الخميس 5 مارس 2026
لا يمكن فهم التدخلات العسكرية لرواندا في موزمبيق أو علاقاتها الملتبسة مع متمردي حركة "M23" في شرق الكونغو بمعزل عن استراتيجيتها الأوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي. فسواء تعلق الأمر بأضخم استثمار أجنبي في القارة الأفريقية، أو بالأزمة الإنسانية المزمنة في الكونغو الديمقراطية، أو حتى باستضافة بطولة كأس العالم للدراجات الهوائية، للمرة الأولى في أفريقيا، ثمة خيط خفي يربط بين هذه الملفات؛ رواندا.
منذ عام 2021، أرسلت كيغالي آلاف الجنود إلى محافظة كابو ديلغادو شمال موزمبيق، عقب هجوم شنّه تنظيم يُعرف باسم "داعش موزمبيق" على منطقة بالما، حيث يقع مشروع ضخم للغاز الطبيعي المسال تصل قيمته إلى 25 مليار دولار. ووفقًا لموقع "أفريكا إنتليجنس"، فإن التكلفة التقديرية لهذه العملية بلغت نحو 200 مليون يورو، من دون أن يُعرف على وجه التحديد من الذي يتحمّل هذه الفاتورة الباهظة.
بالموازاة مع ذلك، سقطت مدينة غوما الاستراتيجية في مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو، في يناير/كانون الثاني الماضي، بأيدي مقاتلي حركة "M23". كان الهجوم دمويًا، فقد خلف أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، وأدى إلى تهجير 400 ألف مدني، فيما يعيش من تبقى في المدينة تحت سطوة الخوف وقبضة الحركة المشبعة بهواجس الشك والرقابة.
لقد تحوّلت غوما وبوكافو وروبايا ومينوفا إلى مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة الكونغولية، وأصبح دخول الصحفيين أو العاملين الإنسانيين إليها مغامرة محفوفة بالمخاطر. حتى بعثة الأمم المتحدة (مونوسكو) تجد نفسها مشلولة، فهي مرفوضة من قبل الحركة المتمردة، وفي الوقت ذاته غير قادرة على التواصل معها دون أن تُتّهم بالخيانة من طرف كينشاسا. أحد العاملين الدوليين في المدينة وصف الوضع صراحة: "لقد أُهينت الأمم المتحدة تمامًا".
"هذا يشبه الخطاب الإسرائيلي بشأن غزة: ’لقد نُسينا من الغرب، نحن الضحايا‘. لكن الضحية تتحول إلى جلاد، بينما يستمر استخدام خطاب ما بعد الإبادة لتحقيق شرعية داخلية وتبرير التوسع الخارجي"
في مشهد بعيد جغرافيًا، ولكن متصل رمزيًا، تستعد العاصمة الرواندية كيغالي لاستضافة بطولة العالم للدراجات الهوائية في سبتمبر/ أيلول المقبل. تتماهى هذه الخطوة مع رؤية الرئيس بول كاغامي في تقديم بلاده باعتبارها وجهة عالمية حديثة، تسير على طرق معبّدة وسط تلال ساحرة. يُذكر أن هذه الخطوة تتماشى مع السياسة الرياضية الوطنية 2030 التي تسعى لتحسين الصحة العامة من خلال الترويج للرياضة عالية الأداء.
تختبئ خلف هذا الوجه العصري لرواندا مفارقات حادّة، فعلى مدى أقل من ثلاثة عقود، تمكن كاغامي من إعادة بناء بلاده بعد الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1994، والتي شهدت واحدة من أبشع المذابح في العصر الحديث: أكثر من مليون قتيل في مائة يوم، 70٪ من أقلية التوتسي؛ أي ما يعادل خُمس سكان رواندا آنذاك. وفي إطار السعي للشفاء، أنشأت الدولة متحفًا للذاكرة يضم رفات 250 ألف ضحية، ونظّفت شوارعها، وأصبحت تُشبّه بـ"سنغافورة أفريقيا".
مع ذلك، فإن طموح رواندا في تحقيق الثروة، سواء عبر مواردها المعدنية أو من خلال ثروات جيرانها، أخذها في مسارات جيوسياسية معقدة. ففي عام 2010، اكتشفت شركة أميركية احتياطيًا ضخمًا من الغاز في سواحل شمال موزمبيق، ما دفع شركات كبرى مثل: "توتال إنرجي" و"إكسون موبيل" و"إيني" إلى ضخ استثمارات ضخمة في المنطقة.
لكن في عام 2021، شنّ متمردون جهاديون يعرّفون أنفسهم باسم "داعش موزمبيق"، هجومًا قاتلًا في بالما أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، واختطاف 209 آخرين يُفترض أنهم قتلوا لاحقًا. فتوقفت شركة توتال إنرجي عن العمل، وأعلنت حالة "القوة القاهرة" التي ما تزال سارية حتى اليوم. ومن خلال ترتيبات سرية مع الرئيس الموزمبيقي السابق فيليبي نيوسي، بدأ كاغامي في إرسال قواته لحماية الموقع الغازي، ودعم القرى المحلية المتضررة.
يقول لاد سيروات، محلل أول في منظمة "أكليد" المتخصصة برصد الصراعات: "الروانديون يدركون أن الشركاء الغربيين غير قادرين على إدارة هذه الأزمات، لذا فهم يملؤون هذا الفراغ". ويضيف: "هذا يشبه الخطاب الإسرائيلي بشأن غزة: ’لقد نُسينا من الغرب، نحن الضحايا‘. لكن الضحية تتحول إلى جلاد، بينما يستمر استخدام خطاب ما بعد الإبادة لتحقيق شرعية داخلية وتبرير التوسع الخارجي".
تُعد رواندا من أبرز القوى المحركة للصراع في شرق الكونغو، وأن "M23" لا تستطيع التحرك خارج الإرادة الرواندية
تُعد رواندا من أكثر الدول الأفريقية تلقّيًا للمساعدات الغربية، إذ حصلت عام 2021 على 1.3 مليار دولار من المانحين، بينها 174 مليونًا من الولايات المتحدة وحدها. وفي الوقت الذي تنفي فيه كيغالي دعمها لحركة "M23"، تبرّر تدخلها بالإشارة إلى التهديدات الأمنية الإقليمية والدعاية الكونغولية والتحريض ضد التوتسي.
لكن تقريرًا حديثًا لمنظمة "أكليد" في سبتمبر/ أيلول 2024، يُشير إلى وجود أكثر من 100 مصدر مستقل تؤكد تورط قوات الدفاع الرواندية في دعم"M23". ويرى سيروات أن هذه المؤشرات لا تترك مجالًا للشك: "النفوذ الرواندي بات أمرًا محسومًا".
بعيدًا عن الاعتبارات الأمنية، ثمّة مصالح اقتصادية لا تخفى، إذ توثق تقارير وشهادات حالات تهريب للمعادن الثمينة من شرق الكونغو نحو رواندا. وقد ألمح كاغامي، في معرض نفيه للتدخل، إلى الحدود الاستعمارية المرسومة للمنطقة، معتبرًا أن شرق الكونغو كان تاريخيًا جزءًا من رواندا.
لكن لغة النفي هذه بدأت تتغير تدريجيًا، ففي إحدى تصريحاته الأخيرة، لم ينفِ كاغامي تدخل قواته، بل قال: "لا نعرف إن كانت قواتنا ما تزال هناك". كما يشير سيروات إلى مؤشرات أخرى على التدخل، مثل الأسلحة المتطورة التي لا يُرجّح أن حركة "M23" تمتلك الخبرة لاستخدامها، مما يطرح فرضيتين: إما أن "RDF" تقوم بالتدريب، أو أنها تقاتل إلى جانبهم.
تتمثل إحدى العلامات التكتيكية على الحضور الرواندي في انخفاض معدلات استهداف المدنيين مقارنة بجماعات أخرى. يوضح سيروات: "حتى M23 كانت أكثر تقييدًا في هجماتها، وعدد الضحايا المدنيين ظل منخفضًا نسبيًا. تخشى "RDF" تجاوز الحدود، لا سيما فيما يخص العنف الجنسي".
تُظهر بيانات "أكليد" أن رواندا تُعد من أبرز القوى المحركة للصراع في شرق الكونغو، وأن "M23" لا تستطيع التحرك خارج الإرادة الرواندية. "حتى على المستوى الكمي، فإن الاتفاقات السياسية قادرة على تقليص هجمات الحركة بنسبة تصل إلى 75٪"، يقول سيروات.
في الوقت ذاته، تستخدم كيغالي مشاركاتها في بعثات حفظ السلام الأفريقية كورقة ضغط سياسية ضد الانتقادات الموجهة لها بشأن دعم "M23". وهدد كاغامي أكثر من مرة بسحب قواته من المهام الأممية. يرى المحلل بيتر بوفين أن غياب الفهم الغربي لتعقيدات مناطق نائية مثل شمال موزمبيق يصبّ في مصلحة كيغالي، ويمنحها هامشًا للمناورة الجيوسياسية.
في مايو/آيار الماضي، وبعد شهور من التنسيق مع الجيش الرواندي، سافرنا إلى كيغالي للمشاركة في جولة صحفية لزيارة قوات "RDF" في موزمبيق. لكن قبل دقائق من صعودنا إلى المروحية العسكرية، تلقينا رسالة من مكتب الرئاسة تُبلغنا بإلغاء الرحلة بسبب "مشكلات غير متوقعة". قيل لنا إن سبب الإلغاء يعود إلى مشاكل في جدول هبوط المروحية بمدينة بيمبا، إلا أن زميلي الصحفي اعتقد أن المسألة أعمق من ذلك.
يكشف دور رواندا في أزمات المنطقة مفارقة قاتمة؛ الدولة التي نالت الإشادة الدولية بعد نجاتها من أهوال الإبادة، تحوّلت إلى لاعب رئيسي في صراعات تهدد الاستقرار وتغذي النزوح والفوضى
قال لي لاحقًا: "رواندا كانت محرجة للغاية. لم تكن تريد أن تنهار صورة السيطرة التي بنتها هناك". في الوقت ذاته، سجّلت تقارير "كابو ليغادو" خمسة هجمات مرتبطة بـ"داعش موزمبيق" خلال تلك الفترة، ما يجعلها من أكثر الأسابيع فتكًا على الإطلاق عام 2025.
لاحقًا، أبلغنا مكتب الرئيس بأننا سنُحوّل إلى مهمة بديلة في الكونغو، برعاية مباشرة من رواندا. تم تسهيل دخولنا إلى أراضٍ تسيطر عليها "M23"، وتواصل معنا المتحدث باسم الحركة، بل وعُرض علينا تغطية تكاليف الإقامة والطعام -عرض رفضناه حفاظًا على استقلالنا التحريري.
في مدينة غوما، رفض مرافقنا الرواندي نزع قناعه الطبي، قائلاً: "لا يمكنني أن أُعرّف هنا". حينها فقط، بدأ يتضح أن رواندا، رغم إنكارها المتواصل، هي التي رتّبت وصولنا إلى أراضٍ متمردة.
عندما غادرنا غوما بعد ثلاثة أيام، سألت زميلي: "هل ما حدث للتو حقيقي؟ رواندا فعلاً أوصلتنا إلى M23؟" تبادلنا النظرات بصمت.
إن دور رواندا في أزمات المنطقة يكشف مفارقة قاتمة؛ الدولة التي نالت الإشادة الدولية بعد نجاتها من أهوال الإبادة، تحوّلت إلى لاعب رئيسي في صراعات تهدد الاستقرار وتغذي النزوح والفوضى. من حماية منشآت الغاز في موزمبيق إلى توجيه الأحداث في شرق الكونغو، تفرض رواندا وجودها في قلب أزمات أفريقيا. وما استضافتها لبطولة العالم للدراجات الهوائية إلا صورة أخرى لهذه الازدواجية: دولة أعادت تشكيل نفسها كنموذج للنظام والانضباط، لكنها تسير في الظل حيث تُدار الحروب وتُرسم خرائط النفوذ.