الأربعاء 12 أغسطس 2026
بعد أكثر من شهر على واحدة من أسوأ الكوارث المدرسية التي شهدتها كينيا في السنوات الأخيرة، وجه القضاء الكيني اتهامات بالقتل إلى ثماني طالبات في المرحلة الثانوية، على خلفية الحريق الذي اندلع في أحد مهاجع مدرسة "أوتوميشي للبنات" في مقاطعة ناكورو أواخر مايو الماضي، وأسفر عن مقتل 16 طالبة وإصابة 79 أخريات. وقد مثلت الطالبات الثماني، اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 و18 عاماً، أمام المحكمة العليا في كيبيرا بالعاصمة نيروبي، حيث دفعن جميعاً ببراءتهن من التهم الموجهة إليهن، في قضية أعادت إلى الواجهة أزمة العنف المدرسي وسلامة المدارس الداخلية في كينيا.
كان الحريق قد اندلع في الساعات الأولى من صباح 28 مايو داخل مهجع الطالبات في مدرسة "أوتوميشي للبنات" بمدينة غيلغيل، الواقعة في مقاطعة ناكورو بمنطقة الوادي المتصدع. ووفقاً للتحقيقات الأولية التي أجرتها مديرية التحقيقات الجنائية الكينية، فإن السلطات اشتبهت منذ الأيام الأولى في أن الحريق كان متعمداً، ما دفعها إلى توقيف عدد من الطالبات وإخضاعهن للتحقيق. وقد أدى الحريق إلى مصرع 16 طالبة تتراوح أعمارهن بين 15 و18 عاماً، فيما أصيبت عشرات الطالبات بحروق وإصابات متفاوتة، واضطرت السلطات إلى استخدام اختبارات الحمض النووي لتحديد هوية بعض الضحايا بسبب شدة الحريق.
شددت القاضية ديانا كافيدزا، خلال جلسة المحاكمة الأولى، على ضرورة التعامل مع القضية وفق معايير العدالة الخاصة بالأحداث، مؤكدة أن المتهمات "أطفال" ولا ينبغي وصفهن في هذه المرحلة بـ"المجرمات" أو "المتهمات" خارج الإطار القضائي. وأمرت المحكمة بإيداع الطالبات في مركز احتجاز الأحداث في كابيتي حتى موعد الجلسة المقبلة المقرر عقدها في 22 سبتمبر، كما وجهت بتوفير الدعم النفسي والاجتماعي لهن، ومنعت وصولهن إلى وسائل التواصل الاجتماعي خلال سير الإجراءات القضائية. كما قررت المحكمة حماية هويات الطالبات ومنع وسائل الإعلام من نشر أي معلومات يمكن أن تؤدي إلى التعرف عليهن.
أثارت القضية صدمة واسعة في كينيا، ليس فقط بسبب عدد الضحايا، أيضاً لأنها أعادت إلى الواجهة ظاهرة حرائق المدارس الداخلية، التي ارتبط العديد منها خلال العقود الماضية باحتجاجات طلابية على ظروف الدراسة أو الإجراءات التأديبية. تشير الدراسات المحلية وتقارير الحكومة إلى أن الحرائق المتعمدة في المدارس أصبحت ظاهرة متكررة في النظام التعليمي الكيني، حيث يلجأ بعض الطلاب إلى إحراق المرافق المدرسية احتجاجاً على سياسات الإدارة أو ظروف الإقامة. وقد دفع الحريق الأخير وزارة التعليم إلى إغلاق مؤقت لأكثر من 200 مدرسة ثانوية في أنحاء البلاد خلال الأسابيع الماضية، قبل أن تستأنف معظمها الدراسة لاحقاً.
يستحضر الرأي العام الكيني سلسلة من الكوارث المدرسية المشابهة التي هزت البلاد خلال العقود الأخيرة. ففي سبتمبر/أيلول 2024، أدى حريق في أكاديمية "هيلسايد إنداراشا" بمقاطعة نييري إلى مقتل 21 طفلاً، بينما لا يزال حريق مدرسة "كيانغولي الثانوية" عام 2001، الذي أودى بحياة 67 طالباً، يمثل أكثر الحرائق المدرسية دموية في تاريخ كينيا الحديث. وقد خلصت التحقيقات في حادثة كيانغولي إلى أن الحريق كان عملاً متعمداً نفذه طلاب احتجاجاً على إجراءات تأديبية فرضتها إدارة المدرسة.
يرى مراقبون أن القضية الحالية تتجاوز البعد الجنائي لتكشف عن أزمة أعمق داخل النظام التعليمي الكيني، تتعلق بظروف الإقامة في المدارس الداخلية، وأساليب الانضباط، والدعم النفسي للطلاب، وآليات التعامل مع التوترات داخل المؤسسات التعليمية. وبينما تؤكد السلطات القضائية أنها ستتعامل مع القضية وفق معايير العدالة الخاصة بالأحداث، فإن محاكمة ثماني طالبات بتهمة قتل 16 من زميلاتهن تمثل واحدة من أكثر القضايا الجنائية حساسية وتعقيداً في تاريخ التعليم الكيني المعاصر، وقد تعيد فتح نقاش وطني واسع حول مستقبل نظام المدارس الداخلية في البلاد.