تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

الغربة بعد الاقتلاع الأول

30 ديسمبر, 2025
الصورة
الغربة بعد الإقتلاع الأول
Share

ما أعرفه عن العالم محدود، وأحيانًا يبدو غريبًا وغير مفهوم للآخرين. ورغم محاولاتي المتكررة للشرح، يظلّ التفسير هلاميًا، مقنعًا لأطراف محددة من العقل فقط. لكنني، وللمرة الأولى، أختبر فرصة التعرّف على نفسي من جديد. وجدتني أمام موجةٍ جارفة من التغيير، تجبرني على إعادة تعريف معظم الأشياء من حولي. موجة تعيد ترتيب أبجديتي، وصوماليتي، وإنسانيتي في آنٍ واحد. وما حسبته أزمة هوية، لم يكن سوى طريقة جديدة أقول بها التعريفات التي تخصّني، تلك التي ارتبطتُ بالعالم من خلالها.

وقبل الحديث عن الغربة، والوطن، وحتى المنزل، أسأل نفسي: لماذا كنت أداوم يوم الجمعة في المشفى؟ لماذا كنت أركض، رغم الإعياء، حين تصل مريضة جديدة، دون أن أفكّر بانتهاء ساعات عملي، وأكون منتبهة لها بالكامل؟ ولماذا غضبت حين قال الرجل الفرنسي: "شعبك عانى كثيرًا… أكثر من بقية العالم"؟
أفكّر في طريقتي في النظر إلى الألوان والأزياء، في تفضيلاتي في الطعام، وفي اللحم الذي أحبه أكثر من غيره، وفي الاندفاع الذي يملأ صوتي حين يذكر أحدهم معلومة خاطئة عن الصومال، وفي النقاشات التي أختارها دائمًا: الحرب والصومال والحرية.

الحرب هي التي ابتلعت الحرية، ومعها ابتلعت الصومال. لكن الصوماليين عنيدون بما يكفي ليبقوا متماسكين في كل بيئة جديدة. متمسكون بعاداتهم، يرفضون الذوبان الكامل، وأحيانًا يختارون تحمّل مخاطر الرفض من المجتمعات التي يعيشون فيها، فقط ليحافظوا على ثقافتهم؛ تلك التي تمنحهم معنى، وتذكّرهم بأن الصومال حاضر في كل مكان من العالم.

"الغربة كلها شبه جملة، الغربة شبه كل شيء"، هكذا وصف مريد البرغوثي الغربة في "رأيت رام الله".

ما بين الغياب والحضور

أذني اليمنى تلتقط أصوات الباص، أبواق السيارات، والمارّة الذين يلوّحون للسائق وهم يصرخون بأسماء الأماكن. يظنون أنه يسمعهم، لكنه لا يسمع، بل يقرأ الشفاه. أحيانًا يومئ برأسه، فيقفز الراكب سريعًا دون توقف الباص، وأحيانًا يهز رأسه ويمضي، فيفهم المارّ أن هذا الباص لا يتجه إلى وجهته.

عيناي تراقبان المباني المترامية على جانبي الطريق، بينما أذني الأخرى تنصت لأغنية صومالية لمغنٍ أحبّه كثيرًا؛ رافقني طويلًا في وحدتي فوق سطح منزلنا. يقول فيها: "ألا تعلمين يا جوهرتي أن جذعي يشتاق لك، يا نصفي الأيمن؟ يأخذني الحنين إليك رطبًا، صافيًا".

الوطن بالنسبة لي ضبابي وغريب. لا أستحضره إلا مصحوبًا بالغربة، كأنهما توأمان خفيّان. كلما فكّرت في معنى الوطن، عدت إلى طفولتي، إلى تلك اللحظات الأولى التي شعرت فيها بالثبات، وبأنني جزء من شيء أكبر لا يمكن اقتلاعي منه

هذا الحنين يذيبني داخل مدينة فتحت لي أبوابها ببساطة ودّية، دون أن تختبر شرعية وجودي، ودون أن تعاملني كمجرم محتمل، أو تستجوبني عن سبب تواجدي. لم تُفتّشني يومًا، ولم تعتبر حقيبتي خطرًا على الأمن العام.

على عكس مقديشو، التي منحتني طعم الغربة. رغم لون بشرتي، وشبهي الشديد بساحلها، ورغم مخاطبتي لها بلغتها، لم تفهمني. كنت أبكي معها، لكنها كانت تُقصيني، تراني لونًا آخر يدلّ على الخطر، أو فردًا لا يستحق الاحتفاء. كانت طرقاتها تستجوبني ذهابًا وإيابًا، كأنني لصّ يهدد بسرقة ضحكاتها.

كنتُ لصّة، أعترف بذلك. سرقت دموعًا كثيرة من فوق طاولتها، لعلّ ثقلها يخفّ، وأهديتها ضحكات مع أطفال الزقاق الضيق، في لعبة الاختباء، تحت ضوء القمر.

يُربكني هذا الحنين الذي يبدو كضيف شرفٍ لا يغادر صدري. ربما لا أسمح له بالمغادرة لأنه دافئ؛ دفء المعرفة ودفء الذاكرة وصورة الجدّات. رغم أنه يقتلني، إلا أنه يعيد ترتيب ذرّات جسدي، ويمنحني القدرة على تعريف نفسي، وفهم المستقبل الذي يحمله عقلي، وسلالة الدم التي أنعشت قلبي ليعيش هذا الزمن.

كأنه يذكّرني أيضًا بأن الحياة التي أملكها هنا أهم من الدموع المسروقة. وأن القاهرة، رغم أنها لن تعيد لي قلقي القديم، ولا ذاكرة القبلات، ولا الممرات التي ركضنا فيها متخفّين، ولا الحدائق التي نادراً ما زرناها، لكننا نعرف وجودها… إلا أنها لم تمنحني الماضي، بل منحتني بسخاء شيئًا جديدًا: خيارًا آخر.

لم تكن الخيارات ضرورية من قبل، حين كنت متدثّرة بالخوف، منشغلة فقط بالنجاة. لكن أغرب الاكتشافات كانت أنني وقعت في حب الشتاء. كنت أظنني لن أحتمله، وأن جسدي سيخونني أمام قسوته، لكنه صار موعدًا أنتظره. أراقب الخريف وهو ينتصف، أتحقّق من درجات الحرارة، أرتّب نومي، وأنتظر الصباح لأن الهواء يكون أبرد.

في ذلك اليوم، كنت أنظر من الشباك، أستمع إلى غناء جارتي، وألوان الغروب ما تزال معلّقة في الأفق. عدّاء الطائرة الورقية بين يدي، وأتعرض لأكبر قدر ممكن من الهواء البارد. حينها فقط أدركت بدهشةٍ لذيذة: الشتاء لم يعد يخيفني.

ماذا فعلت هذه المدينة بروحي، لتجعلني أشعر بهذا الحماس تجاه ما كان يزرع الهلع في داخلي؟ بعد أن أسدلت الوحدة ستائرها، لم يعد الشتاء مخيفًا، صار أكثر حميمية، أخف وطأة، وعاديًا… كأي فصلٍ آخر من فصول السنة.

يقول مريد البرغوثي في "رأيت رام الله": «يكفي أن يواجه المرء تجربة الاقتلاع الأولى حتى يصبح مقتلَعًا من هنا إلى الأبدية.»

هذا ما أشعر به تمامًا. تعجبني القاهرة، وأحب مقديشو، لكن اقتلاعي الأول بدأ قبل ولادتي. مع اندلاع حرب الصومال في أوائل التسعينات، اضطرت عائلتي إلى المغادرة على عجل نحو سوريا. هناك، تحت درجات حرارة أقل من الصفر، جئت إلى الحياة. وقبل أن أتعرّف على ملامح تلك الأرض، أو أبلغ سنًا يسمح لي بالارتباط بها، حدث الاقتلاع الثاني: هذه المرة نحو مقديشو، المدينة التي لم أعرفها من قبل، ولم أتخيّل أنني سأشعر يومًا بأنها جزء مني.

أقمنا فيها أشهرًا قليلة، ثم اضطررنا للمغادرة مجددًا، نحو مدينة أخرى داخل الصومال، مدينة بلا بحر ولا نهر. غياب الماء جعلني، لسنوات طويلة، أنتظر العودة إلى مقديشو. وحين عدت أخيرًا، وعشت فيها عشر سنوات، وجدتني أغادرها مرة أخرى… إلى القاهرة.

كأن الإنسان الذي يتذوّق الغربة مبكرًا، يعجز لاحقًا عن تثبيت روحه في مكان واحد. هكذا أدور اليوم في حلقة مفتوحة بين صوماليتي المقديشاوية، ولهجتي الحلبية، وبين النيل الذي يعبّر عن مرحلة جديدة في نهاية عشرينياتي. مرحلة أحاول فيها العثور على انتماء واحد، لشيء ثابت، لمكان أستطيع أن أسمّيه وطنًا: أغادره أو أعود إليه، أحبه أو أخافه، أرغب فيه أو أتجنّبه.

الصوماليين عنيدون بما يكفي ليبقوا متماسكين في كل بيئة جديدة. متمسكون بعاداتهم، يرفضون الذوبان الكامل، وأحيانًا يختارون تحمّل مخاطر الرفض من المجتمعات التي يعيشون فيها، فقط ليحافظوا على ثقافتهم؛ تلك التي تمنحهم معنى، وتذكّرهم بأن الصومال حاضر في كل مكان من العالم

هذه الأزمة ليست فردية. أشاركها مع كثيرين ممن دمّرت الحروب بلدانهم، فوجدوا أنفسهم يصلون إلى أماكن لم ينجحوا في الارتباط بها، ولم يعثروا على طريق يعيدهم إلى وطن عرفوه يومًا، ولم يعد موجودًا إلا في الذاكرة، وفي حكايات الأمهات. فحتى العودة، أحيانًا، تحمل شكلًا جديدًا من الغربة. هناك من يقول: إن غادرت منزلك مرة، فلن تعود إليه أبدًا بوصفك صاحبه الحقيقي. كل عودة تضيف طبقة أخرى من الاغتراب.

ألاحظ ذلك كلما عاد خالي من بريطانيا، محمّلًا بالهدايا، منتظرًا أسابيع قليلة قبل أن يعود إلى عمله. كأنه يراهن على منزله في كل مرة. يقول لي إن المنزل هو أطفاله وزوجته، وإن لندن هي العمل والحياة. من أجل هذه العائلة، هو مستعد لأن يفقد الراحة، وأن يكدّ، ليمنحهم حياة أفضل. ومع ذلك، حين أفكّر أكثر، أدرك أنه عالق بين عالمين:
عالم احتضن طفولته، ثم سلبه والده ووطنه، وعالم منحه حياةً وعملًا، وشهد فيه وفاة والدته، لكنه لم يمنحه وطنًا.

هذا الانقسام ينعكس على ملامحه التي يثقلها الزمن، وعلى الجسد الذي يذبل عامًا بعد عام. وكلما عدت إلى السؤال ذاته، استقبلتني عيناه بخوفٍ واضح. أدرك حينها أنه لن يغامر بفقد أطفاله، ولن يسمح لهم أن يقتلعوا من جذورهم كما اقتُلع هو. هو يحاول حمايتهم من غربة الوطن، لكنه، دون أن يدري، يورّثهم غربة الأب.

أحد أشكال الغربة أن تنتظر والدك في مراحل من عمرك، وأن لا تعرف حضوره إلا في أيام معدودة من السنة. أيام نعدّها دائمًا، ونرجو أن تكون أطول. وحتى حين يطيل البقاء، يظلّ العقل واعيًا بجواز السفر القادر على الرحيل في أي لحظة. هذا الترقّب زرع داخلي قناعة مبكرة بضرورة المغادرة، وبالخوف من الانتظار، وبالحاجة الدائمة لأن أكون قادرة على الرحيل متى شئت. لذلك بدت أساساتي متزعزعة، وجعلني هذا العطب غير قادرة على بناء منزل في الخارج، ولا في الداخل دون أثمان.

أن أخلق منزلًا في الداخل يعني أن أتحمّل العزلة، والأسئلة، ومجازفة ألا أكون محبوبة بما يكفي لدى من يخشون فقدي. يعني أيضًا أن أخاطر بفقدان آخر قشرة كانت تربطني بجذوري: العائلة، والوطن.

الوطن

تعريف الوطن بالنسبة لي ضبابي وغريب. لا أستحضره إلا مصحوبًا بالغربة، كأنهما توأمان خفيّان. كلما فكّرت في معنى الوطن، عدت إلى طفولتي، إلى تلك اللحظات الأولى التي شعرت فيها بالثبات، وبأنني جزء من شيء أكبر لا يمكن اقتلاعي منه.

كان الوطن آنذاك ألعابًا بسيطة أتشاركها مع عبد الرحمن وجعفر، ابني صديقة والدتي. كنا نلعب المصارعة أو كرة القدم. كنت أنا وعبد الرحمن في الفريق نفسه دائمًا، وكان يخبر والدتي إذا شعر أنني في خطر لا يستطيع حمايتي منه. أما جعفر، فكان كأبٍ صغير، يضع القواعد، ويمنع الحماقات.

في اللعب، لم يحاول عبد الرحمن التفوّق عليّ، وكان يمرّر لي الكرة، بينما يعلّمنا جعفر القواعد، فيعرف كلٌّ منا مكانه في الفريق. كنت الأخت الصغيرة التي تثق بأنها لن تسقط حين تكون معهم. هذا، بالنسبة لي، كان الوطن.

أحد أشكال الغربة أن تنتظر والدك في مراحل من عمرك، وأن لا تعرف حضوره إلا في أيام معدودة من السنة. أيام نعدّها دائمًا، ونرجو أن تكون أطول. وحتى حين يطيل البقاء، يظلّ العقل واعيًا بجواز السفر القادر على الرحيل في أي لحظة

حتى آخر ليلة قبل سفري مع والدتي إلى مقديشو، اجتمعنا لنلعب المصارعة. كانت هناك قاعدة واحدة: لا نبكي، لا نشتكي، ولا نخبر الكبار. الهدف كان أن نختبر قدرتنا على الاحتمال، وأن نبقى فريقًا واحدًا.

هذه الصداقة الطفولية هي وطني الأول. هي المعنى الحقيقي للثبات، ولأن أكون غير قابلة للاستبدال. وربما لهذا السبب ظللت، في ما بعد، أبحث عن صداقات تقوم مقام الأخوّة؛ علاقات بلا دم، لكنها ثابتة، لا يمحوها الوقت ولا تغيّرها الظروف. ولهذا أيضًا لم أجد وطنًا في مقديشو، ولا أجده اليوم في القاهرة. تتشظّى شخصيتي إلى عوالم متعددة، لكل عالم لونه واستقلاله. لم أستطع اختيار لون واحد، ولا وطن واحد، ولا نسخة واحدة من نفسي. ولا ألوم أحدًا. هذا الشتات نتيجة طبيعية للاقتلاع الأول.

المنزل

أفكّر في المنزل لا كمكان ألمسه، بل كشعورٍ بالاطمئنان. كدفءٍ خفيف يجعل الأشياء أكثر احتمالًا، وأكثر قربًا من الكمال، رغم هشاشتها. أجلس الآن في مقهى لا أحبه كثيرًا، ومع ذلك أشعر بالطمأنينة لأنه المكان المفضّل لصديقتي، ولأن ذاكرتي الأولى معه مرتبطة بها.

أنا أرى العالم من خلال المشاعر. خريطتي الداخلية تعود دائمًا إلى سؤال واحد: كيف شعرتُ أول مرة تجاه هذا المكان، أو هذا الشخص؟

وبهذا المعنى، المنزل هو والدتي. كنت طفلتها الوحيدة، أول علاقة، وأول حلم، وأول قبلة. وككل المنازل، هناك تصدّعات، وربما زلازل، وربما جدران تضعف مع الوقت. وقد يهجر أصحاب المنزل منزلهم، لكنهم يعودون إليه دائمًا. فالعودة شرط أساسي لاعتبار أي مكان منزلًا، مهما طال النفي، ومهما كثرت الحروب، ومهما ابتعدت المسافات.

المزيد من الكاتب

ثقافة

الوحشية المفقودة