تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 7 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الهاشتاغ بدل الهتاف: الوجه الرقمي للغضب الشعبي في أفريقيا

6 يوليو, 2025
الصورة
الهاشتاغ بدل الهتاف: الوجه الرقمي للغضب الشعبي في أفريقيا
Share

من قلب شوارع نيروبي إلى الجارة الخرطوم مرورا بالعاصمة المالية باماكو وكينشاسا الكونغولية، وغيرهم من المدن الأفريقية التي شكلت الاحتجاجات الشعبية جزءًا رئيسيا من مشهدها السياسي خلال الأشهر الأخيرة، ورغم تعدد المطالب وتباينها إلا أن الشكل الاحتجاجي الذي شهدته هذه المناطق هيمنت عليه الأدوات الرقمية، فلم يعد الغضب الشعبي يمر عبر مكبرات الصوت واللافتات المرفوعة، بل عبر الشاشات الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، التي باتت هي المحرك الرئيسي لكثير من التفاعلات السياسية في القارة وخارجها.

بلغة الأرقام سجّل مشروع بيانات “Armed Conflict Location and Data Project” أكثر من 7,164 احتجاجًا، منذ يناير/ كانون الثاني 2016 وحتى مايو/ آيار 2024، مدفوعًا بمطالب تتعلّق بالغذاء والرواتب والأسعار في القارة الأفريقية، غالبيتها أديرت عبر الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت من فضاء ترفيهي إلى ميادين بديلة للاحتجاج، ومنصات للمساءلة وفضح الفساد والتمييز، ووسيلة ناجحة للحشد واستعراض الرؤى البديلة في ظل التضيقات الإعلامية وسيادة صوت واحد على وسائل الإعلام التقليدية.

الهاشتاغ بديلا للهتاف

آخر الاحتجاجات التي شهدتها أفريقيا كانت في كينيا التي تعيش حالة من تصاعد الغضب الشعبي منذ العام الماضي، رفضا لسياسات حكومية يراها الشارع لا تلبي طموحاته، إلا أن اللافت فيها أنها تفجرت من وسم "هاشتاغ" (RejectFinanceBill2024) الذي انتشر على منصة (X)  اعتراضا على قانون الضرائب الذي تراجعت عنه الحكومة، أمام الضغوط الشعبية خلال العام الماضي، وهو ما يظهر مدى قدرة الساحات الرقمية على التأثير في صانع القرار السياسي، وقدرة هذه المنصات على الحشد والتعبئة وبناء الرأي العام المنظم.

الباحث في الدراسات الأفريقية بجامعة أكسفورد ميخائيل نيامويا يرى أن الحراك الذي تعيشه كينيا هذه الأيام، يعكس استياءً متزايدًا من السياسات المتبعة في البلاد، وهو ما ظهر من خلال العبارات الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي الوسوم التي دون عليها المحتجون والتي كان من بينها "بلا قائد" و"بلا قبيلة" و"بلا خوف"، مما يوحي بسردية جماهيرية ذات دلالة قوية على العدالة والحرية.

المنصات الاجتماعية ساهمت في تطوير الحراك الاجتماعي في البلاد والذي بات يُعرف باسم حراك "سورو سوكي" وهي كلمة محلية تعني "تكلم بصوت عالي أو ارفع صوت وتحدث" والتي ساهمت بشكل كبير في التأثير على انتخابات نيجيريا 2023

ويشير إلى أن الاحتجاجات التي يقودها الجيل Z لا تهدف إلى تحقيق تحالف جديد لتقاسم السلطة، بل إلى تفكيك أنظمة المحسوبية العرقية الراسخة، مطالبين بهيكل سياسي يُقدّر الجدارة والشفافية والمساءلة الحقيقية، منوها إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي وفرت منصةً للمواطنين للتعبير عن استيائهم والتنظيم والتعبئة، كما قدّمت روايةً مضادةً لوسائل الإعلام السائدة، التي غالبًا ما تتجاهل الحركات الشعبية أو تُقلّل من أهميتها.

يؤكد الباحث أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداةً حاسمةً في النضال من أجل المساءلة والعدالة، إذ أحدثت "الميمات والنكات" وتبادل معلومات الممثلين المنتخبين تحولاً جذرياً، حفز الشباب على التحرك، وعزز ثقافة احتجاج ديناميكية مدفوعة رقمياً، وبات من الصعب تخيل كيف كان من الممكن أن تحدث هذه الاحتجاجات، التي تفتقر إلى القيادة وتتجه من القاعدة إلى القمة، في غياب منصات مثل: فيسبوك والإكس وتيك توك وواتساب.

نشير إلى أن احتجاجات كينيا تظهر قوة النشاط الرقمي في حشد المواطنين، وإحداث التغيير من خلال الجمع بين الغضب الأخلاقي والاستخدام الاستراتيجي لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث أظهر الشباب الكيني أنهم بعيدون كل البعد عن اللامبالاة، بل إنهم في طليعة حقبة جديدة من المشاركة السياسية، حيث يتقارب النشاط الرقمي والجسدي لمحاسبة الممثلين المنتخبين والدفع نحو الإصلاحات.

لم يقتصر الأمر على كينيا بل لعبت وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية دورا بارزا في نجاح الثورة السودانية التي أطاحت بنظام الرئيس السابق عمر البشير بعد ثلاثة عقود من الحكم السلطوي، ظهر ذلك من خلال نشاط تجمع المهنيين السودانيين الذي وظف منصات التواصل (فيسبوك والإكس واتساب) لتنظيم المظاهرات وتحديد أماكن التجمعات ومواعيدها، مما سهّل الحشد الجماهيري بشكل غير مسبوق.

كما لعبت الوسوم التي استخدمها المحتجون دورا رئيسا في توجيه الرأي العام حيث ساد وقتها هتاف "تسقط بس"، والذي كان أيضا وسم غطى صفحات التواصل الاجتماعي عبر منشورات داعمة للحراك الشعبي، وهو ما يقول عنه الباحث بدر الدين علي حمد إنه أدى بشكل بارز إلى إقناع جمهور المستخدمين في السودان بضرورة التغيير السياسي.

نسبة كبيرة من مُحرّكي الاحتجاجات، هم أفرادٌ وُلدوا تقريبًا بين أواخر التسعينيات وأوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ويتسمون بالبراعة الرقمية والوعي الاجتماعي، وهو ما جعلهم قادرين على ابتكار أدوات جديدة واتباع استراتيجيات تُؤدّي إلى مستوىً جديدٍ كليًا من النشاط

يضيف الباحث في ورقة بحثية له ناقشت تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في التغيير السياسي بالسودان، أن تجاهل السلطة الحاكمة لقوة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي ساعد على التغيير السياسي بالبلاد، حيث لعبت هذه المنصات دورا كبيرا على الحراك في ولاية الخرطوم تحديدا، كما أنها استطاعت إبراز أسماء المعارضين لسياسة السلطة الحاكمة الذين اقنعوا المتلقين بحتمية التغيير.

وعن الظاهرة نفسها في نيجيريا يقول الباحث أوتشيغا أتاغوبا، إنه على الرغم من سعى النخب السياسية وأنصارهم للتلاعب بالمجال العام الرقمي في البلاد، من خلال الترويج للتضليل والأخبار الكاذبة لتحقيق مكاسب سياسية، إلا أن الرقمنة أتاحت أيضا إمكانيات التواصل الاجتماعي لاسيما منصة "X" التي سمحت للمواطنين تأكيد هذه الأكاذيب والتحقق منها، وأصبح من الواضح أن الإمكانيات نفسها التي تُسهّل اختلاق الأكاذيب تساهم في التحقق من المعلومات.

يضيف أن منصة إكس باتت تشكّل بيئة اجتماعية تقنية تتشابك فيها المشاركة السياسية كعملية تواصلية مع إمكانيات مُتخيّلة تُمكّن المواطنة، وأنه بالرغم من أن المنصة لا توفر في غالب الأوقات مساحة ثورية أو تحويلية، إلا أنها توفر مساحة للتعبير السياقي عن المواطنة.

ويتفق معه الباحث تمار هارونا دامبو، في أن المنصات الاجتماعية ساهمت في تطوير الحراك الاجتماعي في البلاد، والذي بات يُعرف باسم حراك "سورو سوكي"، وهي كلمة محلية، تعني "تكلم بصوت عالي أو ارفع صوت وتحدث" والتي ساهمت بشكل كبير في التأثير على انتخابات نيجيريا 2023.

يضيف الباحث في ورقة  له أنه جرى استخدام تويتر بشكلٍ قوي لتعبئة الشباب ونشر الفيديوهات والصور وكشف قمع الشرطة، حتى تحول وسم "Soro Soke" رمزًا لجيل شجاع يُطالب ببداية جديدة، متحدياً التهميش من الطبقة السياسية التقليدية، لافتا إلى أن الحملة ساهمت في بروز جيل من المؤثرين الرقميين شكلوا "نواة شبكية" لحركة Soro Soke وحافظوا على الطاقة الاحتجاجية في الانتخابات، حيث ظهر ذلك في عمليات المشاركة إذ تم رصد نحو 12.3 مليون ناخب جديد لم يشاركوا في الانتخابات من قبل، 70٪ منهم تحت 34 عامًا، وهو ما يشير إلى التماهي المباشر مع حركة Soro Soke .

الإنترنت يقود المشاركة السياسية في القارة

ويتفق مع هذا التوجه جان باتيست غيفار، الباحث في شؤون التنمية والمجتمعات، إذ يقول في ورقة بحثية له أن الإنترنت أصبح له دور رئيسي في تشكيل حركة المشاركة السياسية في أفريقيا، مشيرا إلى أنه بعد دراسة أجريت على عينات من "بنين وغانا وكينيا ومدغشقر وموزمبيق وناميبيا ونيجيريا والسنغال وجنوب أفريقيا وتنزانيا" تبين أن كلما توفرت البينة الرقمية الجيدة بما فيها الإنترنت فائق السرعة، كلما زاد اهتمام الناس بالقضايا السياسية.

يخلص الباحث إلى أنه على الرغم من أن وجود الإنترنت الفائق لا يعني دعم آليات الديمقراطية التقليدية، إلا أن وجود هذه الخدمات يشير إلى احتمالية انضمام الأفراد إلى آخرين لطرح قضية ما، وكذلك على المشاركة الفعالة في المجموعات المجتمعية، حيث أكدت النتائج أهمية آليات التنسيق في التوسط في العلاقة بين الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة والتعبئة السياسية.

الذكاء الاصطناعي في خدمة الجماهير

لم تظهر احتجاجات كينيا مدى قدرة الهواتف وتكنولوجيا الاتصال على الحشد والتعبئة فقط، بل أيضا مدى قدرة المحتجون على توظيف أحدث التقنيات لخدمة قضاياهم، إذ أن نسبة كبيرة من مُحرّكي الاحتجاجات، هم أفرادٌ وُلدوا تقريبًا بين أواخر التسعينيات وأوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ويتسمون بالبراعة الرقمية والوعي الاجتماعي، وهو ما جعلهم قادرين على ابتكار أدوات جديدة واتباع استراتيجيات تُؤدّي إلى مستوىً جديدٍ كليًا من النشاط، كونها تُظهر تطورًا ونطاقًا لم يكن من المُتصوّر حدوثه في السابق.

وظفت في الاحتجاجات الكينية هي أدوات الذكاء الاصطناعي (AI)، الذي استُخدم لإنشاء صور وأغانٍ ومقاطع فيديو تُضخّم رسائل الحركة وتصل إلى جمهورٍ أوسع، كما استُخدم المحتجون التطبيقات الذكية أيضًا لتوعية جمهور أوسع بمشروع القانون 

ومن بين الاستراتيجيات الجديدة، التي وظفت في الاحتجاجات الكينية هي أدوات الذكاء الاصطناعي (AI)، الذي استُخدم لإنشاء صور وأغانٍ ومقاطع فيديو تُضخّم رسائل الحركة وتصل إلى جمهورٍ أوسع، كما استُخدم المحتجون التطبيقات الذكية أيضًا لتوعية جمهور أوسع بمشروع القانون حيث ابتكر المطورون نماذج متخصصة تُسمى GPT (المحول التوليدي المُدرّب مسبقًا) للإجابة على أسئلة الناس حول مشروع قانون المالية، كما استخدموا منصات مثل Tiktok وX لمشاركة مقاطع فيديو لأشخاص يشرحون مشروع قانون المالية بلهجات كينية مختلفة.

كما جرى توظيف المنصات الرقمية بشكل مبهر لتوفير التمويل اللازم لنقل المحتجين إلى أماكن التجمع وهو ما سمح لمزيد من الناس بالانضمام إلى الاحتجاجات في منطقة الأعمال المركزية في نيروبي، كما لجأ المحتجون إلى اختراق المواقع الحكومية، وتعطيل الخدمات للفت الانتباه إلى قضيتهم، كما سُرّبت معلومات شخصية مثل أرقام هواتف القادة السياسيين، لتمكين المتظاهرين من إغراقهم برسائل نصية قصيرة، وهو ما أجبر مكتب مفوض حماية البيانات على إصدار بيان يُحذرهم فيه من مغبة ذلك.

كما أنشأ النشطاء موقعًا إلكترونيًا يضم "جدارًا للعار" يُدرج السياسيين المؤيدين لمشروع قانون المالية وهو ما ساعد في زيادة الضغط على البرلمانيين لتغيير موقفهم المحتمل من القانون، وهو ما يقول  عنه الباحث في جامعة ويتواتر سراند جوب موارا في ورقة بحثية له بأنه "خلق بيئة لا مركزية وديمقراطية للنشاط، مما سمح للمجتمعات المهمّشة، مثل النساء والشباب، بالمشاركة وإسماع أصواتهم، كما سمح بتنسيق الاحتجاجات وتبادل المعلومات آنيًا، مما أدى إلى احتجاجات أكثر كفاءة وفعالية".

ويعزز هذا الطرح ما توصل الباحثان أندريا تيسي، ماركو ماناكوردا في ورقتهما المنشورة تحت عنوان "تكنولوجيا التحرير: الهواتف المحمولة والتعبئة السياسية في أفريقيا" حيث يؤكدان أن أفريقيا تعد إحدى القارات ذات أسرع معدل انتشار لتكنولوجيا الهاتف المحمول، كما أنها شهدت بعضًا من أبرز موجات التعبئة في السنوات الأخيرة، حيث شهدت السنوات الأخيرة توسع كبير في انتشار الهواتف المحمولة بين سكان القارة.

ويقول الباحثان إن تأثير الهواتف المحمولة على الحراك السياسي في أفريقيا يكون أكثر وضوحًا في ظل الأنظمة الاستبدادية، وعندما تكون وسائل الإعلام التقليدية، مثل التلفزيون، تحت سيطرة الدولة، حيث تكون التكنولوجيا أكثر فاعلية عندما تظهر أسباب الظلم، ويبدأ المواطنون بلوم الحكومة على سوء حالة الاقتصاد.

القمع الرقمي وحملات التشوية

ويشيران إلى أنه بالرغم من ظهور تكنولوجيات الجيل الثالث والرابع، التي تسهل التنسيق بين المواطنين ولكنها توسع أيضا من إمكانات السيطرة الحكومية، إذ يُمكن للحكومات استخدام هذه التكنولوجيا كأداة للمراقبة أو الدعاية - مما يُقلل من احتمالية اندلاع الاحتجاجات، لا زيادتها - كما يُمكن لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرقمية أن تُثبط بناء الروابط التي تُسهم في التعبئة الجماهيرية، مما قد يؤدي في النهاية إلى اللامبالاة السياسية.

التخوف من تحول وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الرقمية من وسائل داعمة للحريات إلى أدوات للقمع يقول عنها الباحث في الجامعة الأمريكية بالقاهرة غبرييل كوزنتينو، إن التأثير الذي أحدثته هذه المنصات جعلتها محط إشادة وتقدير من كثير من الباحثين، ووصفها بأنها أدوات للديمقراطية والتحرر في المجتمعات التي تقودها حكومات استبدادية، إلا أن هذه الحكومات بدأت هي الأخرى استخدام هذه المنصات لأغراض مضادة بعد أن تعرفت على قدراتها، حيث باتت تستخدم في قمع الأصوات المعارضة.

ويوضح أن العالم الآن يعيش ما يمكن أن نسميه بمرحلة ما بعد الحقيقة (Post-truth) وهي حالة يشعر فيها الجمهور بأن الحقائق الموضوعية أقل أهمية في تشكيل الرأي العام من العواطف والمعتقدات الشخصية، وهو ما يسهل تزييف الحقائق بشكل أكثر إقناعا.

يلفت إلى أن روسيا على سبيل المثال قادت عدد لا يحصى من حملات التضليل حول العالم، ولم تقتصر حملاتها على مخاطبة الرأي العام الروسي فقط، بل نفذت حملات تضليل إعلامي للتأثير على السياسات الداخلية في الولايات المتحدة وأوروبا، ولبثّ الخوف والكراهية تجاه المنظمات الإنسانية مثل الخوذ البيضاء في سوريا، ولنشر مشاعر معادية للغرب في جمهورية أفريقيا الوسطى.

ويشير إلى أنه "باستخدام الحسابات المزيفة، والبوتات، والميمات، والوسوم، والمحتوى الفيروسي" يمكن تسليح وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام نفس الميزات التي استخدمها النشطاء قبل بضع سنوات، لنشر المعلومات المضللة والدعاية، وفي نهاية المطاف تقسيم المجتمع"، وهو ما يجعل التكنولوجيا سلاحا ذو حدين يمكن أن يعزز الديمقراطية ويقيدها في نفس الوقت.