاكمة أو الرأي العام.

أما في أفريقيا، فقد بدأت بعض التداعيات في الظهور، مما يفرض متابعة دقيقة لمسارات التفاعل الإقليمي. وتشمل هذه التفاعلات ردود فعل الدول والشعوب في غرب آسيا، حيث تتقاطع أوضاع دينية واجتماعية متعددة في ظل ظروف اقتصادية وسياسية معقدة. وترتبط بعض الأنظمة بتحالفات دولية قائمة، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا ناجمة عن الترابط الإقليمي. كما تطرح حوادث عسكرية غير متوقعة تساؤلات حول مواقف دول الخليج، في حين تعكس التطورات في مصر، خاصة ما يتعلق باللاجئين السودانيين والإريتريين، مؤشرات على تحولات داخلية مرتبطة بالسياق الإقليمي.

في المقابل، يُنظر إلى المواجهة مع إيران، بما تمتلكه من قدرات بشرية وعسكرية، باعتبارها عاملا يعزز الاعتماد الإسرائيلي على الدعم الأمريكي، ويدفع نحو توسيع الحضور في أفريقيا. وتبرز في هذا السياق أدوار بعض الدول الأفريقية في تسهيل تدفقات العمالة والهجرة، إلى جانب ارتفاع نسب مشاركة يهود من أصل إثيوبي في الخدمة العسكرية داخل إسرائيل، وهو ما يُقرأ ضمن سياق أوسع يتصل بالبنى الاجتماعية والسياسية.

كما تتقاطع هذه التطورات مع قضايا الهوية والهجرة، حيث تُطرح تساؤلات حول المعايير التي تحكم سياسات الدعم والحماية في حالات مختلفة، مثل: نيجيريا وجنوب أفريقيا. وفي الوقت ذاته، أدى الصراع في فلسطين إلى دفع إسرائيل نحو تعزيز حضورها في أفريقيا، خاصة في ظل الأهمية المتزايدة للبحر الأحمر ومضيق هرمز في منظومة التجارة والطاقة العالمية.

ضمن هذا السياق يأتي الاعتراف بصوماليلاند، لارتباطه باعتبارات استراتيجية تشمل الوصول إلى الموانئ وتعزيز الحضور البحري، خاصة مع تصاعد التوترات في الممرات الحيوية مثل باب المندب، وتأثير العمليات العسكرية في المنطقة على موانئ رئيسية. ومع استمرار النزاع، تتزايد أهمية أفريقيا بوصفها مجالًا للموارد الحيوية، بما في ذلك الغذاء والمياه، بالنسبة لدول الخليج.

كما تبرز أدوار دول مثل مصر ورواندا في إعادة تشكيل موازين النفوذ، في ظل تحركات دبلوماسية وأمنية متسارعة، تعكس محاولات لإعادة ترتيب الحضور الدولي في القارة. وفي هذا الإطار، يُستعاد تحليل والتر رودني حول طبيعة التقسيم السياسي في أفريقيا، باعتباره مدخلًا لفهم الديناميات الراهنة والتحديات المرتبطة بها.

أدى الصراع في فلسطين إلى دفع إسرائيل نحو تعزيز حضورها في أفريقيا، خاصة في ظل الأهمية المتزايدة للبحر الأحمر ومضيق هرمز في منظومة التجارة والطاقة العالمية

طُرحت فكرة الاعتراف بصوماليلاند سابقًا في سياق مبادرات إثيوبية، دون أن تتحقق بشكل كامل رغم توقيع تفاهمات في عام 2024. وتشير المعطيات إلى دور فاعل لدولة الإمارات في دعم هذه المسارات، خاصة في ظل انخراطها في النزاعات الإقليمية، مثل الحرب في تيغراي، وتحركاتها الدبلوماسية في المنطقة.

تقوم العلاقة بين الإمارات وإسرائيل على تقاطع مصالح استراتيجية، تشمل التعاون في مجالات الأمن السيبراني والدفاع، إضافة إلى تبادل التقنيات والخبرات. وقد شمل ذلك استخدام أدوات مراقبة متقدمة، وإنشاء منصات مشتركة لمواجهة التهديدات، إلى جانب تدريبات عسكرية وصفقات تسليح، واستثمارات في الصناعات الدفاعية داخل الإمارات.

تبرز في هذا السياق أدوار بعض الدول الأفريقية في تسهيل تدفقات العمالة والهجرة، إلى جانب ارتفاع نسب مشاركة يهود من أصل إثيوبي في الخدمة العسكرية داخل إسرائيل، وهو ما يُقرأ ضمن سياق أوسع يتصل بالبنى الاجتماعية والسياسية

يرتبط هذا التوجه أيضًا بعوامل داخلية، من بينها التركيبة السكانية، حيث يشكل المواطنون نسبة محدودة مقارنة بالوافدين، ما يدفع إلى توسيع النفوذ الخارجي، خاصة في أفريقيا، عبر الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية. وقد توسعت أنشطة شركات إماراتية في إدارة الموانئ الأفريقية، ضمن ترتيبات تشمل أحيانًا أبعادًا أمنية وعسكرية.

كما يظهر الدور الإماراتي في عدد من النزاعات، مثل اليمن والسودان، في سياق محاولات التأثير في موازين القوى الإقليمية. ومع تصاعد التوترات، بما في ذلك استهداف منشآت داخل الإمارات، تزداد أهمية هذه الشبكات الاستراتيجية.

وفي ظل تحولات التحالفات، يُتوقع أن تعتمد الإمارات بشكل أكبر على قوى محلية في أفريقيا، مع استمرار انخراطها في ملفات مثل إثيوبيا والصومال. ويُرجَّح أن يؤدي استمرار التصعيد إلى تعميق التوترات داخل القارة، وزيادة الضغوط على مجتمعاتها، في ظل تنافس دولي متزايد.

وفي ختام هذا المشهد، تبرز دعوات إلى تعزيز أشكال التضامن الإقليمي داخل أفريقيا، واستعادة المبادرة من قبل القوى الاجتماعية، مع الإشارة إلى الدور البارز الذي يمكن أن تضطلع به الحركات الشعبية، بما في ذلك المبادرات التي تقودها النساء، في مواجهة التحديات الراهنة وبناء مسارات بديلة للمستقبل.