الأربعاء 20 مايو 2026
مع اتساع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، لم يعد السؤال في أفريقيا متعلقاً بأسعار النفط والشحن فقط، بل بمصير واحد من أكثر مصادر التمويل الخارجي نشاطاً في القارة خلال السنوات الأخيرة؛ رأس المال الخليجي.
وتتزايد المخاوف من أن تدفع الضغوط الأمنية والمالية الحكومات الخليجية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بما قد يؤجل بعض الالتزامات الاستثمارية الجديدة أو يبطئ تنفيذ صفقات قيد التفاوض، خصوصاً في القطاعات التي تحتاج إلى تمويل طويل الأجل وقرارات سريعة.
وبحسب Economist Intelligence Unit، ارتفع الرصيد التراكمي للاستثمارات الخليجية في أفريقيا من نحو 3.2 مليارات دولار في 2009 إلى قرابة 50 مليار دولار في 2023، مع تركّز واضح في النفط والغاز واللوجستيات والتعدين والزراعة والطاقة المتجددة. وفي الميدان، تظهر أمثلة مباشرة على هذا التوسع؛ إذ تربط DP World ميناء بربرة في صوماليلاند بجبل علي عبر مسار ملاحي منتظم، بينما وسّعت مجموعة موانئ أبوظبي حضورها في أفريقيا عبر امتياز جديد لثلاثين عاماً في ميناء دوالا بالكاميرون، إلى جانب عمليات واستثمارات أخرى في عدة دول أفريقية.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الاستثمارات لا تكمن في حجمها فقط، بل في ارتباطها بأولويات استراتيجية خليجية يصعب التخلي عنها سريعاً. فدول الخليج، التي تعتمد على الاستيراد لتأمين جزء كبير من احتياجاتها الغذائية، اتجهت منذ أزمة الغذاء العالمية في 2008 إلى توسيع استثماراتها الزراعية واللوجستية في الخارج، بما في ذلك أفريقيا. واليوم، ومع اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز وارتفاع كلفة النقل، تبدو القارة بالنسبة إلى المستثمر الخليجي جزءاً من معادلة الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، لا مجرد سوق بعيدة لرأس المال.
في المقابل، لا يمكن تجاهل الضغط الذي تفرضه الحرب على الموازنات الخليجية. فقد نقلت رويتررز عن مسؤول خليجي أن ثلاث دول في المنطقة تراجع بالفعل كيفية توظيف تريليونات الدولارات التابعة لصناديقها السيادية، بما يشمل احتمال إعادة النظر في تعهدات استثمارية وتقييم بعض الأصول والالتزامات الدولية، بعد الخسائر التي أصابت قطاعات الطيران والسياحة والموانئ والخدمات اللوجستية. وبناءً على هذه المؤشرات، يبدو أن المشاريع الأكثر عرضة للتأجيل ليست الأصول القائمة التي أُنفقت عليها أموال كبيرة بالفعل، بل الصفقات الجديدة أو التعهدات التي لم تدخل بعد مرحلة التنفيذ الكامل.
مع ذلك، لا تشير القراءة الأوسع إلى انسحاب خليجي وشيك من أفريقيا. فوكالة AP نقلت عن محللين أن الاستثمار الخليجي في الطاقة المتجددة الأفريقية مرشح للاستمرار رغم الحرب، لأن دوافعه تتجاوز الظرف الأمني الآني إلى حسابات التنويع الاقتصادي والتموضع في سلاسل المعادن والصناعة والطاقة المستقبلية. كما أن فجوة الكهرباء الضخمة في أفريقيا، مع حرمان نحو 600 مليون شخص من الوصول إلى الطاقة، تجعل السوق الأفريقية فرصة طويلة الأجل يصعب تجاهلها من قبل الصناديق والشركات الخليجية الباحثة عن عوائد استراتيجية.
في المحصلة، قد لا تنهي الحرب الجارية ضد ايران في الشرق الأوسط الاندفاعة الخليجية نحو أفريقيا، لكنها على الأرجح ستعيد تسعير المخاطر وتبطئ قرارات التمويل وتفرض فرزاً أكثر صرامة بين المشاريع. ما هو قائم ومرتبط بالموانئ والطاقة والزراعة سيظل أكثر قدرة على الصمود، أما ما لم يُغلق تمويلياً بعد فقد يواجه انتظاراً أطول. لذلك، فإن الرسالة الأهم للعواصم الأفريقية ليست انتظار ما ستفعله صناديق الخليج فقط، بل تسريع جاهزية المشاريع، وتنويع مصادر التمويل، وتقليل الاعتماد على شريك واحد مهما كانت أهميته.