الأربعاء 17 ديسمبر 2025
يُعد كتاب "الغفران من منظور نسوي" للفيلسوفة كاثرين نورلوك، والصادر عام 2009 (الإصدار الثاني 2018)، من أوائل الأعمال الفلسفية النسوية التي تناولت موضوع التسامح باعتباره موضوعا مستقلا، خارج الأطر الدينية أو الأخلاقية التقليدية. في هذا الكتاب، تعيد نورلوك النظر في مفهوم الغفران من خلال عدسة نسوية نقدية تراعي البعد الجندري والسلطوي، وتفكك الافتراض القائل بأن الغفران فعل فردي حر، لتظهر كيف يتشكّل العفو، ويُمارس داخل سياقات اجتماعية غير متكافئة، غالبًا ما يكون فيها الطرف الذي يُتوقع منه الصفح هو الأضعف: النساء والفقراء والمهمشون.
ينطلق الكتاب من فرضية أن التسامح، في سياق العلاقات الجندرية، لا يمكن فهمه كخيار شخصي معزول، بل بوصفه فعلًا اجتماعيًا معقدًا، يتداخل فيه التاريخ والهيمنة والطبقة والجنس والعرق، وتختلط فيه مشاعر مثل الغضب والإحساس بالضعف والعار. ومن هذا المنظور، لا يمكن تحليل فعل الغفران دون تحليل البنية الاجتماعية التي تُحيط به، والضغوط التي تُملى على ممارسيه، ولا سيما النساء.
يتألف الكتاب من مقدمة وستة فصول رئيسية. في الفصل الأول، تتناول نورلوك الفرضية القائلة بأن الغفران مسألة مؤنثة ثقافيًا، رغم كونه في جوهره محايدًا من حيث الجنس. توضح كيف أن المجتمع يُحمّل النساء مسؤولية العفو أكثر من الرجال، بوصفهن الركيزة الأخلاقية للأسرة، وبناء على صورة نمطية ترى أن المرأة أكثر تعاطفًا، وأقرب إلى التسامح بطبعها. وتستعرض الكاتبة في هذا السياق أمثلة من الأدب والدين والسياسات العامة، تُظهر كيف جرى تطبيع فكرة أن المرأة مسؤولة عن تجاوز الألم حفاظًا على السلام العائلي.
إن قول "أنا أسامحك" ليس مجرد تصريح شخصي، بل فعل أدائي يُغيّر الواقع الاجتماعي بين المتكلم والمخاطَب
في الفصل الثاني، تُفكك نورلوك التصور الأخلاقي التقليدي المستمد من الفلسفة الكانطية، والذي يفترض أن الأفراد متساوون وفردانيون في قراراتهم الأخلاقية. غير أن هذا الافتراض يغفل وجود أنظمة جنسية واجتماعية تنزع عن الغفران طابعه الحر، وتحوله إلى استجابة متوقعة ومفروضة، خاصة عندما تكون الضحية امرأة. تؤكد الكاتبة أن العفو لا يتم في فراغ، بل يُنتج ويُمارس داخل سياقات اجتماعية وثقافية وعائلية تضغط على الأفراد بطرق غير مرئية، مما يُفرغ فعل الغفران من معناه الأخلاقي الحر.
أما في الفصل الثالث، فتشدد نورلوك على أن الاعتراف بالاختلافات الفردية هو مدخل أساسي لفهم أفعال معقدة كالصفح. فليس جميع الناس يملكون الشروط نفسها لممارسة الغفران، وليس الغضب علامة على الانحدار الأخلاقي. الأخلاق، بحسب نورلوك، يجب أن تتأسس على فهم تنوع التجربة الإنسانية بدل إخضاع الجميع لمعيار موحّد يدّعي الحياد، ويُنتج في الواقع أشكالًا من التواطؤ مع الظلم.
في الفصل الرابع، تنتقل الكاتبة إلى تحليل البُعد اللغوي للغفران، من خلال الاستناد إلى فلسفة اللغة، خاصة أفكار جون أوستن، لتُبيّن أن قول "أنا أسامحك" ليس مجرد تصريح شخصي، بل فعل أدائي يُغيّر الواقع الاجتماعي بين المتكلم والمخاطَب. وتُظهر كيف أن هذا الفعل لا ينفصل عن السياق الاجتماعي والجندري الذي يُقال فيه، وكيف أن المرأة – في الغالب – لا تُسمع حين ترفض، وتُنتظر منها دومًا عبارة الصفح، لا بوصفها تعبيرًا ذاتيًا، بل كأداء اجتماعي ضروري لاستعادة الاستقرار.
إن العفو لا يتم في فراغ، بل يُنتج ويُمارس داخل سياقات اجتماعية وثقافية وعائلية تضغط على الأفراد بطرق غير مرئية، مما يُفرغ فعل الغفران من معناه الأخلاقي الحر
يتناول الفصل الخامس ظاهرة الغفران من طرف ثالث، حين يقوم شخص غير متضرر بمسامحة الجاني نيابة عن الضحية. تطرح نورلوك هنا تساؤلات نقدية حول مشروعية هذا النوع من العفو، مشيرة إلى أنه قد يتحول إلى وسيلة لإسكات صوت الضحية أو تجنّب الاعتراف الفعلي بالخطأ والضرر. هذا النوع من الغفران يُخلي ساحة النقاش من الاعتراف والمحاسبة، ويمنح العفو لمن لم يُؤذَ أصلاً، مما يكرّس الإقصاء الأخلاقي للضحية.
أما الفصل السادس، فيتناول الغفران الذاتي، بوصفه من أصعب أشكال العفو وأكثرها التباسًا. ترى نورلوك أن التسامح مع الذات قد يكون أداة للنمو والتعافي، لكنه أيضًا فعل محفوف بالمخاطر، خاصة إذا تم في غياب الاعتراف بالأذى أو في ظل شعور داخلي بالذنب والإلزام. وتعرض الكاتبة شروطًا لهذا النوع من الغفران من منظور نسوي، يؤكد على ضرورة الاعتراف بالألم، لا القفز عليه.
ينطوي الكتاب على دعوة واضحة إلى إعادة التفكير في معنى العفو ضمن السياق الجندري، من أجل فهم كيف يمكن للغفران أن يتحوّل إلى أداة تخدم الجاني، بدلًا من كونه قرارًا حرًا تتخذه الضحية. ومن خلال هذا الإطار النقدي، يوفر العمل أدوات تحليلية مهمّة لفهم التجربة الأنثوية للصفح، ويُظهر كيف يُستخدم التسامح أحيانًا كسلاح رمزي لترويض المرأة وإسكات غضبها، لا كفعل ناتج عن قرار حر أو شفاء داخلي.
ينفتح التحليل الذي تقدمه نورلوك على تطبيقات واقعية في مجتمعات أخرى، مثل السياق الصومالي، حيث تعتمد كثير من النساء اقتصاديًا على الشريك، وحين يتعرضن للإيذاء، يجدن أنفسهن مضطرات – بفعل الضغوط الاجتماعية والمادية – إلى استخدام أساليب غير صحية مثل إنكار ما حدث، أو مسامحة المعتدي، لا انطلاقًا من قناعة داخلية، بل كوسيلة للبقاء. في هذه الحالات، لا يكون العفو فعلًا أخلاقيًا حرًا، بل استجابة اضطرارية لقمع مزدوج: قمع داخلي تمارسه الضحية على نفسها، وقمع خارجي يُمارسه المجتمع لإخضاعها لواجب الصمت. ينتج عن هذا التمزق انقسام داخلي بين الرغبة في النجاة والحاجة إلى الاعتراف، ويُصبح الغفران آلية للبقاء وسط منظومة لا تعترف بالألم، بل تُجمله وتروّج له كفضيلة.
من هنا تبرز ضرورة إعادة تعريف مفهومي العدالة والمسؤولية الأخلاقية، استنادًا إلى ما تسميه نورلوك "العدالة السياقية"، والتي تفترض أن الأفعال الأخلاقية – ومنها الغفران – لا يمكن أن تُقاس بمعايير مجردة، بل يجب أن تُفهم في ضوء الظروف المحيطة بها، وفي ظل اللامساواة التي تُميز التجربة الإنسانية. فالعفو، إذا طُلب من الضحية دون مساءلة الجاني، لا يكون فعلًا تحرريًا، بل شكلًا من أشكال الإنكار الذاتي، ووسيلة لإعادة إنتاج علاقات غير متكافئة.
يُستخدم التسامح أحيانًا كسلاح رمزي لترويض المرأة وإسكات غضبها، لا كفعل ناتج عن قرار حر أو شفاء داخلي
من أبرز التحليلات التي يقدمها الكتاب أيضًا تركيزه على البعدين الطبقي والعرقي في ممارسة الغفران، حيث تُظهر نورلوك كيف يُفرض العفو كواجب أخلاقي على الفئات المهمشة أو المضطهدة، كالنساء والفقراء والأقليات، في حين يُعفى الأقوياء من الاعتراف. ينطبق هذا التحليل في مجتمعات يُعاد فيها توزيع القوة بحسب الهويات الاجتماعية، كما في السياق الصومالي الذي تتداخل فيه التراتبيات القَبَلية والجندرية، فتُحمّل بعض الفئات عبء التسامح بشكل ممنهج، لا بوصفها أكثر تعاطفًا، بل لأنها الأقل قدرة على المقاومة.
تُفرّق الكاتبة بين الغفران بوصفه قرارًا داخليًا يعيد تنظيم العلاقة في وجدان الفرد، وقرارًا خارجيًا معلنًا يُغيّر الواقع. ولكنها تُشير إلى أن العفو الذي يُتوقع من المرأة لا ينبع من استقلاليتها، بل من رغبة المجتمع الذكوري في الحفاظ على استقرار العلاقات، حتى وإن كان ذلك على حساب العدالة. وهكذا يُصبح الغفران فعلًا مُلزِمًا، يفرض على المرأة التخلي عن غضبها المشروع – الذي يُعاد تأطيره بوصفه "مرضًا نفسيًا" أو "رغبة في الانتقام" – وكل ذلك باسم حماية الاستقرار الاجتماعي.
تنتقد نورلوك بوضوح هذا النمط من الاستجابة المفروضة، والذي تسميه "الغفران الذكوري" (Male-Pattern Forgiveness)، وهو نموذج يبدو في ظاهره نبيلًا وأخلاقيًا، لكنه في جوهره يُكرّس ميزان قوى غير متكافئ، ويُحمّل المرأة عبء الصفح بدلًا من مساءلة المعتدي أو بنية الظلم نفسها.
يُعد كتاب الغفران من منظور نسوي مساهمة فكرية بارزة في نقد التصورات الأخلاقية الكلاسيكية حول العفو، ويقدّم بديلًا نسويًا عميقًا يفهم الغفران بوصفه علاقة قوى لا مجرد فضيلة. وهو بذلك لا يُطالب بالامتناع عن الصفح، بل بتفكيك الظروف التي تجعل منه واجبًا غير معلن يُمارَس على الأضعف، بدلًا من كونه قرارًا نابعًا من الذات. كتاب يستحق القراءة والتأمل، لا بوصفه تنظيرًا أكاديميًا فحسب، بل كمرآة فكرية لما يعنيه أن نُسامح ونحن داخل شبكة من الضغوط التي تطالبنا بالصمت.