تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

الحرب على إيران واختبار الموقف الأفريقي

28 مارس, 2026
الصورة
الحرب على إيران واختبار الموقف الأفريقي
Share

في غضون أسابيع قليلة فقط، حصدت الحرب التي تشنّها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران أكثر من 1500 قتيل، فيما لا تزال الحصيلة مرشحة للارتفاع. وفي واحد من أكثر مشاهد هذه الحرب قسوة، احتشد المشيّعون في طهران يوم 7 مارس/آذار حول نعش زينب صاحبي، الطفلة ذات العامين، التي قُتلت في غارة جوية إسرائيلية. وإلى جانب نعشها وُضعت دمية صغيرة، بينما وقف أقاربها وجيرانها في مراسم التشييع تحت وطأة صدمة فقدان طفلة انتُزعت من الحياة في لحظة.

غير أن جنازة زينب لم تكن سوى مشهد واحد في سلسلة طويلة من الفواجع. ففي 3 مارس/آذار الجاري، شهدت مدينة ميناب في محافظة هرمزغان تشييعاً جماعياً حاشداً، بعدما دُمّرت مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات في اليوم الأول من حملة القصف. وسارت صفوف النعوش في شوارع المدينة، فيما كانت العائلات تواري الثرى ما لا يقل عن 175 من التلميذات والعاملين في المدرسة، وكان معظمهم من الأطفال، في واحدة من أكثر محطات هذه الحرب دموية.

ليس هذا العنف استثناءً عابراً، بل حلقة جديدة في تاريخ طويل ومألوف في المنطقة. فمن غزة إلى لبنان، وصولاً إلى إيران، يواصل المدنيون دفع كلفة الحروب والهيمنة. ولم يقتصر التصعيد على المدنيين وحدهم، إذ أسفرت الضربات الإسرائيلية أيضاً عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين العسكريين.

حين تهتز إيران، لا تهتز أسواق الطاقة وحدها، بل تهتز معها موائد ملايين الأفارقة أيضاً

لكن ما يجري لا يخص الإيرانيين وحدهم، ولا ينبغي للأفارقة أن ينظروا إليه بوصفه أزمة بعيدة جغرافياً. فأي اضطراب كبير في الخليج ينعكس سريعاً على القارة الأفريقية، التي تعتمد في أجزاء واسعة منها على النفط المستورد لتشغيل النقل وتوليد الكهرباء وتحريك سلاسل الغذاء. ومن لاغوس إلى نيروبي، ومن جوهانسبرغ إلى داكار، يعني ارتفاع أسعار الوقود تضخماً أعلى، وكلفة معيشة أشد وطأة، وأسعاراً أغلى للغذاء. وحين تهتز إيران، لا تهتز أسواق الطاقة وحدها، بل تهتز معها موائد ملايين الأفارقة أيضاً.

لكن مصلحة أفريقيا في هذه الحرب لا تقتصر على بعدها الاقتصادي، بل تمتد إلى ما هو قانوني وسياسي أيضاً. فالسؤال الذي ينبغي أن تواجهه الحكومات الأفريقية ليس ما إذا كانت تميل إلى إيران أو إلى الولايات المتحدة، بل ما إذا كانت القواعد التي تنظّم استخدام القوة بين الدول ما تزال قائمة أصلاً. فالمادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر اللجوء إلى القوة ضد سلامة أراضي دولة أخرى أو استقلالها السياسي، إلا في حال الدفاع عن النفس أو بتفويض صريح من مجلس الأمن. وفي حالة إيران، لا ينطبق أي من هذين الشرطين عليها، بل جرى تسويق الهجوم تحت عنوان "الدفاع الاستباقي عن النفس".

وهنا تحديداً ينبغي أن يتوقف الأفارقة طويلاً. لقد خبرت القارة، ومعها بلدان الجنوب، كيف تتحول الحملات العسكرية الغربية، المبررة باسم الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو الحماية الإنسانية، إلى عمليات مفتوحة تتجاوز أهدافها المعلنة. وليبيا مثال صارخ لا يزال حاضراً في الذاكرة. ففي مارس/آذار 2011، أجاز مجلس الأمن اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين خلال الانتفاضة ضد معمر القذافي. لكن الأمر انتهى خلال أشهر إلى حملة قصف واسعة شنّها حلف شمال الأطلسي، استهدفت منشآت عسكرية وبنى تحتية حكومية، وأوقعت ضحايا مدنيين أيضاً. وبالنسبة إلى كثير من الأفارقة، لم يكن ذلك انتصاراً للحرية، بل حرباً جوية غربية انتهت بإسقاط حكومة أفريقية وقتل قائدها.

السؤال الذي ينبغي أن تواجهه الحكومات الأفريقية ليس ما إذا كانت تميل إلى إيران أو إلى الولايات المتحدة، بل ما إذا كانت القواعد التي تنظّم استخدام القوة بين الدول ما تزال قائمة أصلاً

نتائج ذلك التدخل باتت معروفة. فبعد أكثر من عقد، ما تزال ليبيا ممزقة سياسياً، تتنازعها سلطات متنافسة في طرابلس وشرق البلاد، فيما تواصل المليشيات المسلحة بسط نفوذها على مساحات واسعة. ولم يقتصر أثر الانهيار الليبي على الداخل الليبي فحسب، بل امتد إلى الساحل بأسره، حيث ساهمت الأسلحة المنهوبة وعودة المقاتلين في إشعال تمرد مالي عام 2012، ثم صارت جزءاً من السياق الذي غذّى الانقلابات والتمردات المسلحة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. ولهذا لا تقف ليبيا وحدها في هذا السجل، بل تنضم إليها العراق وأفغانستان بوصفها أمثلة دامغة على ما يحدث حين تعيد قوى خارجية تشكيل دولة ما بالقوة العسكرية.

وإذا نظرنا إلى المسألة في إطار أوسع، سنجد أن الخيط الذي يصل بين إيران وليبيا والكونغو الديمقراطية ليس واهياً كما قد يبدو للوهلة الأولى. ففي الحالات الثلاث، نحن أمام قيادات سعت إلى فرض سيطرة وطنية على موارد استراتيجية: النفط في إيران وليبيا، والمعادن في الكونغو. وفي كل مرة تقريباً، جاء الرد في صورة ضغط خارجي، أو انقلاب، أو حرب، أو إعادة قسرية لترتيب السلطة. ففي سبتمبر/أيلول 1960، أُطيح باتريس لومومبا في انقلاب مدعوم من الغرب، ثم أُعدم بعد أربعة أشهر، بعدما حاول ترسيخ سيادة بلاده على ثروتها المعدنية. وبعد نصف قرن تقريباً، لقي القذافي مصيراً مشابهاً. واليوم قُتل المرشد الإيراني في عملية عسكرية جرى تسويقها للرأي العام بوصفها ضرورة أمنية.

من هنا تبدو أفريقيا، ومعها الجنوب العالمي، أمام مفترق حاسم. فالأمم المتحدة، بكل ما يحيط بها من عجز وتناقضات، وميثاقها، بكل ما تعرّض له من خروقات، ما زالا من بين الحواجز القليلة التي تفصل العالم الحالي عن عودة صريحة إلى زمن كانت القوى الغربية الكبرى تمنح نفسها فيه حق التدخل والنهب وإعادة تشكيل البلدان الأخرى بلا رادع. يكفي أن نتذكر ما جرى في دولة الكونغو الحرة مطلع القرن العشرين، حين أشرف نظام الملك البلجيكي ليوبولد الثاني على منظومة عمل قسري وحشية، يقدّر مؤرخون أنها أودت بحياة نحو عشرة ملايين كونغولي بسبب العنف والمرض والجوع. ويكفي أيضاً أن نتذكر كيف احتلت الولايات المتحدة كوبا بعد حربها مع إسبانيا عام 1898، وفرضت عليها تعديل بلات الذي منح واشنطن حق التدخل في شؤونها، وكيف استولت على بورتوريكو في الحرب نفسها، ثم أنزلت قواتها في فيراكروز المكسيكية عام 1914. لم تكن تلك حوادث متفرقة، بل ملامح مرحلة كاملة كانت فيها القوة تعلو على القانون، وكانت الدول الأقوى تعيد رسم مصائر الآخرين كما تشاء.

أُطيح باتريس لومومبا في انقلاب مدعوم من الغرب، ثم أُعدم بعد أربعة أشهر، بعدما حاول ترسيخ سيادة بلاده على ثروتها المعدنية. وبعد نصف قرن تقريباً، لقي القذافي مصيراً مشابهاً

لذلك لم يعد مقبولاً أن يواجه القادة الأفارقة هذا التصعيد بلغة ملتبسة أو بمواقف رمادية. المطلوب موقف واضح وحازم من الانتهاكات الراهنة، يبدأ بالمطالبة بوقف فوري للأعمال العدائية، ويمرّ بإدانة صريحة للمسؤولين عن هذا التصعيد، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، ولا ينتهي عند الدفاع عن سيادة إيران وحق الإيرانيين في الحياة والأمن. كما أن على الدول الأفريقية أن تتعامل مع هذه اللحظة بوصفها اختباراً لموقعها في النظام الدولي، فإما أن تدافع عن القواعد التي تحمي الضعفاء من تغوّل الأقوياء، وإما أن تقبل ضمناً بتفكك تلك القواعد.

ولا ينبغي أن يكون التحرك الأفريقي رمزياً فقط؛ فثمة مجال لعمل منسق داخل الاتحاد الأفريقي والجمعية العامة للأمم المتحدة، سواء عبر الدفع نحو قرارات واضحة، أو بناء تكتل دبلوماسي مع بلدان الجنوب يرفض إعادة إحياء الحرب الوقائية، وتطبيع الاغتيال السياسي كأداة من أدوات العلاقات الدولية. فحين يُسمح لقوة عسكرية أن تضرب متى شاءت، بذريعة أنها تخشى تهديداً مستقبلياً، يصبح العالم كله أقل أمناً، وتصبح الدول الأضعف أكثر عرضة للابتزاز والتدخل والتفكيك.

وليس في هذا الكلام أي مبالغة تاريخية. فعندما أسست الدول الأفريقية منظمة الوحدة الأفريقية في أديس أبابا يوم 25 مايو/أيار 1963، كان احترام السيادة والسلامة الإقليمية من بين مبادئها المركزية، وجاء كرد مباشر على قرون من التدخل الخارجي في القارة. يومها حذّر كوامي نكروما، الرئيس المؤسس لغانا، نظرائه القادة من أن الاستقلال ليس سوى بداية صراع جديد، وأكثر تعقيداً من أجل إدارة شؤوننا الاقتصادية والاجتماعية بأنفسنا، من دون وصاية استعمارية جديدة. وبعد أكثر من ستين عاماً، لا يزال ذلك التحذير قائماً بكل ثقله، بل ربما بات أكثر راهنية من أي وقت مضى.

لهذا كله، لا يعد الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة اليوم مسألة قانونية هامشية، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. فالتاريخ يعلّمنا أن السوابق لا تظل محصورة في موضعها الأول، بل سرعان ما تنتقل وتتكرر وتفرض نفسها باعتبارها قاعدة. لذلك يجب أن تنظر أفريقيا إلى ما يجري في إيران بعين ترى ما وراء اللحظة المباشرة. فالقضية ليست إيران وحدها، بل مستقبل النظام الدولي نفسه، ومكانة الشعوب الأضعف داخله. اليوم إيران، وغداً قد تكون أفريقيا.