تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 6 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الفجوة الاستكشافية في أفريقيا: بين ثراء الجيولوجيا وتحديات السياسات

9 نوفمبر, 2025
الصورة
الفجوة الاستكشافية في أفريقيا: بين ثراء الجيولوجيا وتحديات السياسات
Share

تبدو أفريقيا اليوم وكأنها تقف على أرض من ذهب لا تعرف كيف تستخرج قيمته. فعلى الرغم من ثرائها الجيولوجي، ما تزال القارة تسجّل تراجعًا متواصلًا في استثمارات الاستكشاف. هذه المفارقة بين غنى الأرض وفقر الاستثمار تكشف عن ما يُعرف بالفجوة الاستكشافية. وبينما تمتلك أفريقيا ما يقارب ثلث احتياطات العالم من المعادن الأساسية، فإنّ العائد الفعلي لا يتجاوز جزءًا بسيطًا من إمكاناتها، لتظل القارة محاصَرة في معادلة غير متكافئة: موارد ضخمة بلا تنمية، وثروات مدفونة بلا استثمار.

أزمة استكشاف تتسع رغم ثراء الأرض

انخفضت حصة أفريقيا من الاستثمارات العالمية في مجال استكشاف الموارد الطبيعية من 16٪ عام 2004 إلى 10.5٪ عام 2024، على الرغم من أنّ أفريقيا جنوب الصحراء تُعدّ المنطقة الأقل تكلفة في العالم لعمليات الاستكشاف، إذ تبلغ نسبة الإنفاق إلى الاكتشاف نحو 8-٪، متفوقة بذلك على مناطق راسخة في الصناعة، مثل أستراليا وكندا وأمريكا الجنوبية التي تتجاوز نسبها 5٪، ويعكس هذا التراجع مفارقة جوهرية بين ما تختزنه القارة من ثراء جيولوجي هائل وما تحققه فعليًا من استثمارات، بما يؤكد اتساع الفجوة الاستكشافية.

لعب الصراع دورًا حاسمًا في تقويض جهود الاستكشاف في أفريقيا، ففي موزمبيق، التي تُعد ثالث أكبر دولة في العالم من حيث احتياطيات الجرافيت. شهد نشاط التنقيب عن المعادن تراجعًا حادًا وسط تصاعد أعمال العنف في مقاطعة كابو ديلجادو. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2024، أعلنت شركة Syrah Resources الأسترالية حالة القوة القاهرة في منجمها للجرافيت في بالاما بسبب انعدام الاستقرار، ما أدى إلى تعثرها في سداد قرض بقيمة 150 مليون دولار من مؤسسة التنمية الأمريكية. وفي ظل استمرار العنف، انخفض الإنفاق على الاستكشاف من 25.5 مليون دولار عام 2014 إلى 1.4 مليون دولار عام 2024، في مؤشر واضح على الأثر المدمر للنزاع المسلح على جاذبية الاستثمار.

لا يقتصر تأثير الصراع على الحالة الموزمبيقية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى منطقة الساحل الأفريقي، حيث أدى عدم الاستقرار السياسي، وتدهور الأوضاع الأمنية إلى تقويض بيئة الاستثمار في الاستكشاف. فقد تراجع الإنفاق على الاستكشاف في النيجر بنسبة تقارب 90٪، ليصل إلى 6.8 ملايين دولار عام 2024 مقارنةً بـ 66.4 مليون دولار عام 2012. شهدت بوركينا فاسو الاتجاه ذاته، إذ انخفض الإنفاق من 121 مليون دولار بعد عام 2022 إلى 37 مليون دولار عام 2024. أما مالي، فقد سجّلت تباطؤًا حادًا في نشاط الاستكشاف، حيث تراجع الاستثمار من 153 مليون دولار إلى 72 مليون دولار خلال الفترة نفسها.

رغم هذه الوفرة الجيولوجية، تشير الأبحاث إلى أن القارة لم تحقق سوى جزء محدود من إمكاناتها الفعلية، إذ لا تتجاوز الإيرادات من استغلال الموارد المعدنية 40٪ من قيمتها

لم يكن الصراع وحده سببًا في تراجع الاستثمار في مجال الاستكشاف، إذ ساهم انخفاض أسعار المعادن والركود العام الذي شهده القطاع منذ عام 2023 في إضعاف أسواق رأس المال وأنشطة التمويل. فقد أظهر نشاط المشاريع، تراجعًا ملحوظًا؛ حيث سُجّل نحو 53,582 حفرة في عام 2023، مقارنة بـ70,008 حفرة في عام 2022. كما عكست ميزانيات الاستكشاف هذا الانخفاض في التمويل والنشاط، إذ سجّلت دراسة S&P Global تراجعًا بنسبة 3٪ لتصل إلى 12.76 مليار دولار أمريكي في عام 2023، بعد أن بلغت 13.10 مليار دولار في عام 2022.

يُضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف التشغيل الناتج عن سنوات من التضخم، إلى جانب انخفاض الإيرادات مقارنة بالسنوات السابقة، ما يفرض ضغوطًا على هوامش ربح المنتجين. وفي مثل هذه الظروف، غالبًا ما تكون ميزانيات الاستكشاف أول البنود التي يتم تقليصها.

كما شهدت عمليات استكشاف الذهب في أفريقيا تراجعًا ملحوظًا خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، في مؤشر على تحول بنيوي في أولويات الاستثمار داخل قطاع التعدين. فقد اتجهت العديد من الدول الأفريقية إلى تنويع أنشطة الاستكشاف نحو معادن استراتيجية أخرى، مثل الليثيوم والنحاس والكوبالت، الأمر الذي انعكس سلبًا على النمو المستقبلي لقطاع الذهب.

بين عامي 2023 و2024، لم تُسجَّل أي اكتشافات ذهبية جديدة، فيما لم يتجاوز عدد الاكتشافات منذ عام 2020 سوى ستة مواقع فقط، رغم الارتفاع الملحوظ في أسعار الذهب منذ أواخر عام 2023 مدفوعًا بالتوترات الجيوسياسية والضغوط الاقتصادية العالمية. ومع ذلك، انكمشت ميزانيات الاستكشاف بنسبة 22٪ خلال العامين الماضيين، في مفارقة تعكس ضعف استجابة الاستثمارات للظروف السوقية، وتُبرز حجم التحدي الذي تواجهه القارة في مواءمة مواردها الغنية مع استراتيجيات استكشاف أكثر كفاءة واستدامة.

الفجوة الأفريقية بين الجيولوجيا والاقتصاد

رغم امتلاك أفريقيا واحدة من أغنى المخزونات من الموارد الطبيعية في العالم، فإن استثمارها ما يزال محاطًا بمفارقات حادة تكشف عمق الفجوة الاستكشافية في القارة. إذ يُشكّل رأس المال الطبيعي ما بين 30٪ و50٪ من إجمالي الثروة في العديد من البلدان الأفريقية، بينما يعتمد أكثر من 70٪ من سكان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى على الغابات في معيشتهم اليومية، ما يعكس ارتباط الثروة الطبيعية بالحياة الأساسية للسكان. ومع ذلك، لم يتحول هذا الثراء الجيولوجي إلى نمو اقتصادي مستدام، إذ لا تزال العوائد الفعلية أقل بكثير من الإمكانات النظرية.

تمتلك أفريقيا قدرة كامنة لتوليد إيرادات تراكمية تبلغ نحو 2 تريليون دولار من أربعة معادن رئيسية هي النحاس والنيكل والفولاذ والكوبالت

في ظل هذا التراجع في النشاط الاستكشافي، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا عند النظر إلى حجم الإمكانات المعدنية غير المستغلة في القارة. فوفقًا لوكالة الطاقة الدولية، تمتلك أفريقيا نحو 30٪ من احتياطات المعادن الأساسية المثبتة عالميًا، غير أن الحجم الحقيقي لثرواتها يُرجَّح أن يكون أكبر بكثير، نظرًا لاتساع المساحات التي لا تزال خارج نطاق الاستكشاف. ورغم هذه الوفرة الجيولوجية، تشير الأبحاث إلى أن القارة لم تحقق سوى جزء محدود من إمكاناتها الفعلية، إذ لا تتجاوز الإيرادات من استغلال الموارد المعدنية 40٪ من قيمتها.

ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، تمتلك أفريقيا قدرة كامنة لتوليد إيرادات تراكمية تبلغ نحو 2 تريليون دولار من أربعة معادن رئيسية هي النحاس والنيكل والفولاذ والكوبالت. غير أن هذه الإمكانات تصطدم بعقبات هيكلية تتعلق بارتفاع تكاليف الاستكشاف، إذ تشير مجموعة المعادن الحرجة الأفريقية إلى أن تكلفة استكشاف الليثيوم في أفريقيا تزيد بنحو 40٪ مقارنة بدول مثل تشيلي التي تمتلك ميزة نسبية في هذا المجال.

غير أن هذه الإمكانات، رغم ضخامتها، تبقى رهينة لضعف نظم الحوكمة الاقتصادية. فبينما تمتلك القارة مقومات تؤهلها لتوليد إيرادات هائلة من ثرواتها المعدنية، إلا أن غياب سياسات فعّالة لإعادة استثمار هذه العوائد يُبقيها أسيرة حلقة مفرغة من الاستخراج دون تنمية. حيث تُعد حوكمة الموارد الطبيعية في أفريقيا ضرورة حيوية لضمان استدامة النمو الاقتصادي، ويُفترض أن تُعاد استثمار الإيرادات الناتجة عن استنزاف تلك الموارد في عمليات استكشاف جديدة وبناء قدرات إنتاجية بديلة تضمن استمرار العائد الاقتصادي بعد نضوب الثروات الحالية.

العناصر الأرضية النادرة تدفع موجة جديدة من الاستكشافات

يسهم الطلب العالمي المتزايد على العناصر الأرضية النادرة في إعادة رسم خريطة الاستثمار في أفريقيا، عبر جذب الاهتمام إلى مناطق طالما ظلت على هامش النشاط الاستكشافي. فعلى الرغم من صِغر حجم قطاعي التعدين في كلٍّ من أوغندا وملاوي، فإن الارتفاع الحاد في الطلب على هذه العناصر النادرة أعاد توجيه بوصلة المستثمرين نحوها.

يعكس هذا التراجع مفارقة جوهرية بين ما تختزنه القارة من ثراء جيولوجي هائل وما تحققه فعليًا من استثمارات، بما يؤكد اتساع الفجوة الاستكشافية

في أوغندا، ارتفع الإنفاق على الاستكشاف بنحو عشرة أضعاف من 1.1 مليون دولار أمريكي في عام 2017 إلى 9.5 ملايين دولار عام 2024. وشهدت ملاوي مسارًا مشابهًا، إذ قفزت نفقات الاستكشاف من 2.2 مليون دولار إلى 19.4 مليون دولار خلال الفترة نفسها.

في السياق نفسه، دعمت مؤسسة التنمية الدولية الأمريكية في عام 2024 دراسة جدوى لتطوير قدرات معالجة العناصر الأرضية النادرة في أنغولا، في إشارة إلى اتساع الاهتمام الدولي بالعناصر النادرة الأفريقية باعتبارها موردًا استراتيجيًا يدخل في صميم التحولات التكنولوجية والطاقوية العالمية.

في موازاة الاهتمام الدولي بالعناصر الأرضية النادرة، شهدت الكونغو الديمقراطية تسارعًا لافتًا في نشاط الاستكشاف على مدار العقدين الماضيين، إذ ارتفع حجم الاستثمارات من 57 مليون دولار إلى نحو 389 مليون دولار. وقد أفضت هذه الديناميكية إلى تطوير مجمع كاموا–كاكولا، الذي يُعد أحد أكبر مشروعات النحاس في العالم، ويحتوي على خامات تُقدّر بنسبة نقاء تصل إلى 2.5٪، وهي من الأعلى عالميًا.

تؤكد تجارب بلدان أخرى العلاقة الطردية بين الاستقرار السياسي وجاذبية الاستثمار الاستكشافي. ففي تنزانيا، التي تبنّت إصلاحات اقتصادية واضحة، ارتفع الإنفاق على الاستكشاف من 47.2 مليون دولار في العام الأخير من رئاسة جون ماجوفولي (2021) إلى 103.4 ملايين دولار في عام 2022، في أول عام من رئاسة سامية سولوهو. أما في زامبيا، فقد أدى انتخاب الرئيس هاكيندي هيشيليما في العام نفسه إلى انتعاش لافت في نشاط الاكتشافات، إذ ارتفع الإنفاق من 42 مليون دولار إلى 79 مليون دولار، ما يعكس ثقة المستثمرين بقدرة القيادة الجديدة على استعادة بيئة استثمارية أكثر استقرارًا.

ما تواجهه أفريقيا اليوم ليس نقصًا في المعادن، بل ندرة في القرارات التي تحوّل الثروة إلى تنمية. فالفجوة الاستكشافية هي عرض لأزمة أعمق تتعلق بغياب التخطيط المتكامل، وضعف الإرادة في بناء قطاع تعدينٍ يقوده العلم لا المصادفة، وتوجهه السياسات لا الأزمات. ولعل الدرس الأهم أن الموارد، مهما بلغت وفرتها، تفقد قيمتها حين تغيب عنها الرؤية. فحين تنجح الدول الأفريقية في صياغة سياسات استكشاف تُدار بعقل استراتيجي وتُنفذ بشفافية، ستتحول القارة من مخزن خاماتٍ للعالم إلى مركز قرارٍ في اقتصاد المعادن العالمي.