الأحد 8 فبراير 2026
أطلقت الضربات الجوية الأميركية التي استهدفت مواقع يُشتبه بارتباطها بتنظيم «الدولة الإسلامية» في شمال غرب نيجيريا موجة جدل داخل البلاد، بين من يرى فيها دعماً حاسماً لجيش يعاني فرط الاستنزاف، ومن يحذّر من أنها قد تُحوّل التدخل الخارجي إلى مادة دعائية تُغذي سردية «العدوان الصليبي» وتزيد من تعقيد مشهد العنف المسلح.
وأعلنت الحكومة النيجيرية أن الغارات التي نُفذت في ولاية سوكوتو أصابت موقعين داخل غابة باوني، في عملية قالت إنها جاءت بعد جمع معلومات استخبارية وتخطيط واستطلاع مكثف، واستهدفت عناصر أجنبية مرتبطة بالتنظيم كانت تسعى للتسلل من ممر الساحل والتعاون مع شبكات محلية لتنفيذ هجمات كبيرة داخل نيجيريا. وأضافت أن العملية استخدمت 16 ذخيرة دقيقة التوجيه عبر طائرات مسيّرة من طراز MQ-9 Reaper، مؤكدة عدم تسجيل خسائر مدنية، رغم سقوط شظايا ومخلفات في بلدات قريبة.
في المقابل، نقلت تقارير عن مسؤول دفاعي أميركي أن العملية—وفق رواية أخرى—اعتمدت أيضاً على صواريخ «توماهوك» أُطلقت من سفينة حربية في خليج غينيا، ما يعكس تباينات في التفاصيل الفنية المتداولة عن الضربة، وإن اتفقت الروايات على أنها نُفذت ضمن تنسيق أمني مع أبوجا.
وزادت حساسية العملية بعدما قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضربة في خطاب سياسي يربطها بحماية المسيحيين، وهو توصيف رفضته السلطات النيجيرية مراراً، مؤكدة أن العنف يضرب مجتمعات مسلمة ومسيحية على السواء، وأن الشراكة مع واشنطن «مكافحة للإرهاب» لا تدخلٌ على أساس ديني.
تتركز الأنظار على جماعة محلية تُعرف باسم «لاكروا» (وتُربط لدى محللين بفرع ولاية الساحل التابع لتنظيم الدولة الإسلامية)، وهي جماعة تقول دراسات وتقارير إنها تمددت في مناطق حدودية نائية، مستفيدة من هشاشة حضور الدولة واتساع الأحزمة الفقيرة. وتشير مقاربات بحثية إلى أن الجماعة بدأت—في بعض المناطق—كقوة محلية لمواجهة عصابات، ثم تحولت تدريجياً إلى حركة مسلحة تفرض قواعدها بالقوة على قرى ريفية وتستهدف سكاناً وقوات أمن، ما جعلها محوراً للتصعيد الأخير.
وترى تحليلات أمنية أن الضربات قد تمنح القوات النيجيرية دفعة مهمة في مسرح باتت فيه الجماعات المسلحة أكثر قدرة على الحركة والاختباء داخل أحراش مترابطة جغرافياً عبر ولايات عدة، بما يصعب “حسمه” بالعمل العسكري وحده.
ورغم الترحيب الشعبي النسبي بأي خطوة تُضعف الجماعات المتشددة، يحذّر مراقبون من أن اللغة السياسية المصاحبة للضربة قد تكون كلفتها أعلى من نتائجها العسكرية، لأنها تمنح خصوم الدولة مادة جاهزة للتجنيد والتعبئة: “قوة أجنبية جاءت لتخوض حرباً بالوكالة”. وفي مقاربة منشورة لخبير أمنّي، فإن توصيف الضربات كحماية لمكوّن ديني بعينه قد يعمّق الانقسام المجتمعي ويغذي دعايات المتشددين عن «اعتداء خارجي».
وتعززت المخاوف الأمنية بعد تداول مقاطع تُظهر مدنيين يجمعون بقايا ومخلفات من مواقع القصف. وأصدر الجيش النيجيري تحذيراً من العبث بذخائر غير منفجرة، مؤكداً أن التعامل معها محصور بفرق متخصصة تفادياً لانفجارات قاتلة.
حتى لو حققت العملية أثراً تكتيكياً سريعاً، يبقى السؤال—وفق تقديرات خبراء—حول القدرة على تحويله إلى مكسب مستدام، في ظل جذور أعمق للأزمة: ضعف الدولة في الأطراف، الاقتصاد غير الرسمي، الفقر، وسهولة تجنيد الشباب في مناطق تعاني انعدام الخدمات. وفي هذا السياق، تُجمع قراءات أمنية على أن "الضربة وحدها" لا تُنهي التهديد ما لم تتبعها استراتيجية طويلة النفس تجمع بين الأمن والتنمية والحكم المحلي وإصلاح المؤسسات.