الأربعاء 17 ديسمبر 2025
مُنذ أن امتلك الإنسان القُدرة على النطق أبدى اهتماماً بالغاً بالحديث عن الآخر في غيابه، في طقسٍ خفيٍ يعيد صياغة وجود هذا الغائب بطرق متعدّدة، فكان يُمارس الغِيبة كجزءٍ أساسيٍ من البنية العميقة للحياة الاجتماعيّة.
عندما يصف يوفال نوح هراري الغِيبة بأنّها أصل اللغة، فهو يضع إصبعه على أحد أعمق أسرار الإنسان، والتي هي حاجته الدائمة إلى التحدّث عن الآخر، وهو يرى أنّ الكلام نشأ أوّلاً لتبادل المعلومات عن الحيوانات أو الطبيعة، وكذلك لتبادل الأخبار عن الناس، ومعرفة من يُمكن الوثوق به، ومن يجب الحذر منه، وكانت الغِيبة أداةً حيويّة لبقاء الجماعة.
الكلام عن الغائب هو في جوهره كلام عن الحاضرين، عن من يُشبهون بعضهم بعضاً، ويشتركون في الموقف ذاته
غير أنّ هذه الوظيفة الأوليّة لم تظل محصورة في حدود الصيد والالتقاط، فمع تطوّر المجتمعات، وتعقّد شبكة العلاقات، صارت الغِيبة أكثر من مجرّد تبادل للمعلومات، وتحولت إلى طقسٍ اجتماعيٍ يعيد إنتاج الجماعة نفسها. وقد أوضح دوركايم رؤية هذه الطبقة من المعنى، فالناس حين يتحدّثون عن الآخر غير الموجود، لا يُمارسون الكلام عنه في غيابه فحسب، بل هناك وظيفة أعمق تتجاوز سطحيّة الثرثرة، وهي بناء روابط غير معلنة فيما بينهم، فهم يقومون برسم حدود الانتماء عبر الحديث عن من بالخارج.
والكلام عن الغائب هو في جوهره كلام عن الحاضرين، عن من يُشبهون بعضهم بعضاً، ويشتركون في الموقف ذاته، وفي كل جلسة غِيبة ثمّة "نحن" تتشكّل في مواجهة "هو"، وثمّة شعور بالتضامن ينمو عبر طرد هذا ال"هو" من الدائرة، ويتحقّق شعور بالتماسك وربّما بالرضا من خلال إقصائه ونبذه، كأنّ المنبوذ يتحوّل إلى مادّة لاصقة تجمعهم في شبكة من التواطؤ الرمزي، ويجعلهم يشعرون بقرب أوثق من بعضهم، إذ لا شيء يوحّد الناس مثل وجود عدوٍ مشترك أو موضع شكٍ يلتفون حوله.
تمارس الغِيبة لبناء الحدود بين الداخل والخارج، بين من ينتمي ومن لا ينتمي، إنّها ممارسة عميقة تلعب دوراً في إعادة إنتاج التضامن، وتمنح الجماعة إحساساً متجدّداً بالصلابة، وتؤكّد لأفرادها بأنّهم جزء من نسيج متماسك في مواجهة المختلف، وترسم في الوقت ذاته صورة للجماعة عن نفسها، وتجعلهم يُدركون هويتهم المشتركة من خلال من يستبعدونه.
والغِيبة أداة لضبط السلوك الاجتماعي، إذ تعمل كنظام غير رسمي تُعلّم الأفراد بما هو مقبول وما هو مرفوض، من دون الحاجة إلى تدخّل رسمي أو عقوبات مباشرة، حين يُتداول الحديث عن شخص غائب ارتكب تصرّفاً مخالفاً للقواعد أو القيم الجماعيّة، يتحوّل هذا الكلام إلى نموذج يُذكّر الآخرين بعواقب الانحراف عن المعيار. وفي كل مرّة يُسرد سلوك المنبوذ يُعاد تثبيت الحدود الاجتماعيّة وتأكيد الهوية الجماعيّة، فيشعر الأفراد بأنّ التزامهم بالقيم المشتركة مراقب، ولو بشكل غير مباشر. وهذا يُوضّح البعد الرمزي للغِيبة؛ فهي أكثر من مجرّد نقاش عن الآخر، إنها فعل يُظهر القوّة الجماعيّة للمعايير ويعيد إنتاجها.
ممارسة عميقة تلعب دوراً في إعادة إنتاج التضامن، وتمنح الجماعة إحساساً متجدّداً بالصلابة، وتؤكّد لأفرادها بأنّهم جزء من نسيج متماسك في مواجهة المختلف
وهي وسيلة تعيد تأكيد القيم والسلوكيات المقبولة، تستخدمها الجماعة لنقل معاييرها، وترسيخ الحدود التي تحافظ على تماسكها، فالحديث عن الغائب يحمل في طياته وظيفة تعليميّة غير مباشرة؛ إذ يُعرّف الأفراد، كباراً وصغاراً، بما ينبغي تجنّبه وما يجب الالتزام به. وحين يُعاد تكرار قصص المخالفين للمعايير في المجالس، تتحوّل الغِيبة إلى قناة رمزيّة لنقل الأخلاق والتقاليد، وتصبح ذاكرة حيّة للجماعة، تحافظ على استمرارية قيمها عبر الزمن. وهكذا يُشارك كل فرد في إعادة إنتاج منظومة السلوكيات المقبولة، بمجرّد سرد الحكايات عن أولئك الذين تجاوزوا الحدود.
هذه المسألة تتضح أكثر حين نضعها في سياق الأمثلة التي تبدو عابرة، فمثلاً، لو خرج أحد الأشخاص عن المألوف بارتداء لباس تراه الجماعة غير مناسب، أو تأخّر في رد الدين في مجتمع يقوم على الثقة المتبادلة، أو حتى لو عُرف بممارسته للغِيبة نفسها ضد الآخرين، فإنّه حتى لو واجه عقوبات قانونيّة سوف يصبح موضوعاً دسماً للحديث عنه في غيابه، وسوف يتداول الناس قصته ويعيدون تفسير سلوكه بوصفه انحرافاً عن القيم، أو ضعفاً في الانتماء، أو تهديداً للثقة التي يقوم عليها العيش المشترك.
في الجانب الآخر، قد تكون وسيلة لمعالجة القلق الذي يولّده الآخر في داخلنا، فوجود الآخر بإنجازاته أو اختلافه أو حتى صمته قد يُثير فينا شعوراً بالتهديد وعدم الكفاية، فنلجأ إلى الغِيبة لتخفيف هذا التوتر، وبالكلام عنه نعيد صياغة صورته بما يجعلها أقل خطورة، ونمنح أنفسنا لحظة من السيطرة الرمزيّة عليه، ونحصل على فرصة أن نُسقِط عليه مشاعرنا المكبوتة من حسد أو خوف أو رغبة في السيطرة، فنرتاح ولو مؤقتاً من مواجهة ذواتنا، ونحوّل القلق الداخلي إلى خطاب مشترك، فتتوزع المشاعر بين الجماعة بدل أن تبقى عبئاً على الفرد وحده.
ولعل الغريب في الأمر أنّ الغِيبة قد تجمع بين نقيضين، فهي في ظاهرها فعل ضد الغائب، لكنّها في باطنها محاولة لحماية الذات من قلق يُثيره حضور الآخر، وكأنّنا نضعه خارجنا بالكلمات حتى نرتاح من مواجهة ما في داخلنا.
الآخر يُقصى في غيابه، لكنّه في الوقت ذاته يُستحضر في صورة جديدة أشد حضوراً، وهي صورة ليست بريئة أبدا، فهي تحمل بصمات الجماعة ومخاوفها ورغباتها أكثر مما تحمل ملامحه
حين نتحدّث عن الآخر بسوء، نعيد رسم أنفسنا في الخفاء، فالصورة التي نصنعها عن الغائب ليست إلا مرآة لصورة نود تثبيتها عن ذواتنا أمام الجماعة، نرفع مكانتنا بإسقاط النقص عليه، أو نبرّر عجزنا بإظهاره سبباً له، أو نزيّن أنفسنا عبر تشويه صورته؛ فإذا اتهمناه بالكذب بدونا نحن صادقين، وإذا وصفناه بالضعف ظهرنا نحن أقوياء. وهكذا يغدو الكلام عن الآخر في جوهره كلاماً عنّا نحن، عن هشاشتنا ورغباتنا وما نخشى أن نواجهه في صمتنا الداخلي، وبالتالي نستعيد من خلال ذلك شيئاً من الطمأنينة، وتصبح الغِيبة حواراً خفياً مع القلق الذي يسكننا نحن، وهذه الممارسة تُعد إحدى أعمق آليات الدفاع عن النفس: "الحاجة إلى تأكيد الذات عبر نفي الآخر"، إنّها مسرح للإسقاط.
والصور التي نصنعها عن الآخر قد تستقل عنه حتى تبدو أكثر واقعيّة من صورته الواقعية، فما يبدأ كتعبير عابر يتحوّل تدريجيّاً إلى بديل يحل محل الأصل، فنحصل على نسخة قد تحجب الأصل وتطغى عليه.
من هنا تنشأ المفارقة؛ فالآخر يُقصى في غيابه، لكنّه في الوقت ذاته يُستحضر في صورة جديدة أشد حضوراً، وهي صورة ليست بريئة أبدا، فهي تحمل بصمات الجماعة ومخاوفها ورغباتها أكثر مما تحمل ملامحه هو، فيُعامل وفقها لا وفق ما هو عليه حقاً. ويتجلّى ذلك بوضوح في العصر الرقمي، حيث تتحوّل حياة المشاهير أو حتى الأشخاص العاديين إلى مادّة دائمة للحديث والتعليق، فعلى منصات التواصل الاجتماعي قد يلتقط الناس سلوكاً عابراً لا يوافق معاييرهم الجماليّة أو الأخلاقيّة، فيُعاد تداول هذا السلوك حتى يصبح هو الصورة الوحيدة التي تُمثله.
قد ينسى الناس كل أفعاله الأخرى، لكنّهم يتذكّرون القصة التي صُنعت عنه، والتي تتحوّل مع الوقت إلى واقع موازٍ مفروض عليه، واقع قد يعيش أطول من الشخص نفسه، وقد يحدد مصيره أكثر مما تحدده أفعاله. وهنا يختفي الأصل خلف النسخة، ويغدو الإنسان حاضراً في الأسطورة التي نسجتها الكلمات عنه أكثر من حضوره في ذاته.
وفي النهاية، يبقى الإنسان في جوهره كائناً اجتماعيا يحتاجُ إلى الآخرين، لأنّه لا يستطيعُ أن يعيش من دونهم، وفي الوقت ذاته قد يكرهُهم أو يغارُ منهم أو يخافُهم، فيتحدّث عنهم من وراء ظهرهم ليُخَفّف هذا الصراع الداخلي، إنّه يقتربُ منهم بالكلمات بقدر ما يبتعدُ عنهم بها، فيكشف من خلال الغِيبة هشاشتَه ورغبتَه في الحماية، كما يكشف أيضاً حاجتَه العميقة إلى من يمنحه المعنى والانتماء.