تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 14 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الدستور على مشنقة التاريخ: قراءة للفترة الانتقالية في السودان!

1 يوليو, 2026
الصورة
الدستور على مشنقة التاريخ: قراءة للفترة الانتقالية في السودان!
Share

تثير تجربة السودان خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2026 تساؤلات حول مدى كفاية الأطر النظرية التقليدية المستخدمة في تفسير المراحل الانتقالية. فعلى الرغم من أن أدبيات الانتقال الديمقراطي قدمت أدوات تفسيرية مهمة لفهم العلاقة بين الفاعلين المدنيين والعسكريين، إلا أن الحالة السودانية تبدو، في بعض جوانبها، أكثر تعقيداً من أن تُفسر حصراً ضمن هذا الإطار. ومن ثم، قد يكون من المفيد النظر إلى الأزمة السودانية بوصفها أزمة تتعلق ببناء الدولة والسيادة، وليس فقط بآليات الانتقال السياسي.

لم تكن الأزمة التي عاشها السودان منذ سقوط عمر البشير مجرد أزمة مرتبطة بالانتقال إلى الديمقراطية، بقدر ما كانت أزمة عميقة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها وقدرتها على ممارسة سيادتها. فقد تمثل جوهر المشكلة في التراجع المتواصل لدور مؤسسات الدولة، وضعف قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، إلى جانب غياب رؤية سياسية واستراتيجية واضحة لإعادة بناء مركز وطني قادر على احتكار أدوات القوة المشروعة وضمان استقرار النظام الدستوري واستمراريته.

ومع مرور الوقت، تحولت مؤسسات المرحلة الانتقالية من كونها أدوات لإعادة تأسيس الدولة وبناء توافق سياسي جديد إلى ساحات للصراع والتنافس بين مراكز قوى متعددة، وهو ما أدى إلى إضعاف المرجعية السياسية والقانونية التي كان من المفترض أن تشكل الأساس الذي تقوم عليه المرحلة الانتقالية ومسارها.

الانتقال المتعثر

تشكلت الفترة الانتقالية في السودان عام 2019 على أساس الوثيقة الدستورية التي وُقّعت بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، باعتبارها الإطار الذي ينظم المرحلة التي أعقبت سقوط النظام. لكن هذه الوثيقة حملت منذ بدايتها مجموعة من التناقضات والاختلالات البنيوية التي مثّلت إشكالات هيكلية مست أساس الشرعية الدستورية نفسها، وأسهمت تدريجياً في انتقال مركز الفعل السياسي من المؤسسات والقواعد القانونية إلى موازين القوى والشرعيات التي تفرضها الوقائع على الأرض. تشكلت

ومن أبرز هذه الإشكالات ما يتعلق بآلية تعديل الوثيقة الدستورية في ظل غياب المجلس التشريعي الانتقالي. فقد منحت الوثيقة الاجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء سلطات تشريعية واستثنائية مؤقتة، على أن تقتصر هذه الصلاحيات على الأشهر الثلاثة الأولى من الفترة الانتقالية، باعتبارها ترتيبات انتقالية إلى حين تشكيل السلطة التشريعية المختصة.

إلا أن هذا الترتيب لم يُنفذ كما نصت عليه الوثيقة. فقد انتهت المدة المحددة دون تشكيل المجلس التشريعي، ومع ذلك استمرت مؤسسات الفترة الانتقالية في ممارسة سلطات التشريع والتعديل الدستوري لسنوات، وهو ما أوجد إشكالاً دستورياً عميقاً تمثل في استمرار مؤسسات مؤقتة في استخدام صلاحيات استثنائية بعد انتهاء الأساس القانوني الذي منحها تلك الصلاحيات.

وأدى ذلك تدريجياً إلى تغيير طبيعة الوثيقة الدستورية نفسها فقد رُسم لها أن تظل المرجعية العليا المنظمة للعلاقة بين مؤسسات الدولة والسلطات المختلفة، لكنها خضعت لتعديلات متكررة فرضتها التحولات السياسية وتوازنات القوى المتغيرة. لذلك أول ما كان من اعتراض وجيه قد قدم لها هي أن الوثيقة فقدت جانباً مهماً من استقرارها وطابعها التأسيسي، وأصبحت أقرب إلى اتفاق سياسي قابل لإعادة التفاوض والتعديل المستمر، أكثر من كونها دستوراً انتقالياً يحكم العملية السياسية ويضبط مساراتها.

ومع تآكل الزخم الثوري الذي منحها شرعيتها الأولى، بدأت الفجوة تتسع بين المشروعية الدستورية المفترضة والواقع السياسي الذي تحكمه اعتبارات القوة والتوافقات المؤقتة.

تجلت الأزمة بصورة أكثر وضوحاً في ملف المحكمة الدستورية، التي تمثل في النظم الدستورية الحديثة الضامن النهائي لسمو الدستور وحماية التوازن بين السلطات. ربطت الوثيقة الدستورية تشكيل المحكمة بترشيحات صادرة عن مجلس القضاء العالي، غير أن هذا المجلس نفسه لم يقم في المواعيد المحددة، انعكس ذلك على تعطيل إنشاء المحكمة الدستورية بالكامل.

دخل السودان المرحلة الانتقالية دون وجود الهيئة المختصة بمراقبة دستورية القوانين والقرارات السيادية، ودون وجود مؤسسة قادرة على الفصل في النزاعات الدستورية أو وضع حدود قانونية لتغول السلطة التنفيذية.

أفضى هذا المسار إلى إعادة تعريف مفهوم الشرعية ذاته، بحيث لم يعد مستندا إلى الدستور كمصدر أعلى، وإنما إلى توازنات القوة الفعلية بين الفاعلين العسكريين والسياسيين

لم يكن غياب المحكمة الدستورية مجرد خلل إجرائي معزول، ويمكنني أن اعتبره أنه مثّل جزءا من حالة أوسع يمكن وصفها بتعليق النظام الدستوري على شروط لم تتحقق قط. فالمجلس التشريعي لم يُنشأ، والمحكمة الدستورية لم تر النور، وعدد من المؤسسات الرقابية المنصوص عليها في الوثيقة ظل معلقاً لسنوات.

في ظل هذا الفراغ المؤسسي أصبحت السلطة التنفيذية تتحرك في مساحة شبه خالية من أدوات الرقابة والمساءلة، بينما فقد النظام الدستوري قدرته على حماية نفسه من التأويلات السياسية المتضاربة ومن التوسع المستمر في السلطات الاستثنائية التي كانت الأساس لكل العطب الدستوري الذي مكن أن نصفه أو حدث فيما بعد.

تطورت الاختلالات لتصل إلى جوهر مفهوم السيادة ذاته. يمكن ملاحظته من تكريس الوثيقة الدستورية وضعاً استثنائياً تمثل في الاعتراف الصريح بقوات الدعم السريع كقوة نظامية مستقلة إلى جانب القوات المسلحة. ومن منظور بناء الدولة الحديثة، فإن هذا الترتيب مثّل تقنيناً دستورياً لازدواجية القوة المسلحة داخل الدولة الواحدة. إذ جرى منح مؤسسة عسكرية موازية شرعية قانونية مع احتفاظها ببنيتها القيادية المستقلة ومواردها الاقتصادية الخاصة وشبكاتها التنظيمية المنفصلة عن التسلسل العسكري التقليدي.

تكمن خطورة هذا الترتيب في أنه مس أحد أهم المبادئ المؤسسة للدولة الحديثة، وهو احتكار السلطة المركزية لأدوات العنف المشروع. فحين تصبح القوة المسلحة موزعة بين مؤسسات مستقلة تتقاسم الشرعية القانونية والموارد والقدرة القتالية، تنتقل الدولة من نموذج السيادة الموحدة إلى نموذج التوازن القلق بين مراكز القوة. وأظهر مسار الأحداث اللاحق أن هذه الازدواجية لم تكن حالة انتقالية عابرة، وإنما تحولت إلى أحد العوامل البنيوية التي ساهمت في تفجير الصراع العسكري الشامل.

الاختلالات الدستورية تزامنت مع مسار اقتصادي اتسم بدرجة عالية من الضغوط الخارجية. ففي مراحل السعي للحصول على إعفاءات الديون والاندماج مجدداً في النظام المالي الدولي، تبنت الحكومة الانتقالية التي كانت بقيادة " عبد الله حمدوك "حزمة واسعة من الإصلاحات الاقتصادية المرتبطة بشروط المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وذلك في سياق مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون. وقد استندت هذه السياسات إلى افتراض ضمني مفاده أن الإصلاح الاقتصادي يمكن أن يسبق استكمال بناء المؤسسات السياسية والسيادية للدولة.

أظهرت التجربة السودانية عجز هذه الحجة، فالإصلاحات الاقتصادية الجذرية تحتاج إلى دولة مستقرة تمتلك شرعية سياسية ومؤسسات قادرة على إدارة كلف التحول وتوزيع أعبائه بصورة متوازنة. وهو ما لا يتحقق بالنظر الى طبيعة الحالة السودانية التي طبقت فيها حكومة حمدوك هذه السياسات في ظل نظام دستوري هش ومؤسسات انتقالية متنازع على شرعيتها وبنية أمنية منقسمة.

تحولت الإجراءات الاقتصادية إلى مصدر إضافي للضغط الاجتماعي، وأدت إلى اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع وإضعاف الحاضنة الشعبية للمرحلة الانتقالية، التي كانت تستند على مبدأ الشراكة الذي شكلته من خلال إعطاء الدعم السريع الشرعية الدستورية.

تداخلت الأزمة الدستورية مع الأزمة الاقتصادية في مسار واحد. ضعف المؤسسات حال دون إدارة الإصلاحات بكفاءة، بينما أسهمت التداعيات الاجتماعية للإصلاحات في تقويض ما تبقى من شرعية النظام الانتقالي. ومع غياب مركز سيادي قادر على فرض الاستقرار السياسي والأمني، أصبحت الدولة أكثر هشاشة أمام الصدمات المتتالية، إلى أن وصلت التناقضات المتراكمة إلى لحظة الانفجار العسكري التي كشفت حجم الخلل البنيوي الذي كان يتشكل منذ السنوات الأولى للفترة الانتقالية.

تصفير الفترات ونظام "المسارات"

شكّل توقيع اتفاق جوبا لسلام السودان في الثالث من أكتوبر 2020 نقطة انعطاف حاسمة في مسار البنية الدستورية الانتقالية، فالاتفاق لم يُعامل بوصفه اتفاقاً مكملاً ضمن الإطار الدستوري القائم، وإنما جرى إدماجه تدريجياً ليغدو مرجعية تعلو على الوثيقة الدستورية نفسها في حال التعارض، وهو ما أفضى إلى إعادة ترتيب هرمية الشرعية القانونية داخل المرحلة الانتقالية بصورة غير مسبوقة.

مثّل التعديل الذي طال المادة (7) من الوثيقة الدستورية بعد إدماج اتفاق جوبا تجسيداً واضحاً لنمط من "التكيف المؤسسي المؤقت" الذي جاء على حساب استقرار البنية الدستورية للدولة. فمن خلال هذا التركيب أُعيد احتساب الفترة الانتقالية البالغة تسعة وثلاثين شهراً لتبدأ من جديد اعتباراً من تاريخ توقيع الاتفاق، في ممارسة يمكن توصيفها بـ"إعادة ضبط الزمن الانتقالي"، بما سمح عملياً بتمديد عمر السلطة الانتقالية دون تفويض انتخابي جديد، وإعادة إنتاج شرعية الأمر الواقع عبر أدوات قانونية شكلية.

التعديل الذي مسّ المادة (20) إلى إعادة هندسة قواعد المشاركة السياسية داخل الدولة الانتقالية. بعد أن كانت هذه المادة تنص على منع شاغلي المناصب الدستورية خلال الفترة الانتقالية من الترشح في الانتخابات العامة المقبلة، جرى استثناء قادة الحركات المسلحة من هذا القيد، بما أفضى إلى دمجهم في البنية التنفيذية للدولة بوصفهم فاعلين سياسيين داخل السلطة نفسها، وليس أطرافاً موقعة على تسوية خارجها.

في ظل هذا الفراغ المؤسسي أصبحت السلطة التنفيذية تتحرك في مساحة شبه خالية من أدوات الرقابة والمساءلة، بينما فقد النظام الدستوري قدرته على حماية نفسه من التأويلات السياسية المتضاربة

ترتب تحول المؤسسات التنفيذية والإدارية إلى فضاءات لإعادة إنتاج النفوذ السياسي عبر آليات ريعية، تستند إلى توظيف الموارد العامة في بناء قواعد دعم فئوية مرتبطة بمراكز القوة المسلحة. وليس هذا وحسب فقد تبنى اتفاق جوبا مقاربة تقوم على تقسيم المجال السياسي والإداري للسودان إلى "مسارات جغرافية" متعددة، صيغت ظاهرياً كآلية لمعالجة اختلالات التنمية وتوزيع السلطة والثروة.

هذا النموذج، رغم تبريراته التنموية، أدى عملياً إلى إعادة إنتاج الانتماءات الجهوية والقبلية على حساب مفهوم المواطنة القومية الجامعة، جرى تفكيك المجال الوطني إلى وحدات تمثيلية متجاورة لكنها غير مندمجة سياسياً.

انعكس هذا التفكيك في سلسلة من التوترات القبلية والاجتماعية التي شهدتها مناطق مختلفة من البلاد، لا سيما في الشرق والوسط والشمال، حيث برز شعور متزايد لدى مكونات محلية بعدم التمثيل المتكافئ، في ظل صعود كيانات اجتماعية وسياسية مرتبطة بالمسارات التفاوضية، لكنها لا تعكس بالضرورة التوازنات الاجتماعية والديمغرافية القائمة. وهو ما يجعلني أقول بأن الاتفاق ساهم في إعادة تشكيل الصراع الاجتماعي من مستوى تنموي إلى مستوى تنازع هوياتي.

أسهم الاتفاق في إعادة هيكلة جهاز الدولة الإداري عبر إدخال منطق المحاصصة النسبية في مؤسسات الخدمة المدنية والقضاء والتمثيل الخارجي، بما في ذلك تخصيص نسب محددة لبعض المكونات السياسية، وهو ما أدى إلى إضعاف معايير الجدارة والكفاءة لصالح منطق التوزيع السياسي للوظائف. وقد أسفر هذا التحول عن تراجع تدريجي في استقلالية الجهاز البيروقراطي للدولة، وتحوله إلى امتداد لتوازنات القوى السياسية والعسكرية بدل أن يكون جهازاً محايداً لإدارة الشأن العام.

الإشكال الأكثر عمقاً في اتفاق جوبا تجلّى في معالجة ملف الترتيبات الأمنية. فبدلاً من أن يشكل هذا الملف مدخلاً لإعادة توحيد القوة المسلحة داخل الدولة، جرى التعامل معه كعملية سياسية جزئية أُجلت فيها قضايا الدمج والتسريح لصالح ترتيبات مرحلية أبقت على التعدد الفعلي للقوى المسلحة.

أدى ذلك إلى ترسيخ حالة من "السيولة الأمنية"، حيث استمرت التشكيلات العسكرية المتعددة في الاحتفاظ بقدراتها التنظيمية والقتالية خارج إطار الجيش النظامي، ما أضعف مبدأ احتكار الدولة للعنف المشروع وخلق بيئة مهيأة للتصعيد العسكري الشامل.

لا يمكن فهم مسار الحرب اللاحقة بمعزل عن التحولات البنيوية في بنية القوة التي سبقت اندلاعها. إذ إن ما جرى تحول من مجرد تدهور تدريجي في علاقة الشركاء داخل المرحلة الانتقالية، وتحول حسب وجهة نظري إلى مسار طويل من إعادة توزيع السلطة المادية خارج إطار الدولة الموحدة. وقد أفضى هذا المسار إلى إعادة تعريف مفهوم الشرعية ذاته، بحيث لم يعد مستنداً إلى الدستور كمصدر أعلى، وإنما إلى توازنات القوة الفعلية بين الفاعلين العسكريين والسياسيين.

لا يمكن قراءة سلوك القيادات العسكرية خارج سياق هذا التفكك البنيوي في مفهوم الدولة. فالصراع ما عاد يدور حول السلطة السياسية بمعناها التقليدي، ويمكن ان نتابع تكشف جذوره ليصبح حول طبيعة الدولة نفسها وحدود مركزها السيادي. تداخلت في هذا السياق اعتبارات البقاء السياسي مع الحسابات الاقتصادية وشبكات النفوذ العسكري، بما جعل من الصعب فصل الفعل السياسي عن البنية المادية للقوة.

أفضت هذه التحولات المتراكمة إلى تفكك تدريجي في البنية الدستورية الانتقالية، وإلى إعادة إنتاج الدولة في صورة كيان متعدد مراكز القوة، تتنازع فيه الشرعيات بين النصوص القانونية وموازين القوة الفعلية. وهو ما جعل من اتفاق جوبا، بدلاً من أن يكون خطوة نحو توحيد مسار الانتقال، أحد العوامل التي ساهمت في تعميق الطابع البنيوي للأزمة، وتهيئة الشروط الموضوعية لانفجارها في شكل صراع شامل أعاد تعريف حدود الدولة ووظائفها الأساسية.

التعقيد الدولي واستغلال المنافذ

إن فهم التحول الذي اكتسبه البعد الإقليمي والدولي في دعم مشروع محمد حمدان دقلو يتطلب تجاوز التفسير التقليدي الذي يختزله في إطار الدعم المالي أو التحالفات السياسية الظرفية، نحو مقاربة أعمق تكشف عن بنية وظيفية معقدة أعادت تشكيل موقع الفاعل العسكري داخل معادلة السيادة السودانية.

انتقل هذا الانخراط الخارجي من مستوى التفاعل غير المباشر إلى مستوى إعادة إنتاج موازين القوة الداخلية، بما سمح بإعادة صياغة بعض عناصر المشهد الدستوري والسيادي من خارج مؤسسات الدولة الرسمية.

تحرك هذا المسار عبر ثلاثة مرتكزات رئيسية شكّلت في مجموعها قاعدة النفوذ الخارجي. تمثل المرتكز الأول في الاستفادة من الاستقلالية الجيوسياسية التي وفرتها الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الذهب، بما أتاح بناء قدرة مالية منفصلة عن منظومة الدولة المركزية.

المرتكز الثاني تمثل في توظيف شبكات القتال العابرة للحدود، والتي أتاحت تحويل الامتدادات الجغرافية الهشة في محيط السودان إلى فضاءات دعم بشري ولوجستي تتجاوز حدود السيادة التقليدية. في حين تجلى المرتكز الثالث في استثمار القصور البنيوي في المقاربات الدبلوماسية الدولية، التي تعاملت مع الأزمة السودانية بمنطق إدارة الصراع لا بمنطق إعادة تأسيس الدولة، الأمر الذي أضعف إدراك مركزية مفهوم السيادة بوصفه إطاراً حاكماً لأي تسوية سياسية.

في قلب هذا التحول برز تأسيس ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد سيادي موازٍ"، يعمل خارج القنوات المالية الرسمية للدولة، ويتجاوز منظومة وزارة المالية والبنك المركزي. فقد استند هذا الاقتصاد إلى السيطرة المباشرة على مناطق إنتاج الذهب في دارفور ومناطق أخرى، وإلى إعادة توجيه مسارات تصديره عبر شبكات غير رسمية نحو أسواق إقليمية وفرت له غطاءً مالياً وسياسياً ضمنياً. فتحول هذا الاقتصاد مجرد مصدر تمويل تقليدي، إلى بنية مالية مستقلة أعادت تعريف العلاقة بين القوة المسلحة والموارد السيادية للدولة.

أتاح هذا التفوق المالي إعادة توظيف العائدات في بناء قدرة عسكرية متقدمة، شملت تطوير منظومات التسليح، وتعزيز القدرات التقنية في مجالات الاتصال والتشويش والطائرات المسيّرة، إلى جانب توفير حوافز مالية تفوق ما يتقاضاه عناصر الجيش النظامي، الأمر الذي أسهم في إعادة تشكيل توازنات الولاء داخل المجال العسكري. وبهذا المعنى أصبح آلية لإعادة توزيع القوة داخل الدولة نفسها، بما منح هذا الكيان العسكري قدرة فعلية على التأثير في القرار السيادي، وصولاً إلى خلق نوع من "الفيتو الواقعي" على محاولات إخضاعه للمساءلة المؤسسية.

جرى توسيع نطاق الحضور الخارجي عبر بناء علاقات أمنية وعسكرية ممتدة مع بيئات إقليمية شديدة الهشاشة، شملت تشاد والنيجر وإفريقيا الوسطى وليبيا، حيث استُثمرت هذه الفضاءات بوصفها مناطق وسيطة لإعادة تدوير القوة البشرية والعسكرية.

جرى تقديم هذا التمدد في كثير من الأحيان ضمن أطر خطابية مرتبطة بمكافحة الهجرة غير النظامية أو تقديم خدمات أمنية في نزاعات إقليمية، إلا أن جوهره تمثل في بناء شبكة علاقات أمنية تتجاوز قنوات الدولة الرسمية، وتتم بمعزل عن المؤسسات السيادية التقليدية مثل وزارة الخارجية أو القيادة العامة للجيش.

أدى هذا التدويل التدريجي للوظيفة العسكرية إلى إعادة تشكيل طبيعة هذا الفاعل المسلح، بحيث لتحول من مجرد قوة محلية داخل حدود الدولة، إلى كيان عسكري ذي امتدادات إقليمية، يرتبط بشبكات مصالح متداخلة تجعل من استمراره جزءاً من حسابات أطراف متعددة خارج السودان.

ومن ثم نتج عنه ترسيخ موقع وظيفي جديد يقوم على تداخل الاعتبارات الأمنية والاقتصادية الإقليمية مع البنية الداخلية للصراع، بما أضعف إمكانية التعامل مع هذا الفاعل بوصفه طرفاً داخلياً خالصاً يمكن احتواؤه ضمن تسوية وطنية تقليدية.

كما أسهم هذا الامتداد الخارجي في إنشاء مسارات مستمرة لتدفق الموارد البشرية واللوجستية، عبر استثمار الامتدادات الاجتماعية والقبلية في إقليم الساحل والقرن الإفريقي، وهو ما أدى إلى توسيع قاعدة التجنيد خارج الإطار الوطني الضيق، وتحويل المجال الجغرافي الممتد من غرب السودان إلى عمق الساحل الإفريقي إلى خزان بشري وعسكري قابل لإعادة التعبئة. ونتيجة لذلك أصبحت أي محاولة لإعادة ضبط المنظومة الأمنية داخل إطار الدولة تواجه واقعاً مركباً، يتمثل في أن الفاعل العسكري أصبح جزءاً من شبكة إقليمية متعددة المستويات تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية.

انتقل التحدي ليصبح داخل تعريف مفهوم السيادة ذاته في سياق تتداخل فيه الحدود بين الداخلي والخارجي، وبين الدولة والفاعل شبه الدولتي، وبين الاقتصاد الرسمي والاقتصادات الموازية العابرة للحدود.

النخبة وإدمان الفشل

إن أحد أكثر الجوانب التي أُسيء فهمها في تحليل الأزمة السودانية يتمثل في إعتقادي بأن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 كانت نتيجة مباشرة لخلاف إجرائي حول الجدول الزمني لدمج قوات الدعم السريع داخل القوات المسلحة. هذه القراءة تختزل أزمة بنيوية عميقة في مسألة فنية مرتبطة بإصلاح القطاع الأمني، بينما يكشف التسلسل الفعلي للأحداث أن الخلاف حول الدمج لم يكن سوى المرحلة الأخيرة من صراع طويل حول طبيعة الدولة نفسها.

كانت مسألة الدمج تعني عملياً الإجابة عن سؤال أكثر جوهرية: من هو صاحب السيادة الحقيقية داخل السودان؟ هل هي الدولة بمؤسساتها الدستورية والعسكرية الموحدة، أم منظومة هجينة تتقاسم فيها مراكز القوة المسلحة حق اتخاذ القرار السيادي؟

أدى التدويل التدريجي للوظيفة العسكرية إلى إعادة تشكيل طبيعة هذا الفاعل المسلح، بحيث لتحول من مجرد قوة محلية داخل حدود الدولة، إلى كيان عسكري ذي امتدادات إقليمية

تراكمت عناصر هذا التناقض منذ سنوات الانتقال الأولى. ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تحاول استعادة بعض وظائفها الأساسية، كانت مراكز القوة الموازية تعمل على تعزيز استقلالها المالي والعسكري والإداري. وبدلاً من أن تتحول الفترة الانتقالية إلى مسار لإعادة بناء مؤسسات الدولة، تحولت تدريجياً إلى ساحة مفتوحة للتنافس بين مشاريع متعارضة؛ مشروع يسعى نظرياً إلى إعادة تأسيس المركز السيادي، ومشروع آخر يسعى إلى إعادة توزيع السيادة نفسها بين شبكات القوة المسلحة والاقتصادية. وعندما وصل الطرفان إلى لحظة الحسم، لم يعد ممكناً التوفيق بين الرؤيتين داخل إطار سياسي واحد، لأن جوهر النزاع لم يكن متعلقاً بالأشخاص وإنما بطبيعة السلطة وحدودها ومصدر شرعيتها.

يزداد تعقيد المشهد عند النظر إلى طبيعة النخبة السياسية التي تولت إدارة الانتقال. فقد أظهرت التجربة أن غالبية الفاعلين المدنيين تعاملوا مع الدولة بوصفها غنيمة انتقالية أكثر من كونها مشروعاً تاريخياً لإعادة التأسيس. انشغلت القوى السياسية بمعارك الشرعية التمثيلية، وتقاسم المناصب، والصراعات الأيديولوجية القديمة، في وقت كانت فيه الدولة نفسها تفقد قدرتها على ممارسة وظائفها الأساسية.

هنا في رأي برز تناقض جوهري بين منطق الثورة ومنطق الدولة؛ فالثورة بطبيعتها تسعى إلى تفكيك البنى القديمة وإعادة توزيع السلطة، بينما تحتاج الدولة في لحظات الانتقال الخطرة إلى إعادة إنتاج السلطة المركزية بصورة مؤقتة لحماية النظام العام وضمان استمرارية المؤسسات.

هذا التناقض قاد إلى ظاهرة يمكن وصفها بـ"فراغ المركز". فبينما كانت المؤسسات السيادية التقليدية تتعرض لحملات مستمرة من نزع الشرعية، لم تنجح القوى السياسية في بناء بدائل مؤسسية قادرة على ممارسة الوظائف ذاتها. وبدلاً من انتقال السلطة من مؤسسات قديمة إلى مؤسسات جديدة، حدث انتقال للنفوذ من مؤسسات الدولة إلى شبكات غير رسمية تضم جماعات مسلحة وقيادات أهلية ومنظمات ضغط ومراكز تمويل خارجية. ومع مرور الوقت أصبحت السلطة الفعلية موزعة بين هذه الكتل المختلفة، بينما احتفظت المؤسسات الرسمية بالشكل القانوني فقط.

ويكشف هذا المسار عن خلل أعمق يتعلق بفهم مفهوم الانتقال نفسه. فالنظريات الكلاسيكية للانتقال الديمقراطي تفترض وجود دولة مستقرة نسبياً يجري التنافس داخلها على شكل النظام السياسي. أما الحالة السودانية فكانت مختلفة جذرياً، لأن الانتقال بدأ في وقت كانت فيه الدولة تعاني أصلاً من أزمة بنيوية في احتكار القوة، وضعف السيطرة على الأطراف، وتآكل القدرات الاقتصادية والإدارية.

لذلك أصبح النقاش حول الديمقراطية سابقاً زمنياً للنقاش حول بقاء الدولة نفسها. ومن هنا نشأ الخلل الاستراتيجي الذي جعل النخب السياسية تتعامل مع أعراض الأزمة بينما كانت أسبابها العميقة تتفاقم في الخلفية.

كما أن الحرب كشفت عن هشاشة فكرة "الشراكة الانتقالية" التي بُنيت عليها المرحلة بأكملها. فالشراكات السياسية تنجح عندما تكون الأطراف المختلفة خاضعة جميعها لمرجعية قانونية أعلى منها. أما في السودان فقد كانت الأطراف نفسها تمتلك أدوات القوة العسكرية والاقتصادية التي تسمح لها بتجاوز المرجعية القانونية متى ما تعارضت مع مصالحها.

تحولت الوثائق والاتفاقات حينها إلى أدوات تفاوضية مؤقتة وليست قواعد ملزمة للجميع. ومع كل أزمة جديدة كانت الشرعية تنتقل من النصوص إلى موازين القوى، ومن المؤسسات إلى السلاح، ومن القانون إلى الوقائع الميدانية.

لقد أدى هذا المسار في نهايته إلى إعادة إنتاج واحدة من أقدم المعضلات في التاريخ السياسي للدول الهشة: انهيار العلاقة بين السلطة والسيادة. فالسلطة أصبحت موزعة بين فاعلين متعددين، بينما لم تعد السيادة محتكرة من قبل مؤسسة واحدة قادرة على فرض قراراتها على كامل الإقليم الوطني. وعندما تصل الدول إلى هذه المرحلة يصبح خطر التفكك أعلى بكثير من خطر الاستبداد التقليدي، لأن الصراع لا يعود يدور حول من يحكم الدولة، وإنما حول من يمتلك حق تعريف الدولة نفسها.

ومن هنا يمكن فهم الحرب الحالية باعتبارها لحظة انفجار للتناقضات التي تراكمت منذ عام 2019 أكثر من كونها حدثاً منفصلاً أو نتيجة مباشرة لأزمة سياسية عابرة. فكل الثغرات الدستورية، وكل التسويات المؤقتة، وكل سياسات المحاصصة، وكل التأجيلات المتكررة للقضايا الجوهرية المتعلقة بالسيادة والجيش والاقتصاد، تراكمت لتنتج واقعاً أصبح فيه الصدام الشامل أكثر احتمالاً من التسوية المستدامة.

وما نشهده اليوم ليس فقط انهيار ترتيبات انتقالية فاشلة، وإنما أزمة تأسيس دولة لم يُحسم سؤالها المركزي منذ البداية: هل السودان دولة مواطنة تحتكر مؤسساتها السيادة والعنف المشروع، أم فضاء سياسي مفتوح تتنافس داخله الجماعات المسلحة والهويات الجزئية على اقتسام السلطة والثروة والنفوذ؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مآلات الحرب الحالية، وإنما شكل السودان الذي سيخرج من تحت أنقاضها، إن خرج أصلاً بوصفه دولة موحدة وقادرة على الاستمرار.