الأحد 14 ديسمبر 2025
مع بزوغ شمس كل صباح تبدأ السيدة الكينية حسينة نايكاكا سينغا، البالغة من العمر33 عاما، تجهيز الفاكهة والخضروات التي تبيعها لمرتادي سوق صوفيا الواقع في منطقة بوسيا الحدودية بين كينيا وأوغندا، لتكتب مع غيرها من العشرات في المنطقة، فصلا من حكاية تُعاد بشكل شبه يومي، عن تجارة غير رسمية بين البلدين، والتي هي سمة أساسية في المناطق الحدودية الأفريقية، إذ تشكل قرابة 40٪ من حجم التجارة الأفريقية قاطبةً، إلا أنها عادة لا تتم بشكل انسيابي بل عبر ممرات وعرة، وخطوط سير غير رسمية، بعيدا عن أعين الرقابة والبيروقراطية الحكومية.
في تصفحك لهاتفك الذكي ربما شاهدت مقطعا مصورا لتوثيق عمليات التهريب والتجارة غير الرسمية عبر الحدود، قد تظن أن المشاركين في مثل هذه العمليات عصابات إجرامية أو مهربين محترفين، لكن الصورة قد تحمل تفاصيلًا أخرى، ففي الخطوط الفاصلة بين الدول يتنقل عشرات الآلاف من صغار التجار والباعة يوميا، مشيا على الأقدام أو عبر دراجات نارية، ليرسمون مشهدًا تجاريًا عجزت الحكومات الأفريقية عن رسمة بشكل سلسل حتى الآن، فرغم توقيع العدد من الاتفاقيات الثنائية والقارية الرامية إلى تحقيق التكامل الاقتصادي والتي أبرزها اتفاقية التجارة الحرة التي وقعت في 2018، إلا أن مساعي التكامل تسير ببطيء كبير بسبب العراقيل الإدارية واللوجستية في القارة.
في كتابه التجارة غير الرسمية عبر الحدود والتهريب في أفريقيا، يقول ستيفن س. غولوب، إنه رغم انخفاض التجارة البينية في أفريقيا إلا أن التجارة غير الرسمية تزدهر في جميع الأنحاء تقريبًا، لافتا إلى أن هذه التجارة تنطوي على نوعين من الممارسات غير القانونية، الأول يتمثل في البضائع نفسها كتهريب المخدرات كما هو الحال في بعض مناطق غرب القارة، والثاني يكمن في أسلوب التداول السلعي الذي يتم بعيدا عن أعين الرقابة والأنظمة الحكومية.
يقول إن سبب انتشار هذا النوع من التجارة هو انتشار الحدود الاصطناعية والقابلة للاختراق الموروثة من المنطقة الاستعمارية، وضعف إنفاذ الحدود، وعدم تنسيق السياسات التجارية وغيرها بين الدول المجاورة، مما يؤدي إلى فروق كبيرة في الأسعار، والتي تُوفر الزخم الفوري للتهريب بالإضافة إلى انتشار الجماعات العرقية والدينية المرتبطة بالحدود بين الدول المتجاورة، مؤكدا أن دمج التجارة غير الرسمية في الاقتصادات الأفريقية قد يكون خطوة كبيرة نحو تحقيق التكامل الاقتصادي المنشود.
عطفا على ذلك تنشط تجارة الحدود بشكل كبير على حدود ليبيا مع كل من تونس ومصر، وكذلك مع الدول المجاورة لها في الجنوب. كما تزدهر بين دول الغرب الأفريقي، إذ وصلت قيمتها بين غانا ودول الجوار الثلاث (بوركينا فاسو، توغو، ساحل العاج) 7.4 مليار سيدي غاني (حوالي 641 مليون دولار أمريكي) في الربع الرابع من عام 2024، وهو ما يمثل 4.3٪ من إجمالي تجارة البلاد خلال تلك الفترة وفق دائرة الإحصاءات الغانية (GSS)، حيث تنشط هذه التجارة خارج أنظمة الجمارك الرسمية على طول 321 نقطة حدودية تقريبا، وتشكل 61.2٪ من إجمالي التجارة مع توغو، و55.7٪ مع كوت ديفوار، و37.1٪ مع بوركينا فاسو.
ولا يقتصر الأمر على غانا فعلى الحدود الكينية الأوغندية ينشط التجار لنقل السلع والمواد الغذائية من وإلى البلدين في عملية تقول عنها السلطات الأوغندية إنها تكلفها حوالي 509 ملايين دولار سنويًا، حيث تجرى عمليات نقل السلع الغذائية كالأرز والدقيق بشكل يومي عبر الممرات الحدودية غير الرسمية، ولا يختلف الأمر كثيرا في باقي مناطق القرن الأفريقي حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن التجارة غير الرسمية عبر الحدود سمةً مهمةً من سمات التجارة في المنطقة وأنها تفوق بشكل كبير التجارة الرسمية بين هذه الدولة.
سبب انتشار هذا النوع من التجارة هو انتشار الحدود الاصطناعية والقابلة للاختراق الموروثة من المنطقة الاستعمارية، وضعف إنفاذ الحدود، وعدم تنسيق السياسات التجارية وغيرها بين الدول المجاورة، مما يؤدي إلى فروق كبيرة في الأسعار
وتشير البيانات إلى أن الصادرات السنوية الرسمية من الماشية من إثيوبيا لا تزيد عن 2000 رأس، في حين يُصدّر عادةً أكثر من 25 ضعف هذه الكمية عبر الحدود مع الدول المجاورة بشكل غير رسمي، كما تتجاوز الصادرات الزراعية غير المسجلة من إثيوبيا إلى جوارها 30 ضعفا إذ ما قورنت بالصادرات الرسمية، والحال نفسه في باقي دول المنطقة التي تشكل فيها التجارة غير الرسمية ما بين 30 إلى 40٪ من إجمالي التجارة الإقليمية في شرق إفريقيا.
وفي مواقع أفريقية أخرى وثق تقرير بحثي تصاعد الظاهرة ذاتها في منطقة السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا (COMESA) إذ تقدر قيمتها بين أوغندا ورواندا حوالي 549 مليون دولار و103 مليون دولار، على التوالي، بينما تقدر بين كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو بضعف هذه الأرقام تقريبا حيث تصل صادرات الماشية بين الدول الثلاث بشكل غير رسمي حوالي مليار دولار، مقابل 80 مليون دولار فقط في الإحصاءات الرسمية.
ورغم أهمية هذه التجارة لسكان الحدود إلا أنها عادة ما تمثل خطرا داهما للعاملين فيها، خاصة النساء اللاتي يشكلن حوالي 70٪ من العاملين فيها، ففي الوقت الذي تساهم فيه هذه العمليات في مكافحة الفقر وتوفير الخدمات، لكنها تعرض النساء لمخاطر تصل إلى حد القتل والاعتداء الاعتداء الجنسي حيث وثقت منظمة العفو الدولية تعرض العاملات في التجارة غير الرسمية عبر الحدود في ملاوي وزامبيا وزيمبابوي لفظائع مروعة.
وتقول المنظمة إن هذه التجارة التي تقدر بحوالي 17.6 مليار دولار أمريكي، وهو ما يوازي ما بين 30٪ و40% من إجمالي التجارة في دول المجموعة الانمائية للجنوب الأفريقي (SADC)، لا تخلو من الانتهاكات الجسيمة في حق النساء، والتي أبرزها التحرش والمقايضة الجنسية، ومصادرة البضائع والرشوة والابتزاز من قبل نقاط التفتيش الحدودية، وأن هذه الاعتداءات تزيد إذ ما وقعن في يد العصابات الإجرامية المنتشرة على الحدود، إذ أن العاملات يكن معرضات للخطف وطلب الفدية، أو الاعتداء الجنسي وغيرها من المضايقات.
هذه الجهود عادة لا تحقق أهدافها بشكل كامل بسبب هشاشة الأوضاع في كثير من المناطق الأفريقية وضعف المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، والصراعات الداخلية والنزاعات الحدودية، والنزوح القسري.
وتنقل المنظمة شهادة سيدة تدعى ناتاشا مويو من منطقة موسينا في جنوب أفريقيا حيث تقول: "هذا العمل غير معروف الناس يظنون أننا نسرق وظائفهم، لكن لا نحن نحتاج لرعاية أطفالنا، وفي كثير من الأحيان نُسمى عاهرات، مع أننا نساء تجتهد لوضع الطعام على المائدة لأطفالنا وفقط". وتقول تاجرة أخرى من منطقة موتاري بزيمباوبي: "لقد أُقلت من عملي لرفضي خدمات جنسية للمدير، لذلك أصبحت تاجرة".
على الرغم من أن هذه التجارة غير رسمية إلا أن غالبية الحكومات الأفريقية تقر بأهميتها، وهو ما دفع بعض من الدول لمحاولة تقنينها وتقديم تسهيلات للعاملين فيها فعلى سبيل المثال، أبرمت إثيوبيا اتفاقية ثنائية مع السودان، تسمح للتجار بالقيام بـ 48 رحلة سنويًا ببضائع تصل قيمتها إلى 117 دولارًا للرحلة الواحدة، وينطبق الأمر نفسه على جيبوتي وكينيا والصومال، إلا أن هذه الجهود عادة لا تحقق أهدافها بشكل كامل بسبب هشاشة الأوضاع في كثير من المناطق الأفريقية وضعف المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، والصراعات الداخلية والنزاعات الحدودية، والنزوح القسري.
ولا يقتصر الأمر على الجهود الثنائية بل أطلقت بعض التجمعات الاقتصادية أنظمة لتسهيل التجارة الحدودية من بينها أنظمة التجارة المبسطة (STRs) المعمول بها في منطقتي الكوميسا وشرق أفريقيا، والتي تعفي الشحنات الصغيرة من الرسوم الجمركية إلا أن التجار لا يستفيدون منها بالقدر المتوقع كونها لا تلبي احتياجاتهم، كما أن القيمة الحدية للشحنات منخفضة جدًا، بينما لا يزال العبء الإداري مرتفعًا.
في الخطوط الفاصلة بين الدول يتنقل عشرات الآلاف من صغار التجار والباعة يوميا، مشيا على الأقدام أو عبر دراجات نارية، ليرسمون مشهدًا تجاريًا عجزت الحكومات الأفريقية عن رسمة بشكل سلسل حتى الآن
وعلى المستوى القاري أطلقت اللجنة الاقتصادية لأفريقيا، والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (أفريكسيم بنك)، ومفوضية الاتحاد الأفريقي، ومفوضية الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) مشروع تجريبي عام 2019 لتقنين الظاهرة من بينها تحويل ممرات التجارة إلى ممرات ذكية، وإنشاء مراكز معلومات، وإدخال نظام تجاري مُبسّط، ونشر بطاقات الهوية الوطنية البيومترية الخاصة بالإيكواس، وإنشاء مكاتب تُعنى بالجنسين عند المعابر الحدودية، ودمج النوع الاجتماعي في تدريب مسؤولي الحدود.
كما دعت اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة (UNECA) توحيد التجارة غير الرسمية عبر الحدود، مؤكدة أن هذه التجارة غير الرسمية عبر الحدود في أفريقيا معروفة بضخامتها وإسهامها الهام في سبل عيش ملايين الأفارقة، إلا أنه لا توجد أساليب متفق عليها لقياسها بدقة، إلا أن هذه الجهود كلها تقف عاجزة أمام غياب الإرادة الفعلية لتحقيق التكامل، كما أن غالبيتها لا تتعدى من كونها مقترحات كتبت وجرى التصويت عليها في اجتماعات أممية أو قارية.
وبالرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه الحكومات الأفريقية في ملف التكامل الإقليمي، إلا أن كثير من الخبراء والباحثين يرون أن التجارة غير الرسمية قد تكون أحد العوامل المهملة لتحقيق حلم التكامل، وبناء على ذلك أطلقت جهات قارية مبادرات ودعوات لتقنين هذه التجارة وتسهيلها، كما هو الحال مع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (IGAD) والتي طرحت إطارا مشتركا يوصى بتوحيد سياسات التجارة عبر الحدود والعمل على تلبية احتياجات الأمن البشري، مؤكدة أن هذه السياسات قد تكون سبيلا لتحقيق الهدف الرئيسي لاتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية وتعزيز أجندة التكامل الإقليمي.
الوضع نفسه أقدمت عليه السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا (COMESA) والتي أطلقت مبادرة لتسهيل عمليات التجارة الصغيرة عبر الحدود كونها مصدر للأمن الغذائي لكثير من السكان في المناطق الحدودية، على الرغم من كونها غير رسمية، حيث تشمل المبادرة برنامجان الأول يتمثل في مشروع البحيرات العظمى الذي يركز على أوغندا ورواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، بينما يركز البرنامج الثاني على زيادة تدفقات التجارة عبر الحدود على نطاق صغير في منطقة الكوميسا/الثلاثية.
وفي مناطق الغرب الأفريقي يمكن أن تكون التجارة غير الرسمية وسيلة فعالة أيضا لتحقيق التكامل الإقليمي، حيث تشير ورقة بحثية نشرتها مجلة الاقتصادات الأفريقية إلى أن انخفاض التجارة الإقليمية البينية يرجع إلى كثرة التعقيدات الحكومية والحواجز الجمركية، منوهة إلى أنه بالتطبيق على حالة دولة بنين من خلال إجراء مسح للمعاملات غير الرسمية عبر الحدود البرية للدولة تبين أن زيادة الرسوم الجمركية على منتج معين بنسبة 10% تزيد من احتمال استيراده بشكل غير رسمي بنسبة 12% تقريبًا، كما أن التدابير غير الجمركية تزيد من الطابع غير الرسمي، وأن تكاليف الامتثال، إلى جانب الرسوم الجمركية واللوائح، تُسهم في تفسير الطابع غير الرسمي لهذه التجارة وأنه في حالة إلغاء مثل هذه المعرقلات قد تكون هذه الخطوة باب لتحقيق التكامل الإقليمي بين دول القارة.
وفي هذا السياق توصى دراسة صادرة عن المكتب الإقليمي لمنظمة الأغذية والزراعة في أفريقيا بضرورة دعم برامج واسعة النطاق للإصلاح التنظيمي وإزالة العوائق التي تدفع التجار للطرق غير الرسمية، والتي من بينها إنشاء منافذ شاملة لتسجيل الأعمال، وترشيد أنظمة التسجيل والترخيص من خلال أنظمة سهلة الاستخدام قائمة على تكنولوجيا المعلومات، وكذلك تقديم مزيد من الحوافز للشركات التي تتجه نحو إضفاء الطابع الرسمي على أنشطتها، وتجنب اللوائح ذات الأثر الرجعي خاصةً في مجال الضرائب.
وتقول الدراسة إن هذا الشكل من التجارة يمثل في المتوسط نصف التجارة البينية الأفريقية، وأن هذه الممارسة تسبق استقلال جميع البلدان الأفريقية، وأن تقنينها وتسهيلها قد يكون خطوة لتحقيق تكاملًا "حقيقيًا".