تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 11 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الحرب على إيران: هل ينقل الحوثيون المواجهة إلى القرن الأفريقي؟

8 مارس, 2026
الصورة
الحرب على إيران: هل ينقل الحوثيون المواجهة إلى القرن الأفريقي؟
Share

دخلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني، وبدأت آثارها تتجاوز حدود إيران نفسها إلى الخليج والبحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية، حيث أعادت شركات شحن كبرى توجيه سفنها بعيدًا عن قناة السويس وباب المندب، مع تعطل مساراتها وما صاحبها من ارتفاع كلفة النقل والتأمين.

هذا كان متوقعًا إلى حد ما، بخلاف الوهم القائل إن القرن الأفريقي يقع خارج ميدان صراعات الشرق الأوسط؛ فمنذ السابع من أكتوبر، واندلاع العدوان الجنوني الإسرائيلي على غزة، أضحى البحر الأحمر أحد العصب الأساسية للمواجهة الإقليمية. لم يعد الحوثيون، بحكم سيطرتهم على المدخل الشمالي لباب المندب، وبفعل ما راكموه منذ السابع من أكتوبر من خبرة في تسليح الجغرافيا البحرية وتحويل الممرات الدولية إلى أوراق ضغط، مجرد طرف ثانوي في الصراع الاقليمي، بل أصبحوا جزءًا من تعريف الصراع نفسه، لا من نتائجه فقط.

سبق للحوثيين أن هدّدوا في يونيو/ حزيران 2025 باستهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، إذا انخرطت واشنطن في الهجوم على إيران، لكنها ما تزال، حتى الآن، تمارس نوعًا من الانخراط المباشر في الصراع. تحدث زعيم أنصار الله عن تضامن سياسي واضح، في الخطاب التعبوي، لكنه احتفظ بمسافة أمان من خيار التصعيد العسكري بخلاف ما عمله حزب الله.

إن الخطر الحقيقي لا يتمثل في الاعتراف في ذاته فحسب، بل فيما قد يستتبعه من إعادة تدويل للمسألة الصومالية، لا بوصفها قضية تسوية بين الصوماليين أنفسهم، بل باعتبارها مادةً جديدة لإعادة الاصطفاف الإقليمي والتسليح السياسي

قد يكون هذا الحذر الذي يبديه أنصار الله، حتى الآن، مرتبطا أساسا بكونهم خرجوا من جولات التصعيد السابقة مع الولايات المتحدة، وهم يدركون أن الاشتباك المباشر مع واشنطن يفرض أثمانًا باهظة على بنية حكمهم في اليمن، خاصة بعد تكثيف الضربات الأميركية على مواقعهم خلال 2025، لوقف هجماتهم على الشحن في البحر الأحمر. لذلك تبدو الجماعة اليوم أقرب إلى احتياطي إستراتيجي في محور طهران منها إلى رأس الحربة. ما يضعها في موقع المحتفظ بقدرته على تهديد الممرات والمصالح، أي تأخير استخدامها إلى اللحظة التي يصبح فيها توسيع الحرب أكثر فائدة من مجرد إعلان المشاركة فيها.

يتعلق التطور الأخطر على مستوى القرن الأفريقي بتحول صوماليلاند نفسها من كيان يبحث عن الاعتراف إلى مساحة يراد إدراجها داخل هندسة أمن البحر الأحمر. ففي 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 وقّعت إسرائيل وصوماليلاند إعلان اعتراف متبادل، وأعلنت هرجيسا نيتها الانضمام إلى "اتفاقات أبراهام"، ثم جاءت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرجيسا في 6 يناير/كانون الثاني 2026 للتأكيد على بداية مسار سياسي واقتصادي وأمني مفتوح. ثم عاد رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله في فبراير/شباط 2026 للحديث عن اتفاق شراكة مرتقب مع إسرائيل، وعن تطلع إلى استثمارات وتعاون مستقبلي، مع نفيه في الوقت نفسه أن تكون مسألة القواعد العسكرية الإسرائيلية قد طُرحت للنقاش. وهذا النفي، على أهميته، لم يبدد جوهر المشكلة، فقذ سارع الحوثيون للتنديد بهذه الخطوة، واعتبروها هدفا عسكرًا مشروعا لهم.

هنا يكتسي موقع صوماليلاند وبربرة خاصًا، فهي لم تعد مجرد ميناء تجاري يشكل عصب اقتصاد صوماليلاند، ولا مجرد ورقة بيد أديس أبابا في أطماعها التاريخية أو تنويع منافذها البحرية، أو بلغة آبي أحمد في حق الوصول إلي البحر الأحمر، بل أضحت موقعا مرشحا للدخول في صراع السيطرة على البحر الأحمر. فجغرافية صوماليلاند عند ملتقى المحيط الهندي والبحر الأحمر، تكتسي وظيفة تتجاوز الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية. من هنا يصعب النظر إلى الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند بوصفه موقفًا مبدئيًا من حق تقرير المصير، إذ لا شيء يدل على أن هذا هو الدافع الحقيقي. الأرجح أن الأمر يتصل بحسابات أمنية أوسع، ترى في هذا الموقع أداةً لموازنة التهديد الحوثي في الممرات البحرية، لا أكثر.

مع تزايد الحديث عن حضور إماراتي عسكري في بربرة، يتضح أكثر أن الميناء لم يعد تفصيلًا اقتصاديًا، بل موقعًا قابلًا لأن يندرج في خرائط الردع وإعادة التموضع

وإلى هذا كله، رسّخ الحضور الإماراتي الكثيف في بربرة، عبر استثمار شركة "DP World" البالغ 442 مليون دولار، حقيقة أن الموانئ لم يعد مجرد مرافق اقتصادية، بل جزءًا من شبكة مصالح إقليمية تتداخل فيها اعتبارات التجارة والأمن والنفوذ. ومن هنا يمكن فهم إلحاح مقديشو على مطلبها السيادي في صوماليلاند في عام 2018، إذ رفضت تلك الاتفاقية، ولم يفض رفضها إلى شيء. لأن ما جرى لم يعد يتعلق بخلاف قانوني على الحدود والتمثيل، بل بإعادة إدراج هذا الموقع في توازنات إقليمية أوسع.

ثم جاءت المواقف الأفريقية والإقليمية، من الاعتراف الإسرائيلي الأخير، لتؤكد أن المسألة أبعد من مجرد اعتراف دبلوماسي، خصوصًا إذا استحضرنا مفارقة أن الاتحاد الأفريقي، الذي رفض الخطوة، بالرغم من إقرار بعثته إلى صوماليلاند عام 2005 بخصوصية حالتها، واستحقاقها للاعتراف اعتبارا لتجربتها القانونية والسياسية ضمن أطر الاتحاد الأفريقي، فيما سارعت مصر وتركيا وجيبوتي إلى الإدانة. لكن هذه الردود، على أهميتها، لا تعبر فقط عن تمسك بوحدة الصومال، لأن هذه الوحدة نفسها ظلت، تاريخيًا، معطوبة وموضع نزاع، ولم تكن يومًا معطى سياسيًا مستقرًا، لا عند الاستقلال، ولا بعد انهيار الدولة، ولا في اللحظة الراهنة. لذلك فإن الخطر الحقيقي لا يتمثل في الاعتراف في ذاته فحسب، بل فيما قد يستتبعه من إعادة تدويل للمسألة الصومالية، لا بوصفها قضية تسوية بين الصوماليين أنفسهم، بل باعتبارها مادةً جديدة لإعادة الاصطفاف الإقليمي والتسليح السياسي. وبهذا المعنى، لا يعود الاعتراف مدخلًا إلى أفق للحل، بل يتحول إلى مدخل لإنتاج محاور متقابلة.

يصعب النظر إلى الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند بوصفه موقفًا مبدئيًا من حق تقرير المصير، إذ لا شيء يدل على أن هذا هو الدافع الحقيقي. الأرجح أن الأمر يتصل بحسابات أمنية أوسع، ترى في هذا الموقع أداةً لموازنة التهديد الحوثي في الممرات البحرية، لا أكثر

من هذه الزواية، لا تبدو الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران لا عن تنفصل عن التهديد الحوثي، ولا تعود المسألة الحوثية منفصلة عن إيجاد حل لمسألة صوماليلاند. ذلك أن تحذير عبد الملك الحوثي، عقب الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، من أن أي وجود إسرائيلي فيها سيكون هدفًا عسكريًا، لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد لغة دعائية من قبل الحوثي. ولذلك، من المهم التشديد أنه لا يكفي نفي هرجيسا وجود قواعد إسرائيلية، ولا تأكيدها الطابع السياسي والاقتصادي لعلاقتها المعلنة مع إسرائيل، لأن مجرد اقتران اسمها بإسرائيل في لحظة كهذه يعيد ترميزها أمنيًا في نظر فاعل يرى البحر الأحمر كساحة حرب. وحين يتقاطع ذلك مع الحديث المتجدد، وأخره اعتراف سفير صوماليلاند في مقابلة مع وسائل إعلام محلية وعن وجود عسكري إماراتي في بربرة، يصبح واضحًا أن صوماليلاند، أصبحت نقطة مرشحة لأن تدخل في خرائط الردع والتموضع.

غير أن الوجه الأعمق للمسألة لا يتصل فقط باحتمالات الاستهداف العسكري، بل أيضًا بكلفة الحرب على المجتمعات الهشة أصلًا. فالقرن الأفريقي، وصوماليلاند في قلبه، يواجه هذه التحولات وهو واقع تحت ضغط هشاشة اقتصادية وإنسانية بالغة السوء. وليس من المستغرب، في هذا السياق، أن يطل التعاون الأول مع إسرائيل من بوابة المعونات المائية وإدارة الموارد، لأن مثل هذا المدخل الإنساني أو التنموي هو الصيغة الأكثر قابلية لتسويق الحضور الجديد محليًا من قبل مشايعي إسرائيل، قبل أن تتكشف أبعاده السياسية والأمنية الأوسع.

في المحصلة، لم يعد السؤال عما إذا كان الحوثيون سيدخلون الحرب غدًا أم بعد غد، ولا ما إذا كانت إسرائيل ستقيم قاعدة في صوماليلاند أم ستكتفي بالتنسيق مع حلفائها الاقليميين. وهو أمر لم يتبلور تماما بعد في القرن الأفريقي. المسألة الأهم هو أن الحرب على إيران أعادت تعريف المجال الإقليمي كله، من الخليج إلى لبنان، ومن باب المندب إلى بربرة. والقرن الأفريقي، الذي ظنه البعض مسرحًا بعيدًا، يتبين الآن أنه خط تماس متقدم. وعندئذ قد تكتشف لدى صوماليلاند أن ما بدا فرصة للاعتراف لم يكن، في جانب منه، سوى انتقال من العزلة إلى التموضع داخل صراعات تفوقها حجمًا ووظيفة.