الأحد 15 فبراير 2026
تأتي الانتخابات التي جرت أو المرتقبة في أفريقيا خلال 2025–2026 في لحظة تاريخية مركّبة، تتقاطع فيها التحولات الديموغرافية العميقة مع إعادة تشكّل أنماط الحكم والشرعية في القارة. فبعد عقد اتسم بتصاعد الخطاب الديمقراطي وموجات انتقال سياسي غير مكتملة، دخلت أفريقيا سنوات العشرينات وهي مثقلة بإرث الأزمات الأمنية، والضغوط الاقتصادية العالمية، وتراجع الاهتمام الدولي بقضايا التحول الديمقراطي لصالح أولويات الاستقرار ومكافحة الهجرة والإرهاب. ضمن هذا السياق، لم تعد الانتخابات مجرد آلية دورية لتجديد السلطة، بل أصبحت مرآة تعكس طبيعة العقد الاجتماعي القائم، وحدود المشاركة السياسية، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، خصوصًا في ظل أغلبية سكانية شابة تشعر بتزايد التهميش وانسداد الأفق.
إن قراءة الانتخابات الأفريقية في هذه المرحلة تفرض تجاوز المقاربة الإجرائية التي تكتفي بنسب المشاركة ونتائج الصناديق، نحو تحليل بنيوي يربط بين الديموغرافيا والسياسة، وبين التجارب الانتخابية الراهنة ومساراتها منذ 2020، ففي معظم الدول التي شهدت أو ستشهد انتخابات، يتجاور التوسع العددي في الكتلة الناخبة مع تضييق فعلي للمجال السياسي، وتتقاطع دعوات الشمول والشفافية مع قوانين انتخابية وممارسات ميدانية تعيد إنتاج الهيمنة السياسية ذاتها. كما أن مواقف الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والشركاء الدوليين، تكشف بدورها عن تحوّل في الأولويات من الدفع الصريح نحو التحول الديمقراطي إلى إدارة المخاطر والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
ضمن هذا الإطار، نقدم قراءة تحليلية شاملة للانتخابات التي جرت فعليًا في أفريقيا خلال 2025–2026، وتلك المرتقبة خلال العام نفسه، من خلال الربط بين النتائج ونسب المشاركة، وردود فعل المعارضة، ومواقف الهيئات الإقليمية والدولية، مع مقاربة مقارنة لمسار 2020–2024. الهدف ليس توصيف الوقائع فحسب، بل فهم ما تعنيه هذه الانتخابات لمستقبل السياسة في القارة؛ هل نحن أمام تراجع مرحلي فرضته الأزمات، أم أمام إعادة صياغة طويلة الأمد لمفهوم الديمقراطية والشرعية في أفريقيا؟ هذه الأسئلة تشكّل الخلفية الفكرية التي ينتظم حولها كل ما ورد أعلاه من تحليل وجداول واستنتاجات.
يعكس مسار الانتخابات التي جرت فعليًا في عدد من الدول الأفريقية خلال 2025–2026 تحوّلًا بنيويًا أعمق إذا ما قورن بدورات 2020–2024، وهو تحوّل لا يمكن فهمه بمعزل عن المتغيرات الديموغرافية والسياسية المتراكمة خلال العقد الأخير. دخلت القارة عام 2026 بتركيبة سكانية يغلب عليها الشباب (أكثر من 70٪ دون سن 30 عامًا في معظم الدول محل النقاش) ما يكشف مفارقة واضحة؛ اتساع القاعدة الانتخابية نظريًا مقابل انكماش فعلي في المشاركة السياسية، وتزايد الإحساس بانسداد الأفق الديمقراطي.
ديموغرافيًا، شهدت الفترة 2020–2024 نموًا متسارعًا في أعداد الناخبين المسجلين، مدفوعًا بارتفاع عدد السكان، وتوسع المدن، وزيادة استخدام التقنيات الرقمية في التسجيل. غير أن انتخابات 2025–2026 كشفت أن هذا التوسع الكمي لم يترجم إلى مشاركة فعلية، بل رافقه تراجع ملحوظ في نسب الإقبال، خاصة بين الشباب وسكان المدن الطرفية. هذا التراجع لا يرتبط بالعزوف السياسي التقليدي بقدر ما يعكس فقدان الثقة في جدوى العملية الانتخابية نفسها، بعد تجارب متكررة من إقصاء المعارضة، أو تحوير القوانين الانتخابية، أو غياب التداول الحقيقي للسلطة.
سياسيًا، تمثل انتخابات 2026 تتويجًا لمسار بدأ بعد 2020، حيث أعادت الأنظمة الحاكمة في عدة دول صياغة المجال السياسي تحت عنوان "الاستقرار" و"الأمن"، في مقابل تقليص التنافس. ففي بنين مثلًا، انتقلت البلاد من نموذج يُشاد به ديمقراطيًا في العقد السابق، إلى نظام انتخابي عالي العتبة الإقصائية، ما أدى إلى برلمان بلا معارضة تقريبًا في 2026. وفي أوغندا، استمر النمط نفسه الذي ظهر بوضوح في انتخابات 2021، لكن مع تراجع إضافي في نسبة المشاركة واتساع الفجوة بين الدولة والشباب الحضري. أما في تنزانيا وساحل العاج، فقد اتخذت الانتخابات طابع "الإجماع القسري"، حيث تحققت انتصارات كاسحة للسلطة في سياق مقاطعة أو إضعاف ممنهج للخصوم.
تحظى أديس أبابا بدعم حذر من دول الجوار التي ترى في استقرارها عنصرًا أساسيًا لأمن القرن الأفريقي، بينما يركز المجتمع الدولي على ضمان حد أدنى من الشمول ومنع عودة العنف، أكثر من تركيزه على تنافسية حقيقية
بدا الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، مقارنة بمواقفهما بين 2020 و2024، أكثر حذرًا وأقل اندفاعًا في إصدار بيانات حاسمة. ففي حين كانت تقارير المراقبة في تلك الفترة أكثر تفصيلًا وانتقادًا، اتسمت مواقف 2025–2026 بالعمومية والتركيز على "سير العملية" بدل مضمونها التنافسي، وهو ما فُسر محليًا على أنه تسامح دولي مع تآكل المعايير الديمقراطية، مقابل الحفاظ على الاستقرار الإقليمي في ظل أزمات عالمية متشابكة.
المعارضة، بدورها، انتقلت من استراتيجية المنافسة داخل الصناديق (2020–2022) إلى الجمع بين الطعن القانوني والمقاطعة واللجوء إلى الفضاء الدولي والإعلامي (2025–2026). غير أن هذا التحول لم يُترجم إلى مكاسب ملموسة، بل أسهم أحيانًا في تعميق الفجوة بينها وبين القواعد الشعبية، خصوصًا في البيئات الحضرية الفقيرة التي باتت ترى السياسة الانتخابية كصراع نخبوي مغلق.
النتيجة العامة أن انتخابات 2026 لا تعكس فقط نتائج رقمية، بل تعكس إعادة تعريف غير معلنة للعقد الاجتماعي في عدد من الدول الأفريقية؛ شرعية تقوم على السيطرة المؤسسية والإنجاز الأمني، أكثر من التمثيل السياسي الواسع. هذا التحول يبدو أوضح عند مقارنته رقميًا مع الدورات السابقة، كما يظهر في الجداول التالية.



بهذا المعنى، يمكن القول إن انتخابات 2026 تمثل مرحلة "تثبيت" لمسار بدأ بعد عام 2020، حيث لم تعد الإشكالية الأساسية في نزاهة الفرز فقط، بل في معنى الانتخابات نفسها داخل أنظمة سياسية تعيد تعريف الشرعية على أسس أقل ديمقراطية وأكثر إدارية وأمنية. هذا السياق يفسر في آن واحد انخفاض المشاركة، واحتجاجات المعارضة، وفتور المواقف الدولية، ويجعل من مقارنة 2026 بـ 2020–2024 مقارنة بين لحظة أمل نسبي في التحول الديمقراطي، ولحظة واقعية سياسية أكثر انغلاقًا.
في عام 2026 تدخل مجموعة من الدول الأفريقية استحقاقات انتخابية تُعدّ اختبارًا مباشرًا للمسار السياسي الذي تشكّل خلال الفترة 2020–2024، وهي فترة اتسمت بتراجع موجات الانتقال الديمقراطي، وصعود خطاب الاستقرار والأمن، وتزايد تدخل الدولة في المجال السياسي. الانتخابات المرتقبة هذا العام لا يمكن قراءتها كأحداث منفصلة، بل كجزء من سياق إقليمي أوسع يعكس إعادة تعريف غير معلنة لمفهوم الشرعية والحكم في القارة.
في إثيوبيا، تأتي الانتخابات البرلمانية في ظل دولة خارجة جزئيًا من حرب داخلية مدمرة، مع استمرار توترات إثنية وأمنية في أقاليم عدة. السلطة تقدم الانتخابات بوصفها خطوة نحو “تطبيع” الحياة السياسية بعد الحرب، لكنها تجري في واقع لا تزال فيه المساحات السياسية غير متكافئة، والأحزاب المعارضة في الأقاليم المتأثرة بالنزاع ضعيفة التنظيم أو محدودة الحركة. مقارنة بانتخابات 2021، تبدو انتخابات 2026 أقل صخبًا سياسيًا، لكن ذلك لا يعكس بالضرورة تحسنًا ديمقراطيًا بقدر ما يعكس إرهاقًا اجتماعيًا واسعًا ورغبة في الاستقرار بأي ثمن. إقليميًا، تحظى أديس أبابا بدعم حذر من دول الجوار التي ترى في استقرارها عنصرًا أساسيًا لأمن القرن الأفريقي، بينما يركز المجتمع الدولي على ضمان حد أدنى من الشمول ومنع عودة العنف، أكثر من تركيزه على تنافسية حقيقية.
هذا التراجع لا يرتبط بالعزوف السياسي التقليدي بقدر ما يعكس فقدان الثقة في جدوى العملية الانتخابية نفسها، بعد تجارب متكررة من إقصاء المعارضة، أو تحوير القوانين الانتخابية، أو غياب التداول الحقيقي للسلطة
تمثلزامبيا حالة مختلفة نسبيًا داخل هذا المشهد. فالتجربة الديمقراطية التي تعززت بعد انتخابات 2021 ما زالت تحافظ على قدر من الحيوية، والانتخابات الشاملة المرتقبة في 2026 تُقرأ على أنها استمرارية لمسار تداول السلطة السلمي. إلا أن هذا لا يلغي التحديات، إذ تواجه الحكومة ضغوطًا اقتصادية حادة، وتوقعات اجتماعية مرتفعة، ما يجعل الانتخابات اختبارًا للقدرة على تحويل الشرعية الانتخابية إلى إنجازات ملموسة. إقليميًا ودوليًا، تحظى زامبيا بدعم واضح، وتُقدَّم غالبًا كنموذج إيجابي داخل الجنوب الأفريقي، في مقابل حالات أكثر انغلاقًا.
تتجه الانتخابات الرئاسية في جمهورية الكونغو (الكونغو برازافيل) نحو إعادة إنتاج النظام القائم أكثر مما تتجه نحو تنافس فعلي. السياق السياسي يتسم بسيطرة طويلة الأمد للسلطة التنفيذية، ومعارضة ضعيفة أو مجزأة، ومجال عام محدود. مقارنة بالفترة 2020–2024، لا يظهر تحول نوعي، بل تثبيت لمسار قائم على شرعية الاستمرارية والاستقرار. دول الجوار في وسط أفريقيا تميل إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها شأنًا داخليًا، فيما تكتفي القوى الدولية بدعوات عامة للنزاهة دون ضغط فعلي، ما يعكس قبولًا ضمنيًا بالأمر الواقع.
شهدتغينيا التي شهدت تعديلًا دستوريًا مثيرًا للجدل وانتخابات رئاسية في نهاية 2025، تدخل عام 2026 وهي تعيش ارتدادات سياسية واجتماعية للعملية الانتخابية. موقف السلطة يقوم على تثبيت شرعية ما بعد الانتخابات، بينما ترى المعارضة أن العملية كرّست إقصاءها وأغلقت أفق التداول. مقارنة بمرحلة 2020–2024، التي اتسمت بحراك شعبي واسع وانقلابات سياسية، تبدو غينيا اليوم أكثر هدوءًا ظاهريًا، لكن هذا الهدوء يخفي توترات كامنة قد تنفجر في حال تدهور الأوضاع الاقتصادية أو الأمنية. المواقف الدولية تتسم بالحذر، مع انتقادات حقوقية دون الذهاب إلى سياسات ضغط حقيقية.
إن المخاوف لا تزال قائمة من أن تتحول الانتخابات إلى أداة لإعادة توزيع السلطة داخل النخب المسلحة بدلًا من أن تكون تعبيرًا عن إرادة شعبية حقيقية. الأمم المتحدة ودول الجوار تركز على منع الانزلاق إلى العنف أكثر من تركيزها على معايير الديمقراطية الكاملة
غامبيا تستعد لانتخابات رئاسية تُعدّ استمرارًا لمسار ما بعد إسقاط نظام يحيى جامع. ورغم أن البيئة السياسية أكثر انفتاحًا مقارنة بدول أخرى، فإن التحدي الأساسي يكمن في بناء ثقة طويلة الأمد في المؤسسات، وليس فقط في تنظيم انتخابات دورية. مقارنة بانتخابات 2021، يتراجع الزخم الثوري، ويحل محله نقاش حول الأداء الحكومي والقدرة على الإصلاح. إقليميًا ودوليًا، تُعتبر غامبيا حالة “مراقبة إيجابية”، حيث يُنظر إلى الانتخابات باعتبارها اختبارًا لترسيخ الديمقراطية لا مجرد حدث إجرائي.
تمثل الانتخابات المقررة فى جنوب السودان، حالة استثنائية بكل المقاييس. فهي أول انتخابات وطنية منذ الاستقلال، وتأتي بعد سنوات طويلة من المرحلة الانتقالية والنزاعات المسلحة. هنا، لا يُطرح السؤال الأساسي حول التنافس السياسي بقدر ما يُطرح حول إمكانية إجراء الانتخابات أصلًا في بيئة آمنة وشاملة. مقارنة بسنوات 2020–2024 التي شهدت تأجيلات متكررة، فإن مجرد الوصول إلى موعد انتخابي يُعد إنجازًا سياسيًا بحد ذاته. غير أن المخاوف لا تزال قائمة من أن تتحول الانتخابات إلى أداة لإعادة توزيع السلطة داخل النخب المسلحة بدلًا من أن تكون تعبيرًا عن إرادة شعبية حقيقية. الأمم المتحدة ودول الجوار تركز على منع الانزلاق إلى العنف أكثر من تركيزها على معايير الديمقراطية الكاملة.
في المحصلة، تكشف انتخابات 2026 في هذه الدول عن ثلاثة مسارات متوازية داخل أفريقيا؛ مسار تثبيت الأنظمة القائمة عبر انتخابات منخفضة التنافسية (إثيوبيا، الكونغو، غينيا)، مسار ديمقراطي حذر يحاول الحفاظ على قدر من التعددية (زامبيا، غامبيا)، ومسار انتقالي هش تُستخدم فيه الانتخابات كأداة لإدارة الصراع أكثر من حلّه (جنوب السودان). مقارنة بمرحلة 2020–2024، يتضح أن مركز الثقل انتقل من أسئلة التحول الديمقراطي إلى أسئلة الاستقرار وإدارة الأزمات، وهو ما يجعل انتخابات هذا العام مؤشرًا على اتجاه القارة في النصف الثاني من العقد أكثر مما هي مجرد استحقاقات دورية.
تفضي قراءة مجمل ما ورد في هذا التقرير إلى خلاصة أساسية مفادها أن الانتخابات الأفريقية في 2025–2026 لم تعد تمثل لحظة تنافس سياسي بقدر ما أصبحت أداة لإدارة التوازنات القائمة وإعادة إنتاجها. فبين دول تُجري الانتخابات بوصفها آلية لتثبيت السلطة، وأخرى تحاول الحفاظ على حدّ أدنى من التعددية، وثالثة تستخدمها كوسيلة لتجنّب الانفجار أو تأجيل الصراع، يتراجع المعنى الكلاسيكي للانتخابات كمدخل للتحول الديمقراطي الشامل. هذا التحول لا ينفصل عن السياق الديموغرافي الضاغط، حيث تشكّل الأجيال الشابة أغلبية صامتة، واسعة العدد محدودة التأثير، ولا عن السياق الدولي الذي بات يتعامل مع أفريقيا من زاوية الاستقرار وإدارة المخاطر أكثر من زاوية الإصلاح السياسي.
كما تُظهر المقارنة مع مرحلة 2020–2024 أن ما كان يُقرأ آنذاك بوصفه تعثرًا مؤقتًا لمسارات الانتقال، بات في 2026 أقرب إلى نمط مستقر من الحكم الانتخابي المنخفض التنافسية. فالقوانين الانتخابية، وأنماط ضبط المجال العام، ومواقف الهيئات الإقليمية والدولية، جميعها تشير إلى قبول ضمني بانتخابات “كافية إجرائيًا” حتى وإن كانت فقيرة سياسيًا. وفي المقابل، تبدو المعارضة عاجزة عن تحويل الرفض والطعن إلى بدائل تنظيمية أو اجتماعية قادرة على استعادة ثقة القواعد الشعبية، ما يترك المجال مفتوحًا أمام مزيد من الانكفاء أو الانفجارات غير المتوقعة خارج الأطر الانتخابية.
وعليه، فإن دلالة انتخابات هذا العام لا تكمن فقط في نتائجها، بل في ما تكشفه عن مستقبل السياسة في القارة؛ مستقبل تتراجع فيه رهانات التحول السريع، وتتصاعد فيه أهمية إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس تتجاوز الصندوق الانتخابي وحده، لتشمل العدالة الاقتصادية، والتمثيل الحقيقي، وفتح المجال العام أمام أجيال جديدة من الفاعلين. من دون ذلك، ستظل الانتخابات في أفريقيا حدثًا دوريًا بلا أثر تحويلي، ومؤشرًا على إدارة الأزمة أكثر من كونها أفقًا للخروج منها.