الاثنين 7 سبتمبر 2026
كثفت الحكومة الكينية إجراءاتها الأمنية ضد العصابات الإجرامية المعروفة محليا باسم "الغونز" Goons))، بعد توجيهات صدرت إلى أجهزة الشرطة والأمن بتنفيذ حملات موسعة في مختلف أنحاء البلاد تستهدف تفكيك هذه المجموعات والقبض على عناصرها، في خطوة تعكس تصاعد القلق الرسمي من تنامي دور العصابات في الاحتجاجات السياسية وأعمال العنف الحضري. جاء الإعلان على لسان وزير الداخلية الكيني كيبشومبا موركومين، الذي أكد أن السلطات أصدرت أوامر مباشرة لجميع القيادات الأمنية بتشديد عمليات الملاحقة والاعتقال، معتبرا أن التعامل مع هذه الجماعات أصبح يمثل أولوية وطنية تتجاوز الانقسامات السياسية، في ظل ما وصفه بتوافق متزايد بين مختلف القوى السياسية على ضرورة إنهاء ظاهرة استخدام العصابات في الحياة العامة.
أوضح موركومين أن الحكومة تنظر إلى هذه المجموعات باعتبارها شبكات إجرامية منظمة تمارس الاعتداء على المواطنين، وتستهدف الممتلكات العامة والخاصة، وتعمل في كثير من الأحيان كأدوات تستخدم خلال المنافسات السياسية والاحتجاجات الجماهيرية. كما أشار إلى أن وزارة الداخلية أصدرت تعليمات لجميع قيادات الشرطة الإقليمية بتنفيذ عمليات استباقية، تعتمد على جمع المعلومات الاستخباراتية وملاحقة قادة العصابات ومصادرة الأسلحة المستخدمة في الاعتداءات، مع تعزيز الوجود الأمني في المدن والأحياء التي تشهد نشاطاً لهذه الجماعات.
ورغم اعترافه بخطورة الظاهرة، اتهم وزير الداخلية بعض قادة المعارضة بتضخيم حجم الأزمة لأغراض سياسية، معتبرا أن الخطاب السياسي السائد يحاول تصوير انتشار العصابات باعتباره نتيجة مباشرة لسياسات الحكومة الحالية، بينما تعود جذور المشكلة إلى سنوات طويلة سبقت الإدارة الحالية. وأضاف أن جميع التيارات السياسية في كينيا، وفق قوله، استفادت في مراحل مختلفة من خدمات هذه المجموعات خلال التجمعات الانتخابية أو الأنشطة السياسية، الأمر الذي سمح لها بالنمو والتحول إلى شبكات تمتلك مصادر تمويل ونفوذا داخل بعض المناطق الحضرية.
في أكثر تصريحاته إثارة للجدل، ربط موركومين بين نشاط هذه العصابات والاحتجاجات الواسعة المناهضة للحكومة التي شهدتها البلاد خلال عام 2024، والتي اندلعت رفضا لمشروع قانون المالية، وما تضمنه من زيادات ضريبية. وقال إن مجموعات منظمة استغلت تلك الاحتجاجات لتنفيذ أعمال عنف ونهب وتخريب، مدعيا أن بعض السياسيين قاموا بحشد عناصر هذه الجماعات للمشاركة في المظاهرات، وتحويلها إلى مواجهات مع قوات الأمن، مع استهداف منشآت تجارية ومحاولات اقتحام مبنى البرلمان في نيروبي.
ووجّه الوزير اتهامات مباشرة إلى نائب الرئيس السابق ريغاثي غاشاغوا، الذي أُقيل من منصبه في وقت سابق، قائلا إن الأخير كان من بين الشخصيات السياسية التي استعانت بهذه المجموعات خلال التحركات المناهضة للحكومة. وذكر أن التحقيقات الأمنية تشير إلى وجود عمليات تعبئة منظمة لعناصر العصابات للمشاركة في أعمال العنف، وهي اتهامات لم يقدم الوزير أدلة علنية تدعمها حتى الآن، بينما ينفي غاشاغوا باستمرار الاتهامات الحكومية التي تربطه بأعمال العنف أو التحريض عليها.
تأتي هذه التصريحات في سياق تصاعد التوتر السياسي داخل كينيا منذ احتجاجات 2024، التي تحولت إلى واحدة من أكبر الأزمات الداخلية التي واجهها الرئيس ويليام روتو منذ توليه السلطة. فقد أدت المظاهرات إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، وفق تقديرات منظمات حقوقية، كما تعرض البرلمان ومقار حكومية لهجمات من محتجين تمكن بعضهم من اقتحام مبنى البرلمان للمرة الأولى في تاريخ البلاد الحديث، الأمر الذي دفع الحكومة إلى سحب مشروع قانون المالية وإجراء تعديلات واسعة داخل مؤسسات الدولة.
يحمل مصطلح "الغونز" في السياق الكيني دلالة خاصة تختلف عن مفهوم العصابات التقليدية، إذ يشير إلى مجموعات من الشبان يجري تجنيدهم بصورة مؤقتة أو دائمة لتنفيذ أعمال ترهيب أو حماية أو مهاجمة الخصوم السياسيين خلال الحملات الانتخابية أو الاحتجاجات أو النزاعات المحلية. وتوثق تقارير صادرة عن منظمات المجتمع المدني الكينية أن هذه الظاهرة تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأت بعض الأحزاب السياسية الاعتماد على جماعات شبابية منظمة للسيطرة على التجمعات الجماهيرية أو التأثير في نتائج المنافسة السياسية، قبل أن تتحول بعض هذه المجموعات إلى شبكات إجرامية مستقلة، تمارس الابتزاز والسرقة والاعتداء داخل المدن الكبرى، خاصة في نيروبي ومومباسا وكيسومو.
يرى مراقبون أن الحملة الأمنية الجديدة تعكس محاولة من الحكومة لاستعادة السيطرة الأمنية بعد أشهر من الاضطرابات السياسية، مع توجيه رسالة إلى الرأي العام بأن الدولة عازمة على منع تكرار أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات السابقة. في المقابل، تثير الحملة مخاوف لدى منظمات حقوق الإنسان من احتمال استخدامها لتوسيع الاعتقالات السياسية أو استهداف معارضين تحت غطاء مكافحة العصابات، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة السلطات على الفصل بين إنفاذ القانون وحماية الحقوق السياسية، خاصة مع استمرار حالة الاستقطاب بين الحكومة والمعارضة واقتراب البلاد من استحقاقات سياسية جديدة.