الجمعة 15 مايو 2026
في خضم التصعيد العسكري الأمريكي/الإسرائيلي ضد إيران منذ الثامن والعشرين 28 من فبراير/شباط 2026، يتركز النقاش في واشنطن حول مسألتين أساسيتين: القدرة على حسم الحرب بسرعة، والقدرة على تحمل كلفتها إذا طال أمدها. تدور هذه المناقشات حول حجم المخزون العسكري، واستدامة الإنتاج الصناعي الدفاعي، وتقدير القدرات الإيرانية في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة. غير أن النقاش لم يبق محصورا داخل دوائر صنع القرار الأمريكية. فالعواصم الأفريقية تتابع هذه التطورات عن كثب، لأن نتائجها لا تتعلق بالشرق الأوسط وحده، بل تمتد إلى سؤال أوسع: إلى أي مدى يمكن التعويل على الحماية العسكرية الأمريكية في عالم متعدد الجبهات؟
لقد عاشت القارة السمراء خلال العقدين الماضيين تجربة طويلة من التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، سواء عبر قواعد عسكرية أو دعم استخباراتي أو عمليات مكافحة الإرهاب. وقد لعبت واشنطن دورا مركزيا في دعم الجيوش الأفريقية في مواجهة التنظيمات الجهادية في الساحل والقرن الإفريقي. بيد أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة - من الانسحاب الأمريكي من بعض القواعد إلى تصاعد المنافسة مع روسيا والصين - جعلت مسألة مصداقية الالتزام الأمريكي موضوع نقاش متزايد داخل الأوساط السياسية الأفريقية.
لا شك أن الحرب الحالية على إيران أعادت إحياء هذا النقاش، لكنها لا تفعل ذلك بطريقة بسيطة أو أحادية الاتجاه. فمن جهة، تعزز العمليات العسكرية الانطباع التقليدي بقوة الولايات المتحدة العسكرية. إذ تظهر واشنطن مرة أخرى قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، وتنسيق عمليات معقدة تشمل التفوق الجوي والاستخبارات الفضائية والصواريخ المتقدمة. مثل هذه القدرات تجعل الولايات المتحدة - في نظر كثير من الحكومات الأفريقية - الشريك الأمني الأكثر تطوراً من الناحية التقنية.
كفيل بهذا التطور أن يغدي لدى بعض العواصم الأفريقية شعورا بأن الشراكات الأمنية مع القوى الكبرى قد تكون قابلة للتغير بسرعة تبعاً للظروف السياسية
لكن في المقابل، يكشف الجدل الدائر داخل واشنطن عن جانب آخر من الصورة: محدودية الموارد عندما تتعدد الجبهات. خصوصا مع طرح سؤال الحماية الأمريكية لدول الخليج على المحك. فالتقارير التي تتحدث عن تسارع استهلاك الذخائر، والاجتماعات التي يعقدها البيت الأبيض مع شركات التصنيع العسكري لزيادة الإنتاج، تشير إلى أن حتى القوة العسكرية الأكبر في العالم تواجه تحديات مرتبطة بإدارة المخزون والقدرة الصناعية الدفاعية. وقد سبق أن أشار محللون إلى أن الدعم العسكري الضخم الذي قدمته الولايات المتحدة لأوكرانيا منذ عام 2022 استهلك جزءاً مهماً من ترسانتها، كما أن العمليات المرتبطة بالحرب في غزة ساهمت بدورها في الضغط على بعض الأنظمة التسليحية.
بالنسبة لكثير من الدول الأفريقية، فإن هذه المعطيات تطرح سؤالاً عملياً: إذا انخرطت واشنطن في حرب طويلة مع إيران، فهل ستظل أفريقيا ضمن أولوياتها الأمنية؟ المشكلة هنا لا تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على خوض الحرب، وإنما بمدى قدرتها على توزيع مواردها بين مناطق متعددة في الوقت نفسه.
يظهر تاريخ العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وأفريقيا أن هذا القلق ليس جديداً. ففي السنوات الأخيرة، شهدت القارة تراجعاً نسبياً في الحضور العسكري الأمريكي في بعض المناطق. وكان قرار واشنطن سحب قواتها من النيجر - التي كانت تستضيف واحدة من أهم قواعد الطائرات المسيرة الأمريكية في الساحل - مثالاً واضحاً على هشاشة الترتيبات الأمنية القائمة. فقد أدى الانقلاب العسكري في نيامي منذ يوليو/تموز 2023 إلى إنهاء الوجود العسكري الأمريكي هناك، ما ترك فراغاً استراتيجياً في منطقة تعد إحدى أكثر بؤر الإرهاب نشاطاً في العالم.
كفيل بهذا التطور أن يغدي لدى بعض العواصم الأفريقية شعورا بأن الشراكات الأمنية مع القوى الكبرى قد تكون قابلة للتغير بسرعة تبعاً للظروف السياسية. لذلك فإن الحرب على إيران قد تعزز هذا الانطباع، خصوصاً إذا بدت الولايات المتحدة مضطرة إلى تحويل جزء كبير من مواردها العسكرية نحو الشرق الأوسط.
أفريقيا ليست كتلة سياسية واحدة؛ فتصورات الثقة في الحماية الأمريكية تختلف بين الساحل والقرن الأفريقي وشمال القارة
غير أن الصورة ليست متشائمة بالكامل من وجهة النظر الأفريقية. ففي الواقع، ما زالت العديد من الدول الأفريقية ترى في الولايات المتحدة شريكاً أمنياً لا غنى عنه. وقد أظهرت بعض الحكومات استعدادها لتعزيز التعاون مع واشنطن حتى بعد التراجع النسبي في حضورها العسكري. فعلى سبيل المثال، ضغطت كوت ديفوار خلال السنوات الأخيرة من أجل تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بما في ذلك استضافة طائرات استطلاع أمريكية لدعم جهود مكافحة الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة في الساحل.
تشير هذه الوقائع إلى أن النقاش الأفريقي لا يدور حول قوة الولايات المتحدة العسكرية بقدر ما يدور حول استمرارية التزامها السياسي. فالدول الأفريقية تدرك أن واشنطن تمتلك تفوقاً تكنولوجياً واضحاً، لكنها في الوقت نفسه تعلم أن السياسة الخارجية الأمريكية تتأثر بشدة بتغير الإدارات والضغوط الداخلية والاعتبارات الاستراتيجية العالمية.
من هنا يبرز عامل آخر يزيد من تعقيد الصورة: صعود بدائل أمنية جديدة في أفريقيا. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً للوجود الروسي في بعض مناطق القارة، سواء عبر الشركات العسكرية الخاصة أو عبر اتفاقيات التعاون الدفاعي. كما تسعى الصين بدورها إلى تعزيز حضورها الأمني تدريجياً، وإن كان ذلك بأسلوب أقل مباشرة من النموذج الروسي. وفي هذا السياق، قد تستغل موسكو وبكين انشغال واشنطن بالحرب على إيران لتعزيز سردية مفادها أن الولايات المتحدة قوة بعيدة وغير موثوقة عندما يتعلق الأمر بالالتزامات الأمنية طويلة الأمد.
مستقبل التحالفات الأمنية في أفريقيا قد يتحدد بقدر ما تستطيع واشنطن إدارة حربها دون أن تقلص حضورها في القارة
لكن من المهم تجنب الوقوع في تبسيط مفرط. فأفريقيا ليست كتلة سياسية واحدة، بل فضاء شديد التنوع من حيث المصالح والتحديات الأمنية. ففي شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، ترتبط الحسابات الأمنية بالبحر الأحمر وأمن الطاقة والتوازنات الإقليمية. أما في منطقة الساحل، فإن الأولوية القصوى تبقى لمكافحة الجماعات المسلحة والحفاظ على استقرار الدول الهشة. وبالتالي فإن تأثير الحرب على إيران في الثقة الأفريقية بالولايات المتحدة سيختلف من دولة إلى أخرى تبعاً لطبيعة التهديدات التي تواجهها.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن الحرب على إيران لا تهدد صورة الولايات المتحدة بوصفها قوة عسكرية عظمى. فالقدرات التقنية واللوجستية التي تظهرها العمليات العسكرية الحالية تعزز هذه الصورة في نظر كثيرين. لكن ما قد يتأثر بالفعل هو تصور الحلفاء لمدى موثوقية هذه القوة على المدى الطويل.
هنا تحديدا تكمن المفارقة الأساسية: كلما توسعت الجبهات التي تنخرط فيها واشنطن، ازداد الإعجاب بقدرتها العسكرية. لكن في الوقت نفسه يتزايد القلق بشأن قدرتها على الالتزام المستدام في مناطق بعيدة مثل أفريقيا.
لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه الحرب على إيران ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على الانتصار في هذه المواجهة، بل ما إذا كانت قادرة على الحفاظ على شبكة التزاماتها الأمنية العالمية في وقت واحد. بالنسبة لكثير من الدول الأفريقية، الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل التحالفات الأمنية في السنوات المقبلة.
فإذا نجحت واشنطن في إدارة الحرب دون أن تقلص حضورها في أفريقيا، فقد تعزز مكانتها كشريك أمني لا غنى عنه. أما إذا أدت الحرب إلى استنزاف الموارد أو إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية، فقد تجد بعض الدول الأفريقية نفسها مضطرة إلى البحث عن بدائل أو اعتماد سياسات أكثر استقلالية في المجال الأمني.