تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

الحرب في السودان.. حتى الثروة الحيوانية مجبرة على التكيف

12 ديسمبر, 2025
الصورة
qwqwحسان الناصر
Share

شهد السودان خلال العقود الأخيرة موجات متكررة من النزاعات المسلحة التي تركت آثارًا عميقة على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكان لقطاع الثروة الحيوانية النصيب الأكبر من هذه التداعيات. تشكل الماشية مصدر رزق ملايين السودانيين من الرعاة والمزارعين، وتمثل جزءًا من الاقتصاد المحلي والثقافة الاجتماعية.

لم تؤثر الحرب على الإنتاج الحيواني فقط، بل امتدت آثارها لتشمل الهياكل الاقتصادية المحلية، وأنماط المعيشة والتنظيم الاجتماعي، ما أدى إلى إعادة إنتاج المجتمعات بطرق جديدة، تعتمد على الابتكار الاقتصادي والاجتماعي أكثر من الاعتماد التقليدي على الموارد وحدها.

منذ اندلاع النزاعات في مناطق دارفور؛ جنوب كردفان والنيل الأزرق وغرب كردفان، تأثرت الثروة الحيوانية بشكل مباشر، حيث فقدت الأسر الرعوية أعدادًا كبيرة من قطعانها نتيجة القصف والهجمات المسلحة والنهب. في غرب كردفان، مثلاً، تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف قطيع الإبل والأبقار فقد خلال النزاعات الأخيرة، بينما شهدت مناطق دارفور نفوقًا واسعًا للأغنام والماعز نتيجة نقص الغذاء والماء والرعاية البيطرية، وانتشار الأمراض الحيوانية المعدية. وفي جنوب كردفان والنيل الأزرق، أظهرت البيانات أن فقدان الماشية وصل إلى نحو 60–70٪ بين الأسر النازحة. لم تؤثر هذه الخسائر على كمية الحيوانات فقط، بل تدهورت جودة الإنتاج الحيواني، مما أثر على إنتاج اللحوم والحليب، وانكماش الأسواق المحلية.

الخسائر في الثروة الحيوانية

تفاقم الوضع بسبب تدمير البنية التحتية الحيوية المرتبطة بالثروة الحيوانية، بما في ذلك الطرق والمخازن ومحطات المياه، وتراجع الخدمات البيطرية الحكومية، ما دفع الرعاة للاعتماد على الطرق التقليدية للرعاية، مثل الرعي في مساحات صغيرة واستخدام الأعلاف المحلية المحدودة، مع ما يترتب على ذلك من انخفاض إنتاجية الماشية، وتراجع دخل الأسر. كما أدى النزوح القسري للسكان إلى اضطراب أنماط الرعي التقليدية، حيث اضطر الرعاة للانتقال إلى مناطق جديدة غالبًا ما تكون أقل خصوبة ومزدحمة بالسكان الآخرين، ما أدى إلى صراعات على المراعي والمياه وزيادة المخاطر الصحية على الماشية.

في مناطق دارفور، تكبد الرعاة والمزارعون خسائر كبيرة في الثروة الحيوانية، حيث تأثرت الأبقار والإبل والأغنام والماعز بشكل ملحوظ بسبب النزاع المستمر والنهب والهجمات المسلحة. وقد أدى ذلك إلى تراجع الإنتاج الحيواني بشكل ملموس، وانخفاض المعروض في الأسواق المحلية، مما انعكس على الأمن الغذائي للأسر الريفية. اضطر الرعاة إلى اللجوء لطرق تقليدية للرعي، والاعتماد على الأعلاف المحلية المتوفرة في ظل انعدام الخدمات البيطرية، وهو ما أثر سلبًا على صحة الماشية وجودة إنتاجها من الحليب واللحوم.

أرغمت الحرب المجتمعات على دمج الزراعة والرعي كأسلوب للتكيف مع فقدان الماشية والموارد الطبيعية. فأصبحت الأسر الرعوية تمارس الزراعة الموسمية، فيما تحول بعض المزارعين إلى تربية الماشية كمصدر إضافي للدخل والغذاء

أما في جنوب كردفان، فقد شهدت المجتمعات الرعوية والزراعية آثارًا مماثلة، حيث فقدت الأسر جزءًا كبيرًا من قطعانها من الأبقار والإبل والأغنام والماعز. النزاع القسري والتهجير اضطر الرعاة إلى الانتقال إلى مناطق أقل خصوبة ومزدحمة بالسكان، ما زاد من المنافسة على المراعي والمياه، ورفع من مخاطر انتشار الأمراض الحيوانية. وقد اضطرت الأسر إلى إعادة توزيع أفرادها بين أنشطة الرعي والزراعة لضمان استمرار الدخل، مع ظهور تعاون محدود بين الأسر المجاورة لتبادل الأعلاف ورعاية الماشية.

في النيل الأزرق، كانت الأبقار والإبل والأغنام والماعز من أكثر الماشية تأثرًا بالنزاع، مع انخفاض واضح في الإنتاج وارتفاع أسعار الأعلاف. المجتمعات المحلية حاولت التكيف عبر دمج الزراعة مع تربية الماشية لتأمين الغذاء والدخل، واعتماد ممارسات بديلة للعناية بالماشية باستخدام الأعشاب المحلية، مع مراقبة جماعية للقطعان للحد من النفوق، وقد ساهم هذا الأسلوب في بقاء الأسر على قيد الصمود رغم الخسائر الكبيرة.

أما في غرب كردفان، فقد عانت المجتمعات الرعوية من ضغوط مماثلة، حيث فقدت جزءًا كبيرًا من الأبقار والإبل والأغنام والماعز نتيجة النزاع والنهب والتهجير. وللتكيف، اعتمدت الأسر على دمج الزراعة مع الرعي، وتعاونت فيما بينها لتأمين المراعي والمياه، كما ظهرت شبكات تبادل جماعي للماشية والأعلاف بين الأسر لتخفيف حدة الخسائر.

بشكل عام، أدى النزاع في هذه المناطق إلى انخفاض شديد في الإنتاج الحيواني، وتراجع المعروض في الأسواق، وزيادة أسعار الأعلاف، ما أثر على دخل الأسر الريفية وقدرتها على تأمين الغذاء. اضطرت المجتمعات إلى الابتكار في أنماط الإنتاج، ودمج الرعي مع الزراعة، واعتماد التعاون المجتمعي لمواجهة الصدمات، ما أعاد تشكيل الاقتصاد المحلي، ونظم الحياة الاجتماعية في المناطق المتأثرة.

أدى هذا الفقد الكبير في الثروة الحيوانية إلى تراجع الدخل المحلي للأسر الرعوية والزراعية، إذ فقدت بعض الأسر النازحة ما يقارب 40–60٪ من مواردها النقدية السنوية. كما أدى النزوح المستمر إلى انهيار الأسواق المحلية للماشية مع ارتفاع أسعار الأعلاف، وانخفاض القدرة الشرائية للسكان، ما زاد من ضعف الأمن الغذائي والهشاشة الاقتصادية.

التكيف الاقتصادي والاجتماعي واستراتيجيات البقاء

اضطرت الأسر مع فقدان جزء كبير من الثروة الحيوانية إلى إعادة هيكلة اقتصادها المحلي، والبحث عن مصادر بديلة للغذاء والدخل. لجأ الرعاة إلى الزراعة الموسمية في ضفاف الأنهار والواحات، بينما بدأ المزارعون في تربية الماشية لتعويض الخسائر. كما ظهرت شبكات تبادل جماعي للماشية والأعلاف بين الأسر لتقليل المخاطر الاقتصادية، واعتمدت المجتمعات على جمعيات محلية لإدارة الموارد المشتركة، مثل: المياه والمراعي وإشراك النساء والشباب في اتخاذ القرارات الاقتصادية والاجتماعية، وهو تحول كبير عن الهيكل التقليدي الذي كان يهيمن عليه كبار الرعاة ورجال القبائل.

أعادت الحرب تشكيل المجتمعات نفسها، حيث أصبحت مقسمة إلى شبكات أصغر وأكثر مرونة تعتمد على التعاون والتفاعل المستمر، مع إعادة توزيع الأدوار والمسؤوليات بين الشباب والنساء وكبار الرعاة، بما يعكس تغيرات جوهرية في السلطة الاجتماعية التقليدية

شملت استراتيجيات البقاء بيع جزء من الماشية للحصول على الغذاء أو النقد، وتأجير الحيوانات للمزارعين في مناطق أكثر أمانًا، واعتماد طرق بديلة للعلاج البيطري باستخدام الأعشاب المحلية، مع مراقبة جماعية للماشية للحد من النفوق. في جنوب كردفان، على سبيل المثال، أعادت الأسر النازحة توزيع أفراد الأسرة بين الرعي والزراعة لضمان استمرار الدخل، بينما في النيل الأزرق تم التعاون بين النازحين والمجتمعات المضيفة لمشاركة المراعي والموارد، ما ساعد على الحد من الخسائر، لكنه زاد الضغط على الموارد الطبيعية.

أثرت الحرب بشكل مباشر على أسواق الماشية المحلية، حيث أدى تراجع أعداد الحيوانات إلى ارتفاع أسعار اللحوم والألبان، بينما ارتفعت أسعار الأعلاف بشكل كبير بسبب تدمير الطرق والبنية التحتية. على سبيل المثال، سعر كيلو الغنم في دارفور قبل النزاع كان نحو 8,000 جنيه سوداني، بينما بعد النزاع وصل إلى أكثر من 14,000 جنيه. وفي جنوب كردفان، ارتفع سعر الأبقار بنسبة 60٪، بينما ارتفعت أسعار الأعلاف بنسبة 80٪ نتيجة نقص الإنتاج وتدهور القدرة الشرائية للأسر.

تأثر دخل الأسر بشكل مباشر، حيث أصبح متوسط الدخل السنوي للأسرة النازحة أقل بنحو 50٪ مقارنة بفترة ما قبل الحرب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتدهور الأمن الغذائي. كما أدى تدمير الأسواق المحلية إلى ظهور أسواق بديلة غير رسمية، غالبًا ما تكون غير منظمة، وتعتمد على التبادل النقدي المحدود، مما زاد من صعوبة الوصول إلى الموارد الحيوية وضبط الأسعار.

تعددت أنواع الماشية المتأثرة بشكل متفاوت بحسب المنطقة، الإبل في غرب كردفان كانت الأكثر خسارة بين الرعاة البدو بسبب النزوح والصراعات المسلحة، بينما كانت الأغنام والماعز الأكثر تأثرًا في دارفور ونقلها بين الأسواق. هذه الاختلافات أثرت على تنويع مصادر الدخل المحلي، حيث اضطرت الأسر لإعادة توزيع الموارد بين الأنشطة الزراعية والرعوية بما يضمن الاستمرارية الاقتصادية.

التحولات في نظم الإنتاج وإعادة إنتاج المجتمعات

أرغمت الحرب المجتمعات على دمج الزراعة والرعي كأسلوب للتكيف مع فقدان الماشية والموارد الطبيعية. فأصبحت الأسر الرعوية تمارس الزراعة الموسمية، بينما تحول بعض المزارعين إلى تربية الماشية كمصدر إضافي للدخل والغذاء. هذا الدمج أدى إلى نظام إنتاجي مرن يمكنه التكيف مع الصدمات، لكنه زاد من التنافس على الأراضي والمياه وخلق صراعات محلية على الموارد.

اضطرت المجتمعات إلى الابتكار في أنماط الإنتاج، ودمج الرعي مع الزراعة، واعتماد التعاون المجتمعي لمواجهة الصدمات، ما أعاد تشكيل الاقتصاد المحلي، ونظم الحياة الاجتماعية في المناطق المتأثرة

الابتكار في الرعاية الحيوانية أصبح جزءًا من استراتيجية البقاء، حيث اعتمدت المجتمعات على الأعشاب المحلية والممارسات التقليدية للوقاية من الأمراض، مع تبادل المعرفة بين المجتمعات المختلفة. وقد ساعد ذلك على إعادة إنتاج المجتمعات اقتصاديًا واجتماعيًا، لكنه كشف هشاشة هذه الأنظمة أمام الصدمات المتكررة. أعادت الحرب تشكيل المجتمعات نفسها، حيث أصبحت مقسمة إلى شبكات أصغر وأكثر مرونة تعتمد على التعاون والتفاعل المستمر، مع إعادة توزيع الأدوار والمسؤوليات بين الشباب والنساء وكبار الرعاة، بما يعكس تغيرات جوهرية في السلطة الاجتماعية التقليدية.

إن آثار الحرب على قطاع الثروة الحيوانية في السودان كانت عميقة وشاملة، شملت فقدان كميات كبيرة من الماشية، وتدمير البنية التحتية للرعي، واضطراب أنماط الإنتاج والرعي التقليدية، والنزوح القسري للسكان. هذه التداعيات دفعت المجتمعات الزراعية والرعوية إلى إعادة تنظيم اقتصادها المحلي، وابتكار أساليب للبقاء، بما في ذلك تنويع مصادر الدخل ودمج الزراعة والرعي، والاعتماد على التعاون المجتمعي لمواجهة الأزمات. على الرغم من هذه القدرة على التكيف، تظل المجتمعات في حالة هشاشة دائمة، وتعتمد على الدعم الخارجي لضمان استمرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

فهم آثار الحرب على الثروة الحيوانية وإعادة إنتاج المجتمعات، يساعد في تصميم سياسات تنموية وإنسانية فعالة تدعم المجتمعات في مواجهة الأزمات، وتضمن استدامة الموارد الحيوية، وتعزيز قدرة الأسر على الصمود والتكيف. التعافي طويل المدى يتطلب دمج الدعم الخارجي مع تقوية النظم المحلية المبتكرة، لضمان استدامة الثروة الحيوانية، وتعزيز الأمن الغذائي والاجتماعي للمجتمعات الزراعية والرعوية في السودان.