السبت 14 فبراير 2026
في ظل استمرار الأزمات السياسية والأمنية في الصومال، تبرز أزمات إنسانية واجتماعية لا تقل خطورة، في مقدّمتها الفيضانات الموسمية المتكررة، التي تتجدد مع قدوم كل موسم نتيجة ارتفاع منسوب مياه نهري جوبا وشبيلي النابعين من المرتفعات الإثيوبية، وفيضانهما في المناطق المحيطة، مما قد يتسبب بأضرار جسيمة تطال آلاف السكان، بدءًا من النزوح الجماعي من المدن والقرى والمناطق الزراعية، مرورا بتفشي الأمراض بسبب فقدان المياه الصالحة للشرب، وانتهاءً بإتلاف المحاصيل وحرمان المزارعين من قطف ثمرة جهدهم الزراعي.
مع حلول موسم الربيع وبدء هطول الأمطار، تتصاعد المخاوف في أوساط المزارعين وسكان المناطق المعرضة للفيضانات، بما في ذلك سكان المدن والبلدات، في ظل غياب خطة استجابة حكومية فعالة، وتراجع الدعم الدولي في المجالين الإنساني والتنموي، مما ينذر بتفاقم الكارثة، وازدياد حدة الأزمات الإنسانية الراهنة في البلاد.
لا تكاد الصومال تخرج من أزمة إنسانية حتى تدخل في أخرى، إذ تتناوب عليها موجات الجفاف والفيضانات، وغالبا ما تبدأ الفيضانات مع بداية التعافي من آثار الجفاف، ما يضع البلاد في دورة شبه دائمة من الكوارث الطبيعية المتعاقبة، رغم تفاوت حدّة تأثيراتهما؛ فالجفاف يُعد أكثر اتساعًا وخطورة نظرًا لتأثيره الممتدة إلى معظم أنحاء البلاد، في حين تقتصر الفيضانات عادة على المناطق الواقعة على ضفاف نهري جوبا وشبيلي أو بالقرب منهما.
إن المناطق المتضررة من الفيضانات ليست قليلة، كما أن آثارها لا تقتصر على نطاق ضيق، نظرًا للطول الجغرافي للنهرين، والأهمية الحيوية للمناطق التي يعبرانها. فنهر جوبا يمتد داخل الأراضي الصومالية لمسافة 875 كلم، بينما يبلغ طول نهر شبيلي نحو 800 كلم، ويجريان عبر أهم المناطق الزراعية في البلاد، بالإضافة إلى بلدات ومدن مأهولة، ما يجعل الفيضانات كارثة مزدوجة تضرب السكان والمحاصيل على حدٍّ سواء.
إن الفيضانات في الصومال لا تقتصر على الفيضانات النهرية فحسب، بل تشمل أيضًا ما يُعرف بالفيضانات المفاجئة، التي تنتج غالبًا عن هطول أمطار غزيرة في المناطق الجبلية والوديان، وتنتشر بشكل خاص في شمال البلاد
لا تُعد أزمة الفيضانات طارئة في الصومال، إذ كانت ممتدة منذ عقود مضت، إلا أن حدّتها تفاقمت في السنوات الأخيرة بفعل تغيّر المناخ، الذي أخذت آثاره تتسع تدريجيا في البلاد، فقد شهدت الصومال في العام الماضي واحدة من أسوأ الكوارث المناخية المرتبطة بظاهرة "النينيو"، حيث أودت الفيضانات بحياة أكثر من 100 شخص، وتسببت في نزوح أكثر من مليون آخرين.
تجدر الإشارة إلى أن الفيضانات في الصومال لا تقتصر على الفيضانات النهرية فحسب، بل تشمل أيضًا ما يُعرف بالفيضانات المفاجئة، التي تنتج غالبًا عن هطول أمطار غزيرة في المناطق الجبلية والوديان، وتنتشر بشكل خاص في شمال البلاد. أما الفيضانات النهرية فتحدث غالبًا على ضفاف نهري جوبا وشبيلي في جنوب البلاد، وتمر بمناطق واسعة مأهولة وزراعية، ما يضاعف من حجم الخسائر.
مع انطلاق موسم الأمطار الحالي، تضرر أكثر من 30 ألف شخص منذ 15 أبريل/ نيسان الماضي، حيث جرفت السيول أربعة أشخاص، بينهم طفلان وامرأة في مناطق بولاية بونتلاند وولاية جنوب الغرب، فيما اضطرت نحو ألف أسرة إلى الفرار بعد أن فاض نهر شبيلي في 29 أبريل/نيسان، ما أدى إلى غمر منازلهم وتدمير محاصيلهم الزراعية. لجأت العائلات المتضررة إلى مخيمات مؤقتة أقيمت على أراضٍ مرتفعة، لكنها تواجه اليوم نقصًا حادًا في الغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية. وقد ناشدت السلطات تقديم مساعدات عاجلة، في وقت بدأت فيه الجهات الإنسانية بإجراء تقييمات لتحديد حجم الأضرار وتقديم الاستجابة، رغم محدودية الموارد نتيجة تقليص التمويل في الآونة الأخيرة.
بفعل الأزمات السياسية والأمنية المتشابكة، وضعف الإمكانيات المادية، ومحدودية السيطرة على الأرض، إضافة إلى الفساد المستشري الذي يعيق تنسيق الجهود واستثمار الموارد المتاحة بالشكل المطلوب، تعجز السلطات الصومالية – سواء على المستوى الفيدرالي أو الإقليمي – عن القيام بدورها في اتخاذ التدابير الوقائية المسبقة لمواجهة الفيضانات أو الاستجابة الفاعلة عند وقوعها، مما يؤدي إلى تفاقم معاناة السكان وازدياد حجم الأضرار.
يساهم امتلاء مجرى نهري جوبا وشبيلي بالمخلفات والرمال في تقليل قدرتهما على استيعاب المياه، ما يؤدي إلى تكرار الفيضانات وحدوثه قبل بلوغ المستويات الطبيعية، مما يعكس على غياب الدور الحكومي في تنفيذ عمليات الصيانة الدورية، كإزالة الرواسب وتنظيف المجاري لضمان انسياب المياه بشكل طبيعي. ويُعزى هذا الغياب إلى محدودية السيطرة الفعلية للحكومة – سواء على المستوى الفيدرالي أو الإقليمي – على امتداد النهرين اللذين يمران ما يقرب بألفي كيلومتر داخل الأراضي الصومالية.
كانت السلطات الصومالية، في السبعينيات والثمانينيات في القرن الماضي، تبذل جهودًا ملموسة في مواجهة الفيضانات، من خلال تدخلات وقائية تسبق موسم الأمطار، شملت صيانة مجاري الأنهار وإزالة الرواسب والرمال خلال فصل الصيف، حين تكون مناسيب المياه منخفضة، مما أتاح تفريغ المجرى من المخلفات التي تؤثر سلبًا على عمقه وقدرته الاستيعابية، لكن هذا الدور الحيوي توقّف تماما عقب انهيار الحكومة المركزية قبل أكثر من ثلاثة عقود، إذ غابت أعمال الصيانة المنتظمة بسبب ضعف الحكومات اللاحقة ومحدودية سيطرتها على الأرض، أو فقدانها الكامل كما كانت البلاد في التسعينيات في القرن الماضي.
يساهم امتلاء مجرى نهري جوبا وشبيلي بالمخلفات والرمال في تقليل قدرتهما على استيعاب المياه، ما يؤدي إلى تكرار الفيضانات وحدوثه قبل بلوغ المستويات الطبيعية، مما يعكس على غياب الدور الحكومي في تنفيذ عمليات الصيانة الدورية، كإزالة الرواسب وتنظيف المجاري لضمان انسياب المياه بشكل طبيعي
في ظل هذا الضعف، اقتصرت استجابة الحكومة الفيدرالية في السنوات الماضية على التعامل مع الآثار الناجمة عن الفيضانات من خلال مناشدة الدول والمنظمات الدولية والمحلية لتقديم المساعدات، دون اتخاذ خطوات جادة لمعالجة الأسباب الكامنة وراء تكرارها قبل حدوثها، إذ لا يعود ذلك إلى محدودية الموارد فقط، بل أيضا إلى تفشي الفساد وسوء التخطيط، مما أعاق توظيف المساعدات المتاحة من الجهات المانحة بشكل فعّال في إيجاد حلول مستدامة تحد من مخاطر الفيضانات وتكرارها.
مع تزايد تكرار الفيضانات في البلاد نتيجة عوامل متعددة، يأتي في مقدمتها التأثيرات المتفاقمة للتغير المناخي، تتسع رقعة الأضرار الناجمة عن هذه الكوارث الطبيعية، وتشمل بالدرجة الأولى نزوح السكان من المناطق المتضررة، إذ تُعد مدينة بلدوين، عاصمة إقليم هيران، من أبرز المناطق التي تعاني بشكل متكرر من الفيضانات، حيث لا يكاد يمر موسم دون أن تشهد موجات نزوح جماعية من معظم أحيائها بسبب ذلك، وتشترك معها في هذه المعاناة مدينة أفجويي، الواقعة على بعد 30 كلم فقط من العاصمة مقديشو، ومدينة بارطيري في محافظة جدو، إلى جانب مدن وبلدات وقرى في محافظات مختلفة في البلاد.
لا تقتصر أضرار الفيضانات على النزوح فقط، بل تتعداها لتلحق أذى بالغا بقطاع الزراعة، إذ تؤدي إلى إتلاف المحاصيل الزراعية، لا سيما أن الأراضي الواقعة على ضفاف النهرين أو القريبة منهما تُعد من أخصب الأراضي الزراعية في البلاد وأكثرها إنتاجية، وبالتالي، فإن تعرض هذه المناطق للفيضانات يتسبب بخسائر كبيرة في المحاصيل ويؤثر سلبا على الإنتاج الزراعي الوطني.
تتسبب الفيضانات أيضا في انتشار الأمراض بين السكان، خصوصا في المدن والقرى التي غمرتها المياه، نتيجة تلوث الآبار ومصادر المياه وغياب أنظمة الصرف الصحي الملائمة، كما أن للبنية التحتية نصيبا وافرا من الضرر، حيث تتأثر المرافق العامة مثل المدارس والمستشفيات والطرق، ما يؤدي إلى تدهور الخدمات الاجتماعية المقدمة إلى تلك المناطق، ويؤثر سلبا على حركة الإنتاج وتنقل المواطنين بين مناطق البلاد المختلفة.
لا تقتصر أضرار الفيضانات على النزوح فقط، بل تتعداها لتلحق أذى بالغا بقطاع الزراعة، إذ تؤدي إلى إتلاف المحاصيل الزراعية، لا سيما أن الأراضي الواقعة على ضفاف النهرين أو القريبة منهما تُعد من أخصب الأراضي الزراعية في البلاد وأكثرها إنتاجية
تسببت فيضانات أواخر عام 2023، وفقًا لآخر بيانات هيئة إدارة الكوارث الصومالية (سودما)، في أضرار مادية بلغت 126.6 مليون دولار أمريكي، إلى جانب خسائر قُدِّرت بـ49.5 مليون دولار، ليصل إجمالي التأثيرات الناجمة عن الفيضانات إلى نحو 176.1 مليون دولار. وقد تصدّر قطاع الزراعة والثروة الحيوانية قائمة القطاعات الأكثر تضررا، بقيمة بلغت 57 مليون دولار، أي ما يعادل 32٪ من إجمالي الأضرار والخسائر، تلاه قطاع المياه والصرف الصحي بـ32.7 مليون دولار (19٪)، ثم قطاع النقل بـ29.7 مليون دولار (17٪). في عام 2024، تسببت الفيضانات في أضرار جسيمة تراوحت بين الخسائر البشرية والنزوح وفقدان الثروة الحيوانية، حيث تأثر بها نحو 226,000 شخص في مختلف أنحاء البلاد.
تكشف الأزمات المناخية المتكررة في الصومال، من جفاف إلى فيضانات، عن هشاشة البنية التحتية وضعف قدرة الدولة على الاستجابة السريعة للكوارث، في ظل غياب سياسات بيئية واضحة وخطط إنقاذ فعّالة، وبينما يدفع آلاف المواطنين ثمن هذه الكوارث من أمنهم الغذائي وسلامتهم الجسدية، تظل الحاجة ملحّة لتدخلات محلية ودولية أكثر تنسيقًا واستدامة، لا تكتفي بالتعامل مع نتائج الأزمة فحسب، بل تمتد إلى المعالجة بجذورها، وتربط بين جهود الإغاثة العاجلة ومسارات التنمية طويلة الأمد.