الجمعة 12 ديسمبر 2025
ألقى نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس خلال الأسبوع الماضي خطابًا في حفل التخرج بالأكاديمية البحرية الأمريكية، لم يكن مجرد خطاب احتفالي تقليدي، بل حمل في طياته إشارات واضحة إلى التحول في السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب، واصفًا إياه بـ"التحول الجيلي". أعلن فانس، بنبرة محسوبة، أن الولايات المتحدة لن تنخرط بعد الآن في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ولن تزج بنفسها في صراعات لا نهاية لها لا تمس مصالحها الحيوية. هذان المبدأن، كما أشار، كانا من الإرث الأثقل للحظة التي أطلق فيها جورج بوش الابن ما سمي بـ"الحرب العالمية على الإرهاب".
على مدار معظم القرن الحادي والعشرين، كانت الشكوك حول القوة العسكرية الأمريكية تأتي من اليسار. اليوم، تتبنى أطراف من اليمين، وإن بشكل غير منتظم وأحيانًا متناقض، هذا الموقف ذاته، وقد وجدت هذه الأفكار طريقها إلى البيت الأبيض. ما بدأ كابتعاد تدريجي عن التدخل الليبرالي، أصبح اليوم توجهاً أكثر صرامة وجدية.
الجدير بالذكر أن الرئيس السابق جو بايدن كان قد بدأ فعليًا في إعادة توجيه السياسة الخارجية الأمريكية بعيدًا عن مكافحة الإرهاب بوصفها لعبة مطاردة مستمرة، نحو التنافس بين القوى الكبرى. وقد أوفى بوعد ترامب بالانسحاب من أفغانستان حتى نهايته المُرّة، وواجه روسيا في أوكرانيا بشكل مباشر. ومع ذلك، بدا أن تحول بايدن لم يكن بمثابة مراجعة حقيقية بقدر ما كان إعادة تركيز، أكثر منه تحوّلاً جذريًا. فقد بقيت الولايات المتحدة مستعدة للتدخل في شؤون المجتمعات الأخرى، وإن كان ذلك بقدر أقل من الحماس التبشيري الذي ميّز المرحلة السابقة.
أما تصريح فانس فذهب أبعد من ذلك. ورغم أنه لم يذكر اسم فرانسيس فوكوياما، إلا أنه أشار ضمنيًا إلى أطروحته الشهيرة عن "نهاية التاريخ"، ليرفض فرضيتها المركزية: أن العالم يتجه حتميًا نحو الليبرالية. رأى فانس أن هذا التصور كان خاطئًا، وليس من دور الولايات المتحدة - ولا من مصلحتها - أن تفرض هذا الاتجاه على العالم. قال: "لقد خضنا تجربة طويلة في السياسة الخارجية استبدلنا فيها الدفاع عن مصالحنا الوطنية والحفاظ على تحالفاتنا بمشروع بناء الدول والتدخل في شؤون الدول الأخرى. وقيل لنا إن العالم سيؤول إلى مجموعة من القيم العالمية، العلمانية، والموحدة – بغض النظر عن الثقافات أو الأوطان. ومن لم يرضَ بهذا الاتجاه من صانعي السياسة، جعل من تغييره هدفًا بأي وسيلة كانت". وأكد أن إدارة ترامب قد "غيّرت هذا المسار".
أشار فانس إلى أن هذا التحول تجسّد في زيارة ترامب إلى دول الخليج، وهي منطقة لطالما كانت هدفًا للنقد الأمريكي، لكن مبادرة ترامب لقيت ترحيبًا بالغًا، حتى أن أكاديميًا سعوديًا شبهه بـ"فرانز فانون العصر الحديث". ونشر ترامب لاحقًا مقطع فيديو على منصة "إكس" أشاد فيه بالسعودية لتمسكها بتقاليدها بدلاً من التخلّي عنها. وزاد من رمزية التحول تغريدة من السفير الأمريكي لدى تركيا قال فيها: "قبل قرن، فرض الغرب خرائط وانتدابات وحدودًا مرسومة بالمسطرة وحكمًا أجنبيًا. اتفاقية سايكس-بيكو قسمت سوريا والمنطقة من أجل مكاسب إمبريالية، لا سلام. لقد كلّف هذا الخطأ أجيالًا. ونحن لن نكرره".
هذا التوجه الجديد يختلف تمامًا عن المزاج الذي ساد بداية "الحرب على الإرهاب"، حين برّرت الولايات المتحدة غزو أفغانستان والعراق بأسباب واهية. الصحفي مرتضى حسين من موقع "دروب سايت نيوز" الأمريكي، يشير إلى أن هجمات 11 سبتمبر/أيلول – التي تبنتها القاعدة – جرى تفسيرها عبر عدسة الحرب الباردة، على أنها صراع أيديولوجي بين الخير والشر، بين دعاة مجتمع حر مفتوح، وأتباع ثقافة استبدادية متخلفة. "كان من الغريب، بالنظر الآن، أن مناقشة دوافع التنظيم أو خلفياته كانت من المحرمات"، يقول حسين.
هذا الخطاب غذّاه فريق من المسؤولين المقربين من البيت الأبيض، ممن يُعرفون بالمحافظين الجدد. هؤلاء رأوا أن على أمريكا الحفاظ على هيمنتها العسكرية والاقتصادية عالميًا، واستغلال قوتها لفرض الديمقراطية، ومواجهة الأيديولوجيات المتطرفة، وفتح المجتمعات الاستبدادية بدعوى رفاه الإنسان. وقد وفّرت هجمات القاعدة ذريعة مثالية لإطلاق هذا المشروع الطموح.
الصحفي توماس فريدمان عبّر بأوضح ما يكون عن هذا الاندفاع الإيديولوجي حين قال في مقابلة مع تشارلي روز: "كان على شباب أمريكا أن يذهبوا من بيت إلى بيت في البصرة وبغداد، ليقولوا بوضوح إنهم سيحمون مجتمعهم الحر، وأن من يقف في الطريق فعليه أن ’يمتص هذا‘." وأضاف: "كان بإمكاننا ضرب أي دولة. السعودية كانت جزءًا من هذه الفقاعة. باكستان كذلك. لكننا ضربنا العراق، لأننا استطعنا. هذه هي الحقيقة".
ولكي تهزم الإرهاب، كان لا بد من تحويل العراق وأفغانستان إلى ديمقراطيات ليبرالية – وهي فرضية أطلقت أحد أكثر المشاريع طموحًا، وربما طيشًا، في التاريخ الحديث. البعض استحضر تجربة ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية كنموذج يمكن أن يُحتذى في العالم الإسلامي. الفيلسوف البريطاني جون غراي قارنهم بالممسوسين في رواية ديستويفسكي "الشياطين". وكان من أوائل من رأوا أن فكرة أن الحروب من أجل النفط أقل خطرًا من الحقيقة: أنها كانت تُخاض وتُزهق الأرواح من أجل فكرة غير ناضجة – أن أمننا لا يتحقق إلا إذا أصبح العالم ليبراليًا وديمقراطيًا، مثلنا تمامًا. لكن مع مرور الوقت، فرض الواقع منطقه، فإيران – الدولة الشيعية الإسلامية – باتت صاحبة النفوذ الأكبر في العراق، وطالبان عادت للسيطرة على أفغانستان، مطرِدةً القوات الأمريكية التي احتلتها لعقدين.
هذه التحولات تلقي بظلالها أيضًا على الصومال، حيث ما تزال الولايات المتحدة شريكًا أمنيًا رئيسيًا. وفي الأسابيع الأخيرة، أُثيرت تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن ستواصل دعم الحكومة في حربها الطويلة ضد حركة الشباب، فرع القاعدة المحلي، التي تقاتلها منذ عام 2007. صحيفة "واشنطن بوست" كشفت هذا الأسبوع أن أحد المسؤولين السابقين في الخارجية الأمريكية ذكر أن مساعدي ترامب تساءلوا في حينه عما إذا كان يمكن ببساطة إنهاء التعاون الأمني مع الصومال. أحدهم سأل: "ماذا لو تركناها تحترق؟ هل يمكن احتواؤها؟" وحذّر المسؤول من أن هذا السيناريو غير واقعي. وقد أرسلت الولايات المتحدة منذ ذلك الحين إشارات بأنها ستواصل دعم الصومال، رغم التحفظات على مناورات الرئيس السياسية.
في هذا السياق، تتحدث "جيسكا" إلى مرتضى حسين، الصحفي المتخصص في الأمن القومي والشؤون الخارجية في موقع "دروب سايت نيوز"، حول هذه التحولات في السياسة الخارجية الأمريكية، والحرب الطويلة ضد تنظيم القاعدة – التنظيم الذي، كما يشير حسين، نجح جزئيًا في إرغام واشنطن على إعادة التفكير في كيفية تعاملها مع العالم.
مرتضى حسين: يبدو الأمر غريبًا الآن، لكن في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، أصبح من المحظور تقريبًا مناقشة دوافع التنظيم أو خلفياته. عندما أعلن أسامة بن لادن الحرب على أمريكا في التسعينات، كانت له ثلاثة مطالب واضحة: رفع العقوبات عن العراق، سحب القواعد العسكرية من السعودية، وإنهاء الدعم الأمريكي لإسرائيل. بغض النظر عن موقفك من هذه المطالب، فقد كانت واضحة جدًا. لكن الهجمات كانت صادمة للغاية، وبسبب شدة التأثر العاطفي، جرى التعامل معها كحدث كوني لا سياق له. أذكر أن جورج بوش قال - وأتذكر ذلك رغم أنني كنت صغيرًا - إن الهجمات وقعت لأن أمريكا "حرة". أرادت الولايات المتحدة تصوير الصراع كصراع أيديولوجي كبير، مثل الحرب الباردة.
لكن هذا لم يكن صحيحًا. الجهاديون كانوا ضعفاء للغاية مقارنة بالاتحاد السوفييتي، لم يكونوا يسيطرون على دول، بل كانوا مجرد شبكات أفراد. ولم يكن لديهم أيديولوجيا عالمية بالمعنى الدقيق. يمكن القول إن الإسلام فكرة شاملة، لكن القاعدة لم تكن حركة تبشيرية، بل كان هدفها بشكل رئيسي إسقاط أنظمة الحكم في الشرق الأوسط.
كنت أفكر في هذا مؤخرًا بسبب ما حدث في دمشق وكابول، رغم أن السياق مختلف طبعًا. لكن ما رأيناه هو أن حركات إسلامية مسلحة أصبحت تسيطر على دول كبرى، وفي حالة سوريا، رأينا حتى أن الحكومة الجديدة بدأت تحظى بقدر من القبول الدولي.
القاعدة لم تكن تتوقع أن تخوض حربًا مع أمريكا لمدة عشرين عامًا، وربما لهذا السبب لم يؤيد كثير من كبار قادتها هجمات 11 سبتمبر/أيلول.
مرتضى: في الواقع، لم يكن ذلك هو الهدف في البداية. كانوا يظنون أنهم سيوجهون ضربة قوية لأمريكا، كما حدث في 11 سبتمبر/أيلول، وأنها سترسل قوات يمكنهم هزيمتها، مثلما حدث في معركة "جاجي" عندما ساهموا في هزيمة السوفييت في أفغانستان. لكنهم لم يفهموا نفسية أمريكا، ولا حجم الكارثة التي سيشعلونها، والتي أدت إلى حرب عالمية ودمار في الشرق الأوسط.
أعني، إذا كان هدفهم رفع العقوبات عن العراق بسبب المعاناة هناك، فكيف ساعدت أفعالهم التي أدت إلى غزو العراق؟ فكرة أن القاعدة كانت تهدف إلى إنهاك أمريكا هي رواية ظهرت لاحقًا. لم يكونوا يتوقعون حربًا تستمر عشرين عامًا، وهذا أحد أسباب معارضة بعض قادتهم للهجمات.
مرتضى :أعتقد أن سقوط كابول في 2021 حسم هذا الجدل داخل الأوساط الجهادية. أدركوا أن الهجمات المبهرة والصراعات العالمية لا تعود بالنفع على أحد. وسوريا مثال آخر. المجموعتان الآن تقيد أي محاولة لتنفيذ هجمات إرهابية عالمية من أراضيها، مما يدل - على الأقل بالنسبة لقادتها - أن المشروع أصبح وطنيًا صرفًا.
مرتضى: عندما بدأت حرب العراق، كانت المعارضة الأيديولوجية متنوعة للغاية. لكن بعض أوائل النقاد الأشداء جاءوا من اليمين، خصوصًا من التيار الليبرتاري. رون بول، عضو مجلس الشيوخ، كان نجمًا في هذا الحراك وأصبح شعبيًا جدًا. وبات بوكانان مثال آخر.
لكن حماسة المحافظين الجدد لغزو العراق - وما نتج عنه من كارثة - تركت مرارة كبيرة لدى الكثير من الأمريكيين. وهذا عزز جاذبية التيار الرافض للحروب داخل اليمين، وأثر لاحقًا على الحزب الجمهوري، أولًا في 2016 جزئيًا، ومرة أخرى في 2024. في ولايته الأولى، اضطر ترامب إلى اختيار مسؤولين من صفوف المؤسسة الجمهورية التقليدية - والتي كانت لا تزال تحت تأثير المحافظين الجدد. لكن هذه المرة، استطاع أن يحيط نفسه بأشخاص يتفقون معه بالكامل. وقد طُرح اسم رون بول مرشحا لمنصب في الإدارة.
كان يُعتقد أن الليبرالية تملك قدرة فريدة على تلبية الحاجات الإنسانية الأساسية بطريقة لا تستطيعها الأيديولوجيات الأخرى. لكن الأمور لم تسر على هذا النحو.
مرتضى: بصراحة، أعتقد أننا نشهد تحولًا أيديولوجيًا عميقًا جدًا. القرن العشرون كان ساحة صراع بين ثلاث أيديولوجيات شمولية: الليبرالية، الشيوعية، والفاشية. الفاشية هُزمت في الحرب العالمية الثانية، والشيوعية سقطت مع انهيار جدار برلين. والآن، يبدو أننا نرى نهاية الليبرالية. لمدة عشرين عامًا، كانت الليبرالية وحدها في الميدان، وكان هناك اعتقاد بأنها ستنتشر في كل العالم. هذه كانت أطروحة فوكوياما، أليس كذلك؟
لكنني أعتقد أن الربيع العربي هو الذي أنهى "نهاية التاريخ". كان يُفترض أن تكون هذه ثورات ليبرالية - لأن كل الثورات حينها كانت كذلك. وكانت الليبرالية تُعتبر القادرة الوحيدة على الاستجابة للحاجات الإنسانية. لكن الأمور أخذت مسارًا مختلفًا. ظهرت أصوات بمطالب متنوعة، وانتُخبت أحزاب دينية، وأظن أن هذا هو لحظة التحول الحقيقية.
فانس خدم في العراق، وهذا بالتأكيد سبب رئيسي لرؤيته المتشائمة عن دوافع تلك الحروب. هناك أيضًا بُعد جِيلي في هذه القصة.
مرتضى: نظريًا، قد يجعل ذلك العالم أقل عنفًا، لكن لا يمكن الجزم بذلك. قد يكون تطورًا إيجابيًا. إذا توقفت القوى المختلفة عن محاولة فرض معتقداتها على الآخرين - حتى لو استمرت الكراهية والعداوة - فإن المصالح ستصبح العامل الحاسم في علاقاتها. وهذا قد يسهل التفاهم وإدارة الخلافات. قد يكون هناك انتقال مؤلم، لكنه قد يؤدي إلى نظام عالمي أكثر سلمًا.