تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 19 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

«الدعم السريع» تختبر سماء الخرطوم مجدداً: تصعيد جوي يعكس سباقا نحو التفوق التكنولوجي

6 مايو, 2026
الصورة
«الدعم السريع» تختبر سماء الخرطوم مجدداً: تصعيد جوي يعكس سباقا نحو التفوق التكنولوجي
Share

في تصعيد لافت يعكس تحولات عميقة في طبيعة المواجهة العسكرية في السودان، تعرّضت الأجزاء الشرقية من مطار الخرطوم الدولي يوم الإثنين الخامس من مايو/ أيار لقصف بثلاث قذائف صاروخية أطلقتها طائرة مسيّرة وُصفت بالاستراتيجية، ما أدى إلى إخلاء المطار فوراً وتعليق الحركة في الطرق المؤدية إليه كإجراء احترازي.

تزامن الهجوم مع سماع دوي انفجارات عنيفة وتصاعد أعمدة الدخان في حي الصفا شرقي المطار، بينما دوّت أصوات المضادات الأرضية في أحياء أركويت وبُرِّي والرياض شرقي العاصمة، في مشهد يعكس اتساع رقعة الاشتباك الجوي داخل المجال الحضري.

رغم عدم تسجيل خسائر بشرية، فإن هذه الضربة تُعد الأولى التي تستهدف المطار المدني الدولي الثاني بعد مطار بورتسودان في البلاد منذ استئناف نشاطه أواخر العام الماضي، وذلك بعد أيام من قصف مكثف شنّته قوات الدعم السريع على مناطق جنوب ولاية الخرطوم.

الحكومة السودانية قلّلت من هذه الهجمات، وبحسب وزراة الثقافة والإعلام لم يتم تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات، وأن الجهات المختصة الأمنية والعسكرية تعاملت مع الحادثة على الفور، وشرعت في تنفيذ الإجراءات الفنية والأمنية وفق البروتوكولات المعتمدة، مع مواصلة عمليات التقييم اللازمة لضمان أعلى مستويات السلامة والأمان. وأوضحت الوزارة أن حركة الطيران في المطار ستُستأنف بصورة طبيعية فوراً، عقب استكمال هذه الإجراءات الروتينية.

تحوّل جوهري في الموازين

في سياق أوسع، يعكس الهجوم تحولاً جوهرياً في موازين القوى الجوية، حيث برز مؤخراً اعتماد متزايد من قبل قوات الدعم السريع على الطائرات المسيّرة، ليس فقط من حيث الكثافة، بل أيضاً من حيث التطور النوعي في دقة الاستهداف وتعدد الأدوار القتالية.

هذا التحول أوجد تحديات ميدانية معقدة أمام منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني، في ظل ما يُعتقد أنه تطوير متسارع لقدرات هذه الطائرات.

يُعزى هذا التطور إلى جملة من العوامل المتداخلة، من بينها تنوع الترسانة الجوية التي تجمع بين المسيّرات الانتحارية والقتالية بعيدة المدى، إلى جانب اعتماد استراتيجية تعدد مواقع الإطلاق بما يعقّد عمليات الرصد والتتبع.

يعكس هذا التحول دخول الصراع السوداني مرحلة جديدة من الحروب الحديثة، لتصبح السماء ساحة مواجهة موازية للمعارك على الأرض

كما ساهمت ثغرات في فعالية بعض أنظمة الدفاع الجوي للجيش في منح هذه الطائرات مساحة أكبر للمناورة، فضلاً عن معلومات تشير إلى تلقي كوادر فنية تدريبات متقدمة خارج البلاد في مجالات التوجيه الدقيق والحرب الإلكترونية وإدارة العمليات الجوية.

بينما تتواصل هذه التحولات، يبرز القصف الأخير لمطار الخرطوم كمؤشر على مرحلة جديدة من الصراع، تتسم بتصاعد دور التكنولوجيا العسكرية وتبدل قواعد الاشتباك، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق الاستهداف ليشمل مزيداً من المنشآت الحيوية.

مخاطر على المدنيين والبنى التحتية

تحولت الطائرات المُسيرة مع مرور الوقت من وسيلة مساندة إلى عنصر رئيسي في إدارة المعركة، حيث تُستخدم لاستهداف مواقع عسكرية وخطوط إمداد، وحتى بنى تحتية حيوية مثل محطات الكهرباء والمطارات والمنشآت الحكومية المدنية والأسواق.

هذا التحول يعكس دخول الصراع السوداني مرحلة جديدة من الحروب الحديثة، لتصبح السماء ساحة مواجهة موازية للمعارك على الأرض، فظهور طائرات مسيّرة قتالية مثل (طائرة بيرقدار TB2 وبيرقدار أكانجي التركية وطائرة مهاجر-6 الإيرانية وطائرة وينغ لونغ-2 الصينية)، إلى جانب طائرات تجارية معدلة لأغراض عسكرية، يُشير إلى تصاعد ما يمكن وصفها بـ“حرب المسيّرات” في السودان.

الضربات التي تنفذها هذه المسيّرات غالباً ما تطال مناطق سكنية أو منشآت خدمية في ظل مخاوف من اتساع نطاق الدمار بسبب هذه التكنولوجيا، ويشير تقرير لـ "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED" إلى أنه منذ 1 يناير/كانون الثاني إلى 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 كان هناك زيادة بنسبة 47٪ في ضربات الطائرات المسيّرة مقارنة بالأشهر الـ 11 الأولى من عام 2024.

رغم أن الجيش السوداني كان يهيمن على الحرب الجوية باستخدام الطائرات المسيّرة والطائرات التقليدية، إلا أن قوات الدعم السريع تمكنت من الحصول على مخزون متزايد من طائرات "إف إتش 95" المسيّرة في عام 2025، شنّت من خلالها العديد من الهجمات بعيدة المدى.

المطارات مواقع أكثر استهدافاً

ووفقاً للتقرير كثّفت قوات الدعم السريع استخدامها للطائرات المسيّرة عند سيطرتها على مدينة الفاشر بإقليم دارفور في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وهدّدت مواقع قوات الجيش في مناطق بعيدة مثل الخرطوم وبورتسودان انطلاقًا من مقرها الرئيسي في نيالا، جنوب دارفور.

في مطلع مايو/أيار 2025 تعرضت القاعدة الجوية بمطار بورتسودان شرقي البلاد، للهجوم بـ 8 مسيّرات انتحارية واستراتيجية ما أدى لتدمير مستودعات ومنشآت مدنية بالمطار، وتعد بورتسودان هي العاصمة البديلة التي يدير منها الجيش شؤون البلاد.

فيما تعرض مطار الخرطوم – قبل إعادة افتتاحه مؤخراً - لهجمات مُتكررة بالمسيّرات أواخر أكتوبر/تشرين الأول بواسطة قوات الدعم السريع ما أدى إلى اندلاع حرائق وتصاعد ألسنة اللهب والدخان من داخل المطار.

وظل مطار مدينة نيالا غربي البلاد والتي تتخذها قوات الدعم السريع عاصمة لحكومتها يتعرض لهجمات متكرّرة، كان آخرها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 بواسطة مسيّرات تتبع للجيش السوداني، رداً على استهداف الدعم السريع لمطار الخرطوم.

بات لاستخدام هذه التكنولوجيا تأثيرها في تغيير ميزان القوى على الأرض، وحسم المعركة لصالح أحد الأطراف

استهداف المواقع المدنية يُعتبر إستخدام غير قانوني وغير شرعي للطائرات المسيّرة، وفقاً للخبير الأمني والاستراتيجي الفريق جلال تاور، ويضيف لـ«جسيكا بالعربي» خلال الحرب التي يشهدها السودان حالياً يتم أحياناً استهداف بعض الأسواق التي تجمع مدنيين وعسكريين حيث كانت هنالك تحذيرات من الإبتعاد عن المناطق التي يتواجد بها أفراد يرتدون الزي العسكري.

لكنه، يشير لرصد أفراد لقوات الدعم السريع في الأسواق معتبراً أن ذلك أمر به خطورة على الآخرين، وكذلك استهداف الدعم السريع لمحطات الكهرباء ومحطات المياه، ذلك بجانب استخدامه للمسيّرات في المعارك العسكرية مثلما تم في معركة الفاشر.

ويؤكد الخبير الأمني أن لكل سلاح استخدامات محددة؛ وكذلك للحرب قواعد محددة، منوهاً إلى أن قانون القوات المسلحة السودانية يدين الإضرار بالمنشآت المدنية، حيث يعد ذلك مخالفة للقانون الدولي والقوانين الداخلية لمعظم الدول التي من بينها السودان، لكنه يتهم قوات الدعم السريع بعد الإلتزام بهذه القواعد مثلما حدث في مدينة الفاشر.

بديل منخفض التكلفة

إن اعتماد طرفي الحرب، في السودان على الطائرات المسيّرة لم يعد مجرد وسيلة عسكرية مساندة، بل أصبح أداة مركزية في إدارة المعارك وتحديد مساراتها، لا سيما أنها أصبحت بديلاً منخفض التكلفة وأكثر مرونة مقارنة بالطيران الحربي التقليدي، ما سمح بتنفيذ ضربات دقيقة، واستهداف خطوط الإمداد والمطارات والقواعد العسكرية دون الحاجة إلى سيطرة جوية كاملة.

وفي ظل محدودية الدفاعات الجوية لدى الطرفين واتساع رقعة العمليات العسكرية، بات لاستخدام هذه التكنولوجيا تأثيرها في تغيير ميزان القوى على الأرض، وحسم المعركة لصالح أحد الأطراف.

أبرز الطائرات التي يستخدمها الجيش "بيرقدار TB2 التركية" وهي طائرة قتالية تُستخدم لضرب المدفعية وقوافل الإمداد والاستطلاع، وقد سلّمت تركيا عدداً من هذه الطائرات للجيش واستخدمت في القتال في الخرطوم والجزيرة.

تدخل مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، حيث تتسع رقعة المواجهة في السماء إلى جانب الأرض، وتتزايد كلفتها الإنسانية مع استمرار استهداف المدنيين والبنى التحتية

ويستخدم الجيش كذلك طائرة "مهاجر-6" وهي طائرة مسيّرة هجومية إيرانية تُستخدم للاستطلاع وتنفيذ ضربات بالقنابل أو الصواريخ الموجهة، تسلّمها الجيش ضمن دعم عسكري إيراني أواخر العام 2023.

وأيضاً يستخدم الجيش "بيرقدار أكانجي" وهي طائرة مسيّرة تركية ثقيلة بعيدة المدى تُستخدم لضرب أهداف استراتيجية ومنظومات دفاع جوي وصلت إلى الجيش السوداني عبر دعم وتعاون إقليمي.

أما قوات الدعم السريع فهي تستخدم "وينغ لونغ-2" وهي طائرة مسيّرة قتالية صينية بعيدة المدى تُستخدم لتنفيذ ضربات على الأهداف العسكرية والبنية التحتية، وقد أشارت تقارير إعلامية إلى استخدامها ضمن ترسانة قوات الدعم السريع.

كما تستخدم الدعم السريع "سي إتش-95" وهي طائرة مسيّرة صينية لمهام الاستطلاع والضربات الجوية، وقد رُصدت في مطار نيالا الخاضع لسيطرة قوات الدعم السريع. بجانب استخدام مسيّرات انتحارية بعيدة المدى لضرب أهداف بعيدة مثل الموانئ أو المطارات، حيث أظهرت صور أقمار صناعية هذه الطائرات في قواعد لقوات الدعم السريع في دارفور.

بجانب هذين النوعين تستخدم قوات الدعم السريع "طائرات مسيّرة تجارية من شركة دي جي آي"، وهي طائرات معدل للاستطلاع القريب وإسقاط القذائف أو القنابل الصغيرة.

ووفقاً للفريق جلال تاور، تعتبر الطائرات المسيّرة سلاح إضافي ضمن الأسلحة الجوية نتيجة للتقدم التكنولوجي، لكنها تحتاج إلى مهارات عالية وخبراء، لأنها تسير إلى مسافات محددة وتختار أهدافها بدقة كما تصل لمسافات.

وبحسب ما ذكر لـ«جسيكا بالعربي» فإن منها الإنقضاضية والإستراتيجية، وفي بعض الطرازات الحديثة تظل الطائرة المسيّرة في الأجواء إلى أكثر من 48 ساعة، فيما يؤكد على أنها ليست بديلاً للإستخدامات العسكرية للأجواء رغم ظهور بعض المسيرات التي تحمل أطناناً من المتفجرات، وهي تعد حمولة كبيرة لا تخطئ أهدافها بأي حال، بل العكس تتعامل مع أنظمة التشويش، وتتضمن عقلا تقنيا متقدما يحاور في الأجواء إلى أن يصل إلى هدفه في المكان المحدد له.

الداعمين الإقليميين

وفقاً لتقرير "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED" لا يزال التدخل الأجنبي يُساهم في استمرار الحرب الدائرة في السودان، بما في ذلك توفير التمويل اللازم لشراء المسيّرات لطرفي النزاع أو توفيرها بشكل مباشر.

تُقدم دولة الإمارات العربية المتحدة دعماً مادياً مباشراً لقوات الدعم السريع، التي تستفيد بدورها من شبكة دولية واسعة تمتد عبر جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة وتشاد وليبيا وكينيا وجنوب السودان وأوغندا. أما المملكة العربية السعودية، فتُساند الجيش المدعوم أيضاً من مصر وإيران وباكستان وتركيا، في وقت يخضع دور الإمارات والسعودية لرقابة دولية، ففي حين تُساهمان في تأجيج الصراع وتُناصران أطرافه المتحاربة، فإنهما تُشاركان أيضاً في جهود الوساطة الجارية لإنهاء الحرب.

في ظل هذا التحول المتسارع نحو استخدام الطائرات المسيّرة، تبدو الحرب في السودان وكأنها تدخل مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، حيث تتسع رقعة المواجهة في السماء إلى جانب الأرض، وتتزايد كلفتها الإنسانية مع استمرار استهداف المدنيين والبنى التحتية.

وبينما تمنح هذه التكنولوجيا أطراف النزاع قدرة أكبر على المناورة والحسم، فإنها في الوقت ذاته تُنذر بإطالة أمد الصراع وتعمّق معاناة السودانيين.