الثلاثاء 10 مارس 2026
أعلنت بريطانيا تمويلا جديدا، يتجاوز مليون جنيه إسترليني، لدعم عمليات القبعات الزرق التابعة للأمم المتحدة، في المؤتمر الوزاري لحفظ السلام ببرلين الأسبوع الماضي. لا يرتبط هذا الدعم بمحدد الاستجابة للدعوات الأممية لتقديم مزيد من الدعم لها في عالم تتوسع فيه هوامش الصراعات كل يوم، كما أنها ليست تقديرا بريطانيا للمخاوف الحثيثة من تراجع الممولين للأمم المتحدة وعملياتها، على رأسهم الولايات المتحدة، في ظل توجهات إدارة ترامب لتقليص تمويل هذه البعثات.
لقد جاء ذلك في سياق مسايرة توجهات المملكة المتحدة الخارجية لتوسيع حضورها الخارجي بعد البريكست، مراهنة على توسيع مجالات حضورها، واهتماماتها بمكانة تليق بها في النظام العالمي الجديد، منطلقها تعزيز التعاون ونهج الأمن العسكري والثقة المتبادلة، وقاعدتها منطقة شرق أفريقيا وامتداداته الاستراتيجية.
أعادت المملكة المتحدة بعد انسحابها من الاتحاد الأوروبي تشكيل أدوارها الخارجية، برؤية جديدة لبريطانيا خارج حدودها؛ فأعلنت عن تغيرات استراتيجية لإعادة أمجادها السابقة، مستحضرة القارة الأفريقية محورا أساسيا لتحركاتها، بعد عقود من التركيز على أسيا ومحاور أخرى.
تأكيدا لهذه الانعطافة، رسم رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون ملامح استراتيجيته بعنوان: "بريطانيا العالمية في عصر تنافسي: المراجعة المتكاملة للأمن والدفاع والتنمية والسياسة الخارجية"، المعلن عنها في مارس/آذار 2021، على قاعدة استعادة مكانتها باعتبارها قوة مركزية على الساحة العالمية. هكذا، تتطلع المملكة المتحدة إلى عام 2030 أفقا لعلاقات خارجية متنوعة، ودور محوري فاعل في كافة المجالات.
جسدت زيارة تيريزا ماي في عام 2018 لجنوب أفريقيا ونيجيريا وكينيا البدايات الأولى لهذه الإرادة قبل خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتعززت محدداته برهانها على التعاون الاقتصادي المشترك، فشكلت القمة البريطانية الأفريقية للاستثمار بمشاركة 21 دولة أفريقية في لندن عام 2020، معالم بناء جسور التواصل لتعزيز الاستثمار والتعاون. وأعادت القمة الأخيرة في 2024 التأكيد على ذات التوجهات، بتوسيع مجالات الشراكة الاقتصادية للارتقاء ببريطانيا إلى مرتبة الشريك الاستثماري الأفضل للدول الأفريقية.
يحضر القرن الأفريقي ضمن هذه المراجعة الاستراتيجية، نظرا لأهمية المنطقة في التوجهات الكبرى للسياسة البريطانية الخارجية، ورهانها من أجل تعزيز علاقاتها بدول المنطقة، وعبرها إلى غرب القارة وشرقا إلى باب المندب والشرق الأوسط.
يبدو الوجود البريطاني محوريا بالمنطقة، لكنه لم يكتسب أبعادا جديدة لتوسيع هوامش حضورها، ولم يتطور بل حافظ على ذات التوجهات. كما لم تستدرك المملكة توسيع مجالات التعاون العسكري والأمني، فلا تزال تراهن على دعم عمليات حفظ السلام، والمساهمة في تأهيل الجيوش
لا يرتبط الأمر بالإرث التاريخي للوجود البريطاني فحسب، إنما جاءت تأكيدا لإعادة صياغة حضورها، أولا لتجاوز التنافس الدولي، وللاستفادة من هوامش التعاون المتاحة بينهما، مراهنة على الخيار الأمني لتعزيز نفوذها بالمنطقة، والذي يتقاطع مع توجهاتها نحو تأمين حرية الملاحة في باب المندب.
ورغم ذلك، يبدو أن الرهان على التعاون الاقتصادي مع دول القارة محدود، فحجم التجارة البريطانية مع القارة الذي لا يتجاوز 46 مليار دولار عام 2019. كما أن حجم استثماراتها لا يتعدى 2.4 مليار جنيه أستراليني عام 2022. تبدو هذه التدفقات متواضعة بالمقارنة مع مستوى الارتباطات الاقتصادية الصينية مثلا، ما فرض التركيز على توسيع مجالاتها بالانفتاح على الجانب الأمني، وعيا منها بحجم التحديات الأمنية المتصاعدة بكل محاور القارة، بما في ذلك الشرق الأفريقي، فراهنت على منطقة القرن الأفريقي، تقديرا لموقعها الاستراتيجي والتاريخ المشترك، وكذا تقاطعها مع منطقة البحر الأحمر، محور حضورها التقليدي.
في إشارة إلى تأكيد انخراطها في إرساء مقاربات جديدة للاستقرار بالمنطقة، عينت بريطانيا مبعوثا خاصا لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر في يونيو/ حزيران 2022، إسوة بنظرائها الأمريكي والصيني. كانت سارة مونتغمري الأولى وخلفتها أليسون بلاكبيرن التي راهنت على إرثها الدبلوماسي سابقا في جنوب السودان وأوغندا من أجل تعزيز استجابة المملكة، وتأكيد مقاربتها للتحديات في المنطقة.
تتشكل محاور التحركات البريطانية الجديدة بالتركيز على المحدد الأمني محورا أساسيا لتعزيز علاقاتها بدول القارة. فقد سبق لها أن راهنت على حضور متميز في غرب القارة، وتحديدا بدولة مالي، دعما وإسنادا للقوات الفرنسية والأوروبية، غير أن خروج القوات الأجنبية من المنطقة، أعاد محورية الشرق الأفريقي، وأهمية الجوانب الأمنية والعسكرية في تقديراتها، كامتياز حصري في علاقاتها بشركائها.
نهجت بريطانيا خيار التعاون الأمني والتدريب العسكري، ودعم عمليات حفظ السلام الدولية والإقليمية باعتباره ورقة رابحة مع شركائها، فعزز الجيش البريطاني حضوره في أفريقيا من خلال مساهمته المباشرة في القوات الأممية بعدد من الدول الأفريقية؛ منها مالي والكونغو الديمقراطية وجنوب السودان والصومال، أو عبر الدعم المالي واللوجيستي لعملياتها.
بالتوازي مع ذلك، تركز على التنسيق العملياتي مع القوات الأوروبية في جمهورية مالي، قبل إنهاء المجلس العسكري لعملياتها، بينما لا يزال حضورها فاعليا في الدعم العسكري والمالي لقوات بعثة الاتحاد الأفريقي "أميصوم" بالصومال، والذي تبرز أهميته مع تصاعد حجم التحديات بصعوبة تمويل عملياتها.
حافظت بريطانيا على وجود عسكري دائم وممتد بشرق القارة بكينيا منذ استقلالها، باعتبارها مرتكزا لتحركاته بالمنطقة، وتوسعت هوامش عمليات مع دول أخرى. تعتبر نيروبي حليفا استراتيجيا للمملكة، فهي أكبر شريك تجاري لها في القارة، حيث وقع الطرفان اتفاقية شراكة للتجارة الحرة الثنائية في ديسمبر/كانون الأول 2020، تجسيدا لمستوى الروابط بينهما.
عزز ذلك التنسيق الأمني المشترك، الذي توج بتربع القاعدة العسكرية باتوك (BATUK) كأبرز المحطات العسكرية البريطانية الدائمة خارج حدودها، (يوجد مقرها في نانيوكي على بعد 200 كلم شمال العاصمة)، تصنف كأكبر قواعد الجيش الملكي في أفريقيا، تأسست منذ ستينيات القرن الماضي، وتتكفل بتدريب حوالي 4000 جندي أفريقي بما في ذلك الجنود الكينيين كل عام. وتلحق بها خمس قواعد أخرى، أبرزها القاعدة للعمليات التدريبية مع الجيش الكيني.
سبق لها أن راهنت على حضور متميز في غرب القارة، وتحديدا بدولة مالي، دعما وإسنادا للقوات الفرنسية والأوروبية، غير أن خروج القوات الأجنبية من المنطقة، أعاد محورية الشرق الأفريقي، وأهمية الجوانب الأمنية والعسكرية في تقديراتها، كامتياز حصري في علاقاتها بشركائها
مؤسساتيا، يساهم فريق دعم السلام البريطاني في أفريقيا بنيروبي في تدريب الآلاف من قوات الأمن الأفريقية سنويا، بكافة المؤسسات الدفاعية مع نصيب محوري لشرق القارة، في الصومال وتنزانيا وأوغندا وكينيا، وبالتعاون مع المؤسسات الأمنية الأفريقية والأممية. تقديرا لهذا العمل الدؤوب حظي بشرف المساهمة في إنشاء أول قوة بحرية كينية في تاريخها لمواجهة التهديدات ومحاربة الإرهاب، كما كانت الأساس لتدريب الجيش الصومالي، لاسيما فرق النخبة لمكافحة الإرهاب، وتجسد المناورات العسكرية المشتركة.
ارتباطا بالوضع الأمني المتدهور بالبحر الأحمر وخليج عدن، عززت بريطانيا بشكل مطرد حضورها بالمنطقة للمساهمة في حماية السفن التجارية بعد الهجمات الحوثية دعما لغزة. يعد الأمن البحري من مجالات التعاون والمساهمة البريطانية هناك لحماية وتأمين الملاحة البحرية، ما يؤكد أهمية باب المندب في تقديرات لندن لحماية المصالح البريطانية وتأمينها، دون أن تغفل حضورا موازيا بخليج غينيا مساهمة في مكافحة القرصنة وتأمين السفن.
ارتباط بذلك، انخرطت بقوة، منذ البداية، في مختلف العمليات البحرية ردا على تصاعد الهجمات على السفن التجارية، فقد سارعت للمساهمة في تحالف حارس الازدهار أواخر 2023، بعد إغراق السفينة روبيمار التابعة للمملكة. وقبلها في أواسط عام 2019، كانت مساهمة البحرية البريطانية محورية في ذات السياق، لتأمين الملاحة وسلامة الممرات، لكن هذه المرة ردا على اتهام البحرية الإيرانية بالمشاركة في استهداف ناقلات النفط والسفن بالخليج، بعد احتجاز ناقلة بريطانية لدى مرورها بمضيق هرمز.
ورغم ذلك، قد يرسم الهاجس الأمني حدودا للتحركات البريطانية بشرق القارة للحفاظ على السلم والاستقرار، أمام محدودية تحركاتها وقدراتها بالمنطقة، بالمقارنة مع التوجهات الأمريكية أو الصينية والروسية.
لئن كان الحضور البريطاني بأفريقيا مركزيا في السنوات الأخيرة إلا أنه يواجه تحديات تصاعد التنافس الدولي، وقد تأكدت شدته بغرب القارة، حيث وضعت حدا للحضور الغربي هناك بعد انسحاب وإنهاء مهام القوات الأوروبية والأمميةو بما فيها البريطانية، لصالح القطب الروسي.
في الشرق الأفريقي تتصاعد أيضا حدة المنافسة خصوصا الصينية، ومعها ترسم معالم التوجهات الأمريكية لاحتواء وتقويض نفوذ بكين في المنطقة، وإن كان بالنسبة للبريطانيين يتأكد بأنه لا يشكل محور اهتمامهم بالمقارنة مع نظرائهم الأمريكيين. ولكنه بشكل غير مباشر حاضر في تقديرات الفاعل الاستراتيجي البريطاني، لذلك جددت متطلبات التحالف مع الولايات المتحدة، فقد أعلن قبل البلدان أسابيع على توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية، كما أعادت لندن ترتيب شراكة دفاعية مع الاتحاد الأوروبي. مما يؤكد بأن المملكة تعي حجم تحديات المنافسة بالمنطقة، وإن كان من غير المؤكد مدى قدرتها على مواجهة النفوذ الصيني أو تعويض النفوذ الغربي.
يرسم الهاجس الأمني حدودا للتحركات البريطانية بشرق القارة للحفاظ على السلم والاستقرار، أمام محدودية تحركاتها وقدراتها بالمنطقة، بالمقارنة مع التوجهات الأمريكية أو الصينية والروسية
يبدو الوجود البريطاني محوريا بالمنطقة، لكنه لم يكتسب أبعادا جديدة لتوسيع هوامش حضورها، إنما حافظ على نفس المستوى وذات الآليات التنسيقية والتعاونية، ولم يتطور بل حافظ على ذات التوجهات. كما لم تستدرك المملكة توسيع مجالات التعاون العسكري والأمني، فلا تزال تراهن على دعم عمليات حفظ السلام، والمساهمة في تأهيل الجيوش. وتجاوز هذه التحدي مرتبط في المنظور المتوسط بالبحث عن بناء القدرات وتطوير السياسات وتوسيع مجالات التعاون، إذ لا تزال الأولوية على الاستمرار في الآليات التقليدية للتعاون الثنائي مع شركائها وتطوير قدراتها، ومع ذلك يتزايد الاهتمام بتحركاتها الاقتصادية والاستثمارية.
ومن زاوية أخرى، يصطدم وجودها العملياتي بالمنطقة بتحديات حماية حقوق الإنسان، عززته اتهامات متوالية للجنود البريطانيين بانتهاكات لحقوق الانسان في كينيا، في شكل اتهامات للجنود بالتعذيب وسوء المعاملة والاعتداءات الجنسية والقتل والتمييز وإساءة استخدام السلطة. لم ينفع الانكار والتجاهل في تجاوزها، فاستدعت الاحتجاجات وضغوط المؤسسات الحقوقية والمتضررين من الطرفين فتح متابعات قضائية وعشرات التحقيقات وجلسات الاستماع، أثمرت طي بعض الملفات، ورفع الحصانة الدبلوماسية للجنود منذ عام 2016، بما يتيح إمكانية متابعتهم في حال ارتكابهم تجاوزات، فاستطاعت سلطات البلدين احتواء تلك الاتهامات، مع تأكيداتهما على استمرار التعاون والتنسيق لتجاوز تداعيات هذه التجاوزات المزعومة.
بالمجمل، تستثمر بريطانيا في المساحات غير المكشوفة منذ انسحابها من الاتحاد الأوروبي لتأمين مصالحها بالقارة السمراء، وراهنت على التعاون الأمني لتعزيز حضورها المحوري بشرق القارة، بما لا يقتصر على مجرد حماية مصالحها بالمنطقة، إنما ترقية تحركاتها بالمنطقة كمنصة للمساهمة في إعادة ترتيب رقعة الشطرنج العالمية بما يكفل لها العودة للصدارة على الساحة الدولية.